صفحة جزء
باب صلاة الميت قال المصنف رحمه الله تعالى ( الصلاة على الميت فرض على الكفاية لقوله صلى الله عليه وسلم { صلوا خلف من قال : لا إله إلا الله وعلى من قال : لا إله إلا الله } وفي أدنى ما يكفي قولان : ( أحدهما ) : ثلاثة ; لأن قوله صلى الله عليه وسلم صلوا خطاب جمع وأقل الجمع ثلاثة ( والثاني ) : يكفي واحد ; لأنها صلاة ليس من شرطها الجماعة ، فلم يكن من شرطها العدد كسائر الصلوات ، ويجوز فعلها في جميع الأوقات ; لأنها صلاة لها سبب فجاز فعلها في كل وقت ويجوز فعلها في المسجد وغيره ، لما روت عائشة رضي الله عنها { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد } والسنة أن يصلي في جماعة ، لما روى مالك بن هبيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا وجب } وتجوز فرادى لأن النبي صلى الله عليه وسلم " مات فصلى عليه الناس فوجا فوجا " وإن اجتمع نساء لا رجل معهن صلين عليه فرادى فإن النساء لا يسن لهن الجماعة في الصلاة على الميت ، وإن صلين جماعة فلا بأس ) .


( الشرح ) حديث { صلوا خلف من قال : لا إله إلا الله ، وعلى من قال : لا إله إلا الله } ضعيف . رواه الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور من [ ص: 168 ] رواية ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وإسناده ضعيف ، ورواه الدارقطني كذلك بأسانيد ضعيفة وقال لا يثبت منها شيء وتغني أحاديث كثيرة في الصحيح . كقوله صلى الله عليه وسلم " صلوا على صاحبكم " ، وهذا أمر وهو للوجوب . وقد نقلوا الإجماع على وجوب الصلاة على الميت إلا ما حكي عن بعض المالكية أنه جعلها سنة ، وهذا متروك عليه لا يلتفت إليه .

( وأما ) حديث عائشة فرواه مسلم في صحيحه ( وأما ) حديث مالك بن هبيرة فحديث حسن رواه أبو داود والترمذي : قال الترمذي : حديث حسن . وقال الحاكم : هو صحيح على شرط مسلم .

( وأما ) حديث صلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم أفواجا ، فرواه البيهقي بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال " لما صلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل الرجال فصلوا عليه بغير إمام أرسالا حتى فرغوا ، ثم أدخل النساء وصلين عليه ثم أدخل الصبيان فصلوا عليه ، ثم أدخل العبيد فصلوا عليه أرسالا لم يؤمهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد . قال الشافعي في الأم ورواه عنه أيضا البيهقي : وذلك لعظم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي ، وتنافسهم فيمن يتولى الصلاة عليه وصلوا عليه مرة بعد مرة ( وقوله ) أرسالا - بفتح الهمزة - أي متتابعين ( وقوله ) : أفواجا أي : يدخل فوج يصلون فرادى ثم فوج كذلك ( قوله ) : ليس من شرطها الجماعة احتراز من الجمعة ( قوله ) سهيل بن بيضاء هي أمه واسمها دعد ، والبيضاء لقب واسم أبيه وهب بن ربيعة وكان سهيل من السابقين إلى الإسلام ، وهاجر إلى الحبشة والمدينة وشهد بدرا وما بعدها ، وتوفي سنة تسع من الهجرة ، وكان هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنهما أسن الصحابة رضي الله عنهم ، ومالك بن هبيرة صحابي مشهور كندي سكوني مصري كان أميرا لمعاوية على الجيوش .

( وقوله ) إلا وجب فكذا هو في المهذب والذي في كتب الحديث أوجب بالألف ، وهو في رواية الحاكم والبيهقي : إلا غفر له ، وهو معنى أوجب ، [ ص: 169 ] وإن صح الذي في المهذب كان معناه وجب له الجنة ( وقوله ) : فإن النساء لا يسن لهن الجماعة في الصلاة على الميت ، هذا مما ينكر ، فيقال : هذا تعليل بنفس الحكم الذي ادعاه .

