صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى : ( ويستحب لأقرباء الميت وجيرانه أن يصلحوا لأهل الميت طعاما لما روي أنه : { لما قتل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : اصنعوا لآل جعفر طعاما ، فإنه قد جاءهم أمر يشغلهم عنه } ) .


( الشرح ) الحديث المذكور رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم من رواية عبد الله بن جعفر ، قال الترمذي حديث حسن ، ورواه أحمد بن حنبل وابن ماجه أيضا من رواية أسماء بنت عميس ( وقوله ) صلى الله عليه وسلم يشغلهم - بفتخ الياء وحكي ضمها وهو شاذ ضعيف ، وقد وقع في المهذب يشغلهم عنه ، والذي في كتب الحديث يشغله بحذف ( عنه ) ، وكان قتل جعفر رضي الله عنه في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة [ ص: 290 ] في غزوة مؤتة ، وهي موضع معروف بالشام عند الكرك ، واتفقت نصوص الشافعي في الأم والمختصر والأصحاب على أنه يستحب لأقرباء الميت وجيرانه أن يعملوا طعاما لأهل الميت ، ويكون بحيث يشبعهم في يومهم وليلتهم . قال الشافعي في المختصر : وأحب لقرابة الميت وجيرانه أن يعملوا لأهل الميت في يومهم وليلتهم طعاما يشبعهم ، فإنه سنة ، وفعل أهل الخير ، قال أصحابنا : ويلح عليهم في الأكل ولو كان الميت في بلد آخر يستحب لجيران أهله أن يعملوا لهم طعاما ، ولو قال المصنف : ويستحب لأقرباء الميت وجيران أهله لكان أحسن لدخول هذه الصورة . قال أصحابنا رحمهم الله : ولو كان النساء ينحن لم يجز اتخاذ طعام لهن ، لأنه إعانة على المعصية . قال صاحب الشامل وغيره : وأما إصلاح أهل الميت طعاما وجمع الناس عليه فلم ينقل فيه شيء ، وهو بدعة غير مستحبة . هذا كلام صاحب الشامل . ويستدل لهذا بحديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال : " كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة " رواه أحمد بن حنبل وابن ماجه بإسناد صحيح . وليس في رواية ابن ماجه : بعد دفنه .

( وأما ) الذبح والعقر عند القبر فمذموم لحديث أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا عقر في الإسلام } رواه أبو داود والترمذي ، وقال : حسن صحيح ، وفي رواية أبي داود : قال عبد الرزاق : كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة .

فرع : في مسائل تتعلق بكتاب الجنائز : ( إحداها ) : قال الشافعي في الأم وأصحابنا : يستحب مسح رأس اليتيم ودهنه وإكرامه ، ولا يقهر ولا ينهر .

( الثانية ) المستحب خفض الصوت في السير بالجنازة ومعها ، فلا يشتغلوا بشيء غير الفكر فيما هي لاقية وصائرة إليه ، وفي حاصل الحياة وأن هذا آخرها ولا بد منه وقد أفرد ابن المنذر في الإشراف والبيهقي في السنن الكبيرة بابا في هذه المسألة قال ابن المنذر : روينا عن قيس بن عباد ، [ ص: 291 ] بضم العين وتخفيف الباء ، قال { كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند ثلاث : عند القتال ، وعند الجنائز ، وعند الذكر } قال : وذكر الحسن البصري عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنهم يستحبون خفض الصوت عند الجنائز وعند قراءة القرآن ، وعند القتال " قال : وكره الحسن وسعيد بن جبير والنخعي وإسحاق قول القائل خلف الجنازة : استغفروا الله له ، وقال عطاء : هي محدثة وبه قاله الأوزاعي قال ابن المنذر : ونحن نكره من ذلك ما كرهوا .

( الثالثة ) عن عبيد بن خالد الصحابي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { موت الفجاءة أخذة أسف } وروي مرفوعا هكذا وموقوفا على عبيد الله بن خالد رواه أبو داود هكذا بالوجهين بإسناد صحيح ، قال الخطابي رحمه الله في تفسير هذا الحديث : الأسف الغضبان ومنه قوله تعالى { : فلما آسفونا } وذكر المدائني أن إبراهيم الخليل وجماعة من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ماتوا فجأة ، قال : وهو موت الصالحين وهو تخفيف على المؤمن ويحتمل أن يقال : إنه لطف ورفق بأهل الاستعداد للموت المتيقظين ، وأما غيرهم ممن له تعلقات يحتاج إلى الإيصاء والتوبة واستحلال من بينه وبينه معاملة أو مصاحبة ونحو ذلك فالفجأة في حقه أخذة أسف وروى البيهقي عن ابن مسعود وعائشة رضي الله عنهما قالا في موت الفجأة هو راحة للمؤمن وأخذة أسف للفاجر ورواه مرفوعا من رواية عائشة رضي الله عنها .

( الرابعة ) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها ثم قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها } رواه أبو داود بإسناد صحيح إلا رجلا مختلفا في توثيقه ، وقد روى له البخاري في صحيحه قال الحاكم : هو صحيح قال الخطابي رحمه الله : استعمل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه الحديث على ظاهره ، قال : وقد روي في تحسين الكفن أحاديث قال : وتأوله بعض العلماء على أن المراد بالثياب العمل فيبعث [ ص: 292 ] على ما مات عليه من عمل صالح أو سيئ ، والعرب تقول فلان : طاهر الثياب إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيوب ، وبدنس الثياب إذا كان بخلاف ذلك قال : واستدل هذا القائل بقوله صلى الله عليه وسلم { يحشر الناس حفاة عراة } فدل على أنه ليس المراد الثياب التي هي الكفن قال وتأوله بعضهم على أن البعث غير الحشر فيجوز أن يكون البعث مع الثياب والحشر مع العري والحفاء .

( الخامسة ) ثبت في الصحيحين عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال : سمعت { رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الطاعون : إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه } .

( السادسة ) يستحب للمريض أن يتعاهد نفسه بتقليم أظفاره وأخذ شعر شاربه وإبطه وعانته واستدلوا له بحديث خبيب بن عدي ، بضم الخاء المعجمة ; رضي الله عنه " أنه لما أرادت كفار قريش قتله استعار موسى يستحد بها " رواه البخاري رحمه الله .

( السابعة ) عن البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إذا قعد المؤمن في قبره أتى ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فذلك قوله : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } } رواه البخاري ومسلم رحمهما الله وفي رواية لمسلم عن { النبي صلى الله عليه وسلم قال { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } قال : نزلت في عذاب القبر } وعن أنس رضي الله عنه قال : " قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : { إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا ، فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله ، فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا في الجنة فيراهما جميعا قال قتادة : وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا ويملى عليه خضرا إلى يوم يبعثون ، وأما المنافق أو الكافر فيقول : لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيه ، فيقال : لا دريت ولا تليت ، ثم يضرب بمطرقة من [ ص: 293 ] حديد ضربة بين أذنيه ، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين } رواه البخاري ومسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا قبر الميت - أو قال أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر وللآخر النكير فيقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول ما كان يقول : هو عبد الله ورسوله ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، فيقولان : قد كنا نعلم أنك تقول هذا ، فيفسح له في قبره سبعين في سبعين ثم ينور له فيه ، وذكر نحو ما سبق فيه وفي المنافق } رواه الترمذي وقال : حديث حسن وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، يقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة } رواه أحمد بن حنبل والنسائي والترمذي وغيرهم وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .

( الثامنة ) : ثبتت الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { كان يتعوذ من عذاب القبر وأنه أمر بالتعوذ } وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : { فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر } وقد سبق بيان جملة من هذا في الدعاء في آخر الصلاة قبل السلام ، ومذهب أهل الحق إثبات عذاب القبر للكفار ولمن شاء الله من العصاة ، وشبهوه بالنائم الذي تراه ساكنا غير حاس بشيء ; وهو في نعيم ، أو عذاب ونكد . وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر } رواه مسلم . وعن أبي أيوب رضي الله عنه قال { : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما غربت الشمس فسمع صوتا فقال : يهود تعذب في قبورها } رواه البخاري ومسلم .

( التاسعة ) { عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن أمي افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت أفينفعها إن تصدقت [ ص: 294 ] عنها ؟ قال : نعم } رواه البخاري ومسلم . والأحاديث بهذا المعنى كثيرة في الصحيح مشهورة وأجمع المسلمون على أن الصدقة عن الميت تنفعه وتصله ، وسنبسط الكلام فيها إن شاء الله تعالى في آخر كتاب الوصية ، حيث ذكر المصنف والشافعي والأصحاب المسألة ، وإنما قصدت التنبيه هنا على أصل المسألة .

( العاشرة ) : عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر } رواه الترمذي وضعفه .

( الحادية عشرة في موت الأطفال ) عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم } رواه البخاري ومسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " { لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم } رواه البخاري ومسلم . وتحلة القسم قوله عز وجل { وإن منكم إلا واردها } والمختار أن المراد به المرور على الصراط . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنساء { ما منكن من امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابا من النار . فقالت امرأة : واثنين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : واثنين } رواه البخاري ومسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال { : أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم بصبي لها فقالت : يا رسول الله ادع الله له فلقد دفنت ثلاثة . فقال : دفنت ثلاثة ؟ قالت : نعم . قال : لقد احتظرت بحظار شديد من النار } فرواه مسلم وعن أبي حسان قال : " قلت لأبي هريرة مات لي ابنان فما أنت محدثي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تطيب أنفسنا عن موتانا ؟ قال : قال : نعم { صغارها دعاميص الجنة يتلقى أحدهم أباه - أو قال : أبوه - فيأخذ بثوبه - أو قال بيده - فلا يتناهى - أو قال ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة } رواه مسلم . قال أهل الغريب : الدعاميص جمع [ ص: 295 ] دعموص كبرغوث وبراغيث ، قالوا : وهو الدخال في الأمور . ومعناه أنهم سياحون في الجنة دخالون في منازلهم لا يمنعون من موضع منها . كما أن الصبيان في الدنيا لا يمنعون الدخول على الحرم . وجاءت في الباب أحاديث كثيرة غير ما ذكرته ، ومنها أن موت الواحد من الأولاد حجاب من النار وكذا السقط . والله أعلم بالصواب وله الحمد والنعمة وبه التوفيق والعصمة .

التالي السابق


الخدمات العلمية