صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( دفن الميت فرض على الكفاية ; لأن في تركه على وجه الأرض هتكا لحرمته ، ويتأذى الناس من رائحته ، والدفن في المقبرة أفضل ، لأن { النبي صلى الله عليه وسلم كان يدفن الموتى بالبقيع } ، ولأنه يكثر الدعاء له ممن يزوره ويجوز الدفن في البيت لأن النبي صلى الله عليه وسلم دفن في حجرة عائشة رضي الله عنها فإن قال بعض الورثة : يدفن في المقبرة ، وقال بعضهم : [ يدفن ] في البيت ، دفن في المقبرة ، لأن له حقا في البيت ، فلا يجوز إسقاطه ، ويستحب أن يدفن في أفضل مقبرة ، لأن عمر رضي الله عنه " استأذن عائشة رضي الله عنها أن يدفن مع صاحبيه " ويستحب أن يجمع الأقارب في موضع واحد ، لما روي أن { النبي صلى الله عليه وسلم ترك عند رأس عثمان بن مظعون صخرة ، وقال : نعلم على قبر أخي لأدفن إليه من مات } وإن تشاح اثنان في مقبرة مسبلة قدم السابق منهما لقوله صلى الله عليه وسلم { منى مناخ من سبق فإن استويا في السبق أقرع بينهما } ) .


( الشرح ) حديث الدفن بالبقيع صحيح متواتر معروف والبقيع بالباء الموحدة : مدفن أهل المدينة وحديث دفن النبي صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة صحيح متواتر وحديث استئذان عمر أن يدفن مع صاحبيه صحيح ، رواه البخاري وغيره وصاحباه هما النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه وحديث { منى مناخ من سبق } " رواه أبو محمد الدارمي وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد جيدة من رواية عائشة قال الترمذي : هو حديث حسن ومنى الموضع المعروف ينون ولا ينون والمناخ بضم الميم [ ص: 244 ] وحديث عثمان بن مظعون رضي الله عنه رواه أبو داود والبيهقي بإسنادهما عن المطلب بن عبد الله بن حنطب ، بفتح الحاء المهملة وإسكان النون وفتح الطاء وهو من التابعين عمن أخبره عن النبي صلى الله عليه وسلم ورأى النبي صلى الله عليه وسلم حين أخذ الحجر وجعله عند رأس عثمان بن مظعون " فهو مسند لا مرسل لأنه رواه عن صحابي والصحابة رضي الله عنهم كلهم عدول لا تضر الجهالة بأعيانهم ، ورواه ابن ماجه رحمه الله عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم قبر عثمان بن مظعون بصخرة .

( وقوله ) عثمان بن مظعون بالظاء المعجمة والعين المهملة ( وقوله ) وقال : " نعلم على قبر أخي " هو بضم النون وإسكان العين ، من الإعلام الذي هو فعل العلامة وقوله : " لأدفن إليه من مات " كذا وقع في المهذب ، والذي في كتب الحديث لأدفن إليه من مات من أهلي .

( أما الأحكام ) ففيه مسائل : ( إحداها ) دفن الميت فرض كفاية بالإجماع ، وقد علم أن فرض الكفاية إذا تعطل أثم به كل من دخل في ذلك الفرض دون غيرهم ، قال صاحب الحاوي رحمه الله في أول باب غسل الميت : قال الشافعي رحمه الله : لو أن رفقة في سفر مات أحدهم فلم يدفنوه نظر إن كان ذلك في طريق آهل يخترقه المارة أو بقرب قرية للمسلمين فقد أساءوا ترك الدفن وعلى من بقربه دفنه ، قال : وإن تركوه في موضع لا يمر به أحد أثموا وعصوا الله تعالى وعلى السلطان أن يعاقبهم على ذلك إلا أن يكونوا في مخافة من عدو يخافون إن اشتغلوا بالميت اصطلموا فالذي يختار أن يواروه ما أمكنهم فإن تركوه لم يأثموا لأنه موضع ضرورة قال الشافعي رحمه الله : ولو أن مجتازين مروا على ميت بصحراء لزمهم القيام به رجلا كان أو امرأة فإن تركوه أثموا ثم ينظر فإن كان بثيابه ليس عليه أثر غسل ولا كفن لزمهم غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنوه بحسب الإمكان وإن كان عليه أثر غسل وحنوط وكفن دفنوه ، فإن اختاروا الصلاة عليه صلوا بعد دفنه ، لأن الظاهر أنه صلي عليه . هذا آخر كلام صاحب الحاوي رحمه الله .

[ ص: 245 ] الثانية ) يجوز الدفن في البيت وفي المقبرة والمقبرة أفضل بالاتفاق ودليلهما في الكتاب ، وفي معنى البيت البستان وغيره من المواضع التي ليست فيها مقابر ( فإن قيل ) كيف قلتم الدفن في المقبرة أفضل ؟ والنبي صلى الله عليه وسلم إنما دفن في البيت ( فالجواب ) من ثلاثة أوجه ( أشهرها ) وهو جواب جمهور أصحابنا أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن أصحابه في المقبرة فكان الاقتداء بفعله أولى ، وإنما دفن هو صلى الله عليه وسلم في الحجرة ; لأنهم اختلفوا في مدفنه فقال أبو بكر رضي الله عنه " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه فادفنوه في موضع فراشه } ; ولأنهم خصوه بالحجرة لكثرة زائريه وقاصديه ليخف عليهم بقربه ( الثاني ) أجاب به المتولي [ أنه يحدث ] من دفنه صلى الله عليه وسلم في بعض المقابر التنازع والتنافس فيه فيطلبه كل قبيلة ليدفن عندهم ، ( الثالث ) ذكره المتولي أيضا ; وهو أنهم فعلوه صيانة لقبره لئلا يزدحم الناس عليه وينتهكوه وهذا الجواب ضعيف ; لأن الازدحام في المسجد أكثر والله أعلم .

( الثالثة ) لو قال بعض الورثة : يدفن في ملك الميت ، وقال بعضهم : بل في المقبرة المسبلة دفن في المقبرة بلا خلاف لما ذكره المصنف ، فلو بادر أحدهم ودفنه في بيت الميت ; قال أصحابنا : كان للباقين نقله لكن يكره ذلك لهم فلو قال بعضهم : يدفن في ملكي لم يلزم الباقين قبوله لأن عليهم منة ، فلو بادر أحد منهم فدفنه في ملك نفسه أو كفنه من مال نفسه قال ابن الصباغ : لم يذكره الأصحاب قال : وعندي أنه لا ينقل ولا ينزع كفنه بعد دفنه ; لأنه ليس في تبعيته إسقاط حق أحد ، وفي نقله هتك حرمته ، وهذا الذي اختاره صاحب الشامل جزم به صاحب التتمة ، ولو اتفقوا على دفنه في ملك الميت ثم باعته الورثة لم يكن للمشتري نقله وله الخيار في فسخ البيع ، إن كان جاهلا بدفنه ، ثم إذا بلي أو اتفق نقله فهل يكون المدفون للبائعين ، أم للمشتري ؟ فيه وجهان حكاهما القاضي حسين وغيره سيأتي نظائرهما في البيع إن شاء الله تعالى

[ ص: 246 ] منها ) لو باع شجرة أو بستانا واستثنى منه شجرة بعينها ثم قلعها فهل يبقى الغرس على ملك البائع ؟ أم يكون للمشتري ؟ فيه وجهان يعبر عنهما بأنه هل تتبع الشجرة ، ( أصحهما ) لا تتبعها .

( الرابعة ) قال الشافعي والمصنف وأصحابنا رحمهم الله : يستحب أن يجمع الأقارب في موضع من المقبرة لما ذكره المصنف ، قال البندنيجي : ويستحب أن يقدم الأب إلى القبلة ثم الأسن فالأسن .

( الخامسة ) لو سبق اثنان إلى مقبرة مسبلة وتشاحا في مكان قدم الأسبق فإن استويا في السبق قدم بالقرعة .

( السادسة ) قال الشافعي في الأم والقديم وجميع الأصحاب : يستحب الدفن في أفضل مقبرة في البلد لما ذكره المصنف ، ولأنه أقرب إلى الرحمة قالوا : ومن ذلك المقابر المذكورة بالخير ودفن الصالحين فيها .

التالي السابق


الخدمات العلمية