( أما الأحكام ) ففيه مسائل : ( إحداها ) : الصلاة على الميت فرض كفاية بلا خلاف عندنا وهو إجماع والمروي عن بعض المالكية مردود كما سبق وفي أقل ما يسقط به الفرض قولان : للشافعي ووجهان للأصحاب أحد القولين ثلاثة وهو نصه في الأم وبه قطع الشيخ أبو حامد والمحاملي في المجموع والتجريد وصاحب الحاوي ( الثاني ) : يكفي واحد حكاه القاضي أبو الطيب والقاضي حسين وابن الصباغ والمتولي عن نص الشافعي في الجامع الكبير ( وأحد الوجهين ) يشترط اثنان .

( والثاني ) : يشترط أربعة حكاهما القاضي حسين والبغوي وآخرون من الخراسانيين وقاسوا الأربعة على حمل الجنازة وضعف إمام الحرمين هذا بأن الأفضل في حمل الجنازة الحمل بين العمودين ، وذلك يحصل بثلاثة ، ولأنه إذا قلنا يحمل الجنازة أربعة لا يقال أنه واجب . وكلامنا هنا في الواجب ، والأصح من الخلاف الاكتفاء بواحد ; لأنه يصدق عليه أنه صلى على الميت ممن صححه الجرجاني والروياني والرافعي وغيرهم . وصحح البندنيجي والسرخسي اشتراط الثلاثة . فإن قلنا يشترط اثنان أو ثلاثة أو أربعة سقط الفرض بفعلهم جماعة أو فرادى بلا خلاف لكن الجماعة أفضل وتكثيرها أفضل .

وهل يسقط هذا الفرض بصلاة النساء مع وجود الرجال ؟ فيه وجهان : ( أصحهما ) لا يسقط وبه قطع الفوراني والبغوي وآخرون ( والثاني ) : يسقط ، وبه قطع المتولي والخنثي كالمرأة في هذا .

( وأما ) إذا لم يحضره إلا النساء فإنه يجب عليهن الصلاة عليه بلا خلاف ، ويسقط الفرض بفعلهن حينئذ بلا خلاف ويصلين فرادى ، فإن صلين جماعة فلا بأس ، هذه عبارة الشافعي والأصحاب وسواء كان الميت رجلا أو امرأة ، وحكى الرافعي عن حكاية أبي المكارم صاحب العدة وجها ضعيفا أنه يستحب لهن الجماعة في جنازة المرأة وهو شاذ . [ ص: 170 ] وأما ) إذا حضر النساء مع الرجال فلا خلاف أنه لا يتوجه الفرض إليهن ولا يدخلن فيه ، صرح به الشيخ أبو حامد والأصحاب ، ولو لم يحضر إلا رجل ونسوة وقلنا لا يسقط الفرض بواحد وجب عليهن التتميم . وأما الصبيان المميزون فمعلوم أنه لا يتوجه إليهم هذا الفرض ، وهل يسقط بصلاتهم ؟ فيه وجهان حكاهما البغوي والمتولي وآخرون ( أصحهما ) يسقط ، قال البغوي ونص عليه الشافعي ; لأنه تصح إمامته ، فأشبه البالغ ، ولو صلى الإمام بجماعة على جنازة فبان حدث الإمام ، أو بعض المأمومين ، فإن بقي على الطهارة العدد المشروط أو واحد إن اكتفينا به سقط الفرض وإلا فلا ، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب . قال أصحابنا رحمهم الله : وإذا صلى على الجنازة عدد زائد على المشروط وقعت صلاة الجميع فرض كفاية وكذا لو صلت طائفة بعد طائفة فصلاة الجميع فرض كفاية وسيأتي فيه زيادة شرح وتفريع في الفصل العاشر من هذا الباب إن شاء الله تعالى .

( المسألة الثانية ) تجوز صلاة الجنازة في كل الأوقات ولا تكره في أوقات النهي ; لأنها ذات سبب قال أصحابنا : لكن يكره أن يتحرى صلاتها في هذه الأوقات ، بخلاف ما إذا حصل ذلك اتفاقا ، وقد سبقت المسألة بأدلتها في باب الساعات .

( المسألة الثالثة ) الصلاة على الميت في المسجد صحيحة جائزة لا كراهة فيها بل هي مستحبة صرح باستحبابها في المسجد الشيخ أبو حامد الإسفراييني شيخ الأصحاب والبندنيجي وصاحب الحاوي والجرجاني وآخرون ، هذا مذهبنا وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق وعمر وهو مذهب عائشة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن من الصحابة رضي الله عنهم ، وأحمد وإسحاق وابن المنذر وغيرهم من الفقهاء ، وبعض أصحاب مالك ، وقال مالك وأبو حنيفة وابن أبي ذئب تكره الصلاة عليه في المسجد . واحتجوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له } رواه أبو داود وغيره . واحتج أصحابنا [ ص: 171 ] بحديث عائشة المذكور في الكتاب ، وهو في صحيح مسلم كما ذكرناه . وأما حديث أبي هريرة هذا ( فجوابه ) من أوجه : ( أحدها ) : أنه ضعيف باتفاق الحفاظ وممن نص على ضعفه الإمام أحمد بن حنبل وأبو بكر بن المنذر والبيهقي وآخرون ، قال أحمد : هذا الحديث مما انفرد به صالح مولى التوأمة وهو مختلف في عدالته ، لكن معظم ما عابوا عليه الاختلاط ، قالوا : وسماع ابن أبي ذئب ونحوه منه قبل الاختلاط ، وهذا الحديث من رواية ابن أبي ذئب عنه والله أعلم .

( والوجه الثاني ) : أن الذي ذكره أبو داود روايته في جميع نسخ كتابه المعتمدة فلا " شيء عليه " وعلى هذا لا دلالة فيه لو صح ( وأما ) رواية ( فلا شيء له ) فهي مع ضعفها غريبة ولو صحت لوجب حملها على ( فلا شيء عليه ) للجمع بين الروايات وقد جاء مثله في القرآن ، كقوله تعالى : { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها } أي : فعليها .

( الثالث ) : أجاب به الخطابي وسائر أصحابنا في كتب المذهب أنه لو ثبت لكان محمولا على نقصان الأجر ; لأن المصلي عليها في المسجد ينصرف غالبا إلى أهله ، ومن صلى عليها في الصحراء حضر دفنها غالبا ، فنقص أجر الأول ، ويكون التقدير فلا أجر كامل له ، كقوله : صلى الله عليه وسلم { لا صلاة بحضرة الطعام } أي : لا صلاة كاملة . فإن قيل : لا حجة في حديث عائشة لاحتمال أنه صلى الله عليه وسلم إنما صلى عليه في المسجد لعذر مطر أو غيره ، أو أنه وضعه خارج المسجد وصلى عليه هو في المسجد ، أو أن المراد بالمسجد مصلى الجنائز ( فالجواب ) أن هذه الاحتمالات كلها باطلة ; لأن لفظ الحديث في صحيح مسلم عن عباد بن عبد الله بن الزبير " أن عائشة رضي الله عنها أمرت أن تمر بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه ، فأنكر الناس ذلك عليها ، فقالت : ما أسرع ما نسي الناس { ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد } " . وفي رواية لمسلم عن عائشة أنها قالت " لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه ، [ ص: 172 ] ففعلوا فوقف به على حجرهن يصلين عليه . أخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقابر ، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك ، فقالت عائشة رضي الله عنها : " ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به ، عابوا علينا أن نمر بجنازة في المسجد ، { وما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد } وفي رواية لمسلم أيضا قالت عائشة رضي الله عنها { لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه } .

( المسألة الرابعة ) : تجوز صلاة الجنازة فرادى بلا خلاف ، والسنة أن يصلى جماعة للحديث المذكور في الكتاب مع الأحاديث المشهورة في الصحيح في ذلك ، مع إجماع المسلمين ، وكلما كثر الجمع كان أفضل لحديث مالك بن هبيرة المذكور في الكتاب . وحديث عائشة وأنس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت { : ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه } رواه مسلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه } رواه مسلم . ويستحب أن تكون صفوفهم ثلاثة فصاعدا ، لحديث مالك بن هبيرة . وفي تمام حديثه " وكان مالك إذا استقل أهل الجنازة جزأهم ثلاثة صفوف " وأما النساء فإن كن مع الرجال صلين مقتديات بإمام الرجال وإن تمحضن . قال الشافعي والمصنف والأصحاب : أستحب أن يصلين منفردات . كل واحدة وحدها . فإن صلت بهن إحداهن جاز وكان خلاف الأفضل وفي هذا نظر وينبغي أن تسن لهن الجماعة كجماعتهن في غيرها . وقد قال به جماعة من السلف منهم الحسن بن صالح وسفيان الثوري وأحمد وأصحاب أبي حنيفة وغيرهم وقال مالك : فرادى .

التالي السابق


الخدمات العلمية