صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى : ( وتجب في مال الصبي والمجنون لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { ابتغوا في مال اليتامى ، لا تأكلها الزكاة } ولأن الزكاة تراد لثواب المزكى ، [ ص: 301 ] ومواساة الفقير . والصبي والمجنون من أهل الثواب ومن أهل المواساة ، ولهذا يجب عليهما نفقة الأقارب ، ويعتق عليهما الأب إذا ملكاه فوجبت الزكاة في مالهما ) .


( الشرح ) هذا الحديث ضعيف ، رواه الترمذي والبيهقي من رواية المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم والمثنى بن الصباح ضعيف ، ورواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح عن يوسف بن ماهك عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، لأن يوسف تابعي وماهك بفتح الهاء أعجمي لا ينصرف ، وقد أكد الشافعي رحمه الله هذا المرسل بعموم الحديث الصحيح في إيجاب الزكاة مطلقا ، وبما رواه عن الصحابة في ذلك ، ورواه البيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقوفا عليه وقال : إسناده صحيح ، ورواه أيضا عن علي بن مطرف .

وروى إيجاب الزكاة في مال اليتيم ، عن ابن عمر والحسن بن علي وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم . قال البيهقي : فأما ما روي عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عبد الله بن مسعود : من ولي مال يتيم فليحص عليه السنين فإذا دفع إليه ماله أخبره بما عليه من الزكاة ، فإن شاء زكى وإن شاء ترك " فقد ضعفه الشافعي من وجهين : ( أحدهما ) : أنه منقطع لأن مجاهدا لم يدرك ابن مسعود .

( والثاني ) : أن ليث بن أبي سليم ضعيف ، قال البيهقي ضعف أهل العلم ليثا ( قال ) وقد روي أيضا عن ابن عباس إلا أنه انفرد به ابن لهيعة ، وهو ضعيف لا يحتج به .

( وأما ) رواية من روى هذا الحديث : { لا تأكلها الصدقة } ولم يقل الزكاة فالمراد بالصدقة الزكاة كما جاء في هذه الرواية ، ( فإن قيل ) : فالزكاة لا تأكل المال ، وإنما تأكل ما زاد على النصاب ( فالجواب ) أن المراد تأكل معظمه الزكاة مع النفقة ، واستدل أصحابنا أيضا من جهة القياس بأن كل من وجب العشر في زرعه وجبت الزكاة في سائر أمواله ، كالبالغ العاقل ، فإن أبا حنيفة رحمه الله وافقنا على إيجاب العشر في مال الصبي والمجنون وإيجاب زكاة الفطر في مالهما وخالفنا في غير ذلك ، وأما استدلال الحنفية بقول الله تعالى { : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } ، والصبي والمجنون [ ص: 302 ] ليسا من أهل التطهير ، إذ لا ذنب لهما ( فالجواب ) أن الغالب أنها تطهير وليس ذلك شرطا فإنا اتفقنا على وجوب الفطر والعشر في مالهما ، وإن كان تطهيرا في أصله .

( وأما ) قوله صلى الله عليه وسلم { : رفع القلم عن ثلاثة } فالمراد رفع الإثم والوجوب ، ونحن نقول : لا إثم عليهما ولا تجب الزكاة عليهما ، بل يجب في مالهما ، ويطالب بإخراجها وليهما ، كما يجب في مالهما قيمة ما أتلفاه ، ويجب على الولي دفعها . وأما قياسهم على الحج ( فأجاب ) إمام الحرمين رحمه الله في الأساليب والأصحاب عنه : أنه ليس ركنا فيه ، وإنما يتطرق إليه المال توصلا بخلاف الزكاة ، قال الإمام : المعتمد أن مقصود الزكاة سد خلة الفقير من مال الأغنياء شكرا لله تعالى ، وتطهيرا للمال ، ومال الصبي قابل لأداء النفقات والغرامات .

( إذا ثبت هذا ) فالزكاة عندنا واجبة في مال الصبي والمجنون بلا خلاف ويجب على الولي إخراجها من مالهما كما يخرج من مالهما غرامة المتلفات ونفقة الأقارب وذلك من الحقوق المتوجهة إليهما ، فإن لم يخرج الولي الزكاة وجب على الصبي والمجنون بعد البلوغ والإفاقة إخراج زكاة ما مضى باتفاق الأصحاب ; لأن الحق توجه إلى مالهما ، لكن الولي عصى بالتأخير فلا يسقط ما توجه إليهما .

وأما المال المنسوب إلى الجنين بالإرث أو غيره فإذا انفصل حيا هل تجب فيه الزكاة ؟ فيه طريقان ( المذهب ) أنها لا تجب ، وبه قطع الجمهور لأن الجنين لا يتيقن حياته ، ولا يوثق بها ، فلا يحصل تمام الملك واستقراره ، فعلى هذا يبتدئ حولا من حين ينفصل . والطريق الثاني : حكاه الماوردي في باب نية الزكاة والمتولي والشاشي وآخرون فيه وجهان ( أصحهما ) هذا ، ( والثاني ) تجب كالصبي ، قال إمام الحرمين : تردد فيه شيخي ، قال : وجزم الأئمة بأنها لا تجب والله أعلم ، وقول المصنف : الزكاة تراد لثواب المزكي ، ومواساة الفقير ، هذان لا بد منهما ، فبقوله ثواب المزكي يخرج الكافر ، وبقوله ( مواساة الفقير ) يخرج المكاتب والله أعلم .

فرع : في مذاهب العلماء في زكاة مال المكاتب قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا زكاة في مال المكاتب ، سواء الزرع وغيره ، [ ص: 303 ] وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف ، قال ابن المنذر : وهو قول العلماء كافة إلا أبا ثور فأوجبها على المكاتب في كل شيء كالحر ، وحكاه العبدري وغيره عن داود ، وقال أبو حنيفة : يجب العشر في زرعه ولا تجب الزكاة في باقي أمواله ، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم : { فيما سقت السماء العشر } وهو حديث صحيح واحتج داود بقوله تعالى { : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } والمكاتب والعبد يدخلان في الخطاب الأصح عند الأصوليين دليلنا ضعف ملكه بخلاف الحر ولأنها للمواساة وليس هو من أهلها وعلى أبي حنيفة أيضا بالقياس على غير العشر ، والآية والحديث محمولان على الأحرار .

فرع : في مذاهبهم في مال العبد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يملك على الصحيح ، وإن ملك على الضعيف فلا زكاة ، وبه قال جمهور العلماء ، وبه قال ابن عمر وجابر والزهري وقتادة ومالك وأبو حنيفة وسائر العلماء إلا ما حكاه ابن المنذر عن عطاء وأبي ثور أنهما أوجباها على العبد ، قال : وروي أيضا عن عمر وحكاه العبدري عن داود .

( فرع ) : في مذاهبهم في مال الصبي والمجنون ، ذكرنا أن مذهبنا وجوبها في مالهما ، وبه قال الجمهور ، وحكى ابن المنذر وجوبها في مال الصبي عن عمر بن الخطاب وعلي وابن عمر وجابر والحسن بن علي وعائشة وطاوس وعطاء وجابر وابن زيد ومجاهد وابن سيرين وربيعة ومالك والثوري والحسن بن صالح وابن عيينة وعبيد الله بن الحسن وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور وسليمان بن حرب رضي الله عنهم وقال أبو وائل وسعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي : لا زكاة في مال الصبي ، وقال سعيد بن المسيب : لا يزكي حتى يصلي ويصوم رمضان ، وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز : في ماله الزكاة لكن لا يخرجها الولي بل يحصيها ، فإذا بلغ الصبي أعلمه فيزكي عن نفسه ، وقال ابن أبي ليلى : فيما ملكه زكاة لكن إن أداها الوصي ضمن ، وقال ابن شبرمة : لا زكاة في ذهبه وفضته ، وتجب [ ص: 304 ] في إبله وبقره وغنمه وما ظهر من ماله زكيته وما غاب عني فلا . وقال أبو حنيفة : لا زكاة في ماله إلا عشر المعشرات ، وسبق بيان دليلنا عن الجميع والجواب عما عارضه .

التالي السابق


الخدمات العلمية