صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى باب زكاة الزروع : ( وتجب الزكاة في كل ما تخرجه الأرض مما يقتات ويدخر وينبته الآدميون كالحنطة والشعير والدخن والذرة والجاورس والأرز وما أشبه ذلك ; لما روى معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : فيما سقت السماء والبعل والسيل والبئر والعين العشر ، وفيما سقي بالنضح نصف العشر يكون ذلك في الثمر والحنطة والحبوب ، فأما القثاء والبطيخ والرمان والقضب والخضر فعفو ، عفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم } ولأن الأقوات تعظم منفعتها ، فهي كالأنعام في الماشية . وكذلك تجب الزكاة في القطنية - وهي العدس والحمص والماش واللوبيا والباقلاء والهرطمان ; لأنه يصلح للاقتيات - ويدخر للأكل فهو كالحنطة والشعير ) .


( الشرح ) : حديث معاذ رواه هكذا البيهقي في السنن الكبير إلا أنه مرسل وآخره { : عفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم } " ورواه الترمذي مختصرا { أن معاذا كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن الخضراوات وهي البقول فقال : ليس فيها شيء } قال الترمذي : ليس إسناده بصحيح ، قال : وليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا شيء . قال الترمذي : والعمل على هذا عند أهل العلم أنه ليس في الخضراوات صدقة - يعني عند أكثر أهل العلم - وإلا فأبو حنيفة رضي الله عنه يوجب فيها كما سبق بيانه في باب زكاة الثمار . وقال البيهقي بعد أن روى هذا الحديث وأحاديث مراسيل : هذه الأحاديث كلها مراسيل إلا أنها من طرق مختلفة ، فيؤكد بعضها بعضا ، ومعها قول الصحابة رضي الله عنهم ، ثم روي عن عمر وعلي وعائشة رضي الله عنهم . وقوله ( والجاورس ) هو [ ص: 469 ] بالجيم وفتح الواو . قيل : هو حب صغار من حب الذرة ، وأصله كالقضب إلا أن الذرة أكبر حبا منه . وفي الأرز ست لغات ( إحداها ) : فتح الهمزة وضم الراء وتشديد الزاي ، ( والثانية ) : كذلك إلا أن الهمزة مضمومة ، ( والثالثة ) : بضم الهمزة والراء وتخفيف الزاي ككتب ، ( والرابعة ) : مثلها لكن ساكنة الراء ، ( والخامسة ) : رنز ، بنون ساكنة بين الراء والزاي ، ( والسادسة ) : بضم الراء وتشديد الزاي . وأما القثاء : فبكسر القاف وضمها لغتان مشهورتان الكسر أشهر ، وبه جاء القرآن ، والبطيخ : بكسر الباء ، ويقال طبيخ بكسر الطاء وتقديمها لغتان ، والقضب بإسكان الضاد المعجمة هو الرطبة ، وقوله { : عفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم } " أي لم يوجب فيها شيئا ، لا أنه أسقط واجبا فيها ، والقطنية بكسر القاف وتشديد الياء سميت بذلك ; لأنها تقطن في البيوت ، أي تخزن .

واعلم أن الدخن والأرز معدودان في القطنية ولم يجعلها المصنف منها ، بل زاد الماوردي فقال في الحاوي : القطنية هي الحبوب المقتاتة سوى البر والشعير ; وأما الحمص فبكسر الحاء لا غير ، وأما ميمه ، ففتحها أبو العباس ثعلب وغيره من الكوفيين ، وكسرها أبو العباس المبرد وغيره من البصريين ، واللوبيا قال ابن الأعرابي : هو مذكر يمد ويقصر ويقال : هو اللوبيا واللوبياء واللوبياح ، وهو معرب ليس عربيا بالأصالة ، والباقلاء يمد مخففا ويكتب بالألف ويقصر مشددا ويكتب بالياء لغتان ، ويقال : الفول ، والهرطمان : بضم الهاء والطاء وهو الجلبان بضم الجيم ، ويقال له : الخلر بضم الخاء المعجمة وتشديد اللام المفتوحة وبعدها راء .

( أما أحكام الفصل ) فاتفق الأصحاب على أنه يشترط لوجوب الزكاة في الزرع شرطان : ( أحدهما ) : أن يكون قوتا ، ( والثاني ) : من جنس ما ينبته الآدميون ، قالوا : فإن فقد الأول كالأسبيوش وهو بزر القطونا أو الثاني كالعث أو كلاهما كالثفاء فلا زكاة . قال الرافعي : وإنما يحتاج إلى ذكر القيدين من أطلق القيد الأول ، فأما من قيد فقال : أن يكون قوتا في حال الاختيار ، فلا يحتاج إلى الثاني ، إذ ليس فيما يستنبت مما يقتات اختيار ، فهذان الشرطان متفق عليهما ، ولم يشترط الخراسانيون غيرهما ، وشرط [ ص: 470 ] العراقيون شرطين آخرين وهما أن يدخر وييبس ، وقد ذكر المصنف أولهما هنا ، ولم يذكر الثاني ، ولم يذكر في التنبيه واحدا منهما ، بل اقتصر على الشرطين الأولين المتفق عليهما . قال الرافعي : ولا حاجة إلى الأخيرين ; لأنهما ملازمان لكل مقتات مستنبت قال أصحابنا : وقولنا ( مما ينبته الآدميون ) ليس المراد به أن تقصد زراعته ، وإنما المراد أن يكون من جنس ما يزرعونه ، حتى لو سقط الحب من مالكه عند حمل الغلة ، أو وقعت للعصافير على السنابل ، فتناثر الحب ونبت وجبت الزكاة إذا بلغ نصابا بلا خلاف ، اتفق عليه الأصحاب . وقد ذكره المصنف في باب صدقة المواشي في مسائل الماشية المغصوبة والله تعالى أعلم .

وأما قولهم يقتات في حال الاختيار ، فهو شرط بالاتفاق كما سبق ، فما يقتات في حال الضرورة لا زكاة فيه ، مثل الأصحاب ما يقتات في حال الضرورة ولا تجب الزكاة فيه بالعث وبه مثله الشافعي رضي الله عنه . قال المزني وغيره : هو حب الغاسول وهو الأشنان وقال الآخرون : هو حب أسود يابس يدفن حتى يلين قشره ، ثم يزال قشره ويطحن ويخبز ويقتاته أعراب طيئ ومثلوه أيضا بحب الحنظل وسائر بزور البراري . قال أصحابنا : ويخرج عن المقتات الخضراوات والثفاء والترمس والسمسم والكمون والكراويا والكزبرة . قال البندنيجي : ويقال لها الكسبرة أيضا وبزر القطن وبزر الكتان وبزر الفجل وغير ذلك مما يشبهه ، فلا زكاة في شيء من ذلك عندنا بلا خلاف . هكذا قاله الأصحاب إلا ما حكاه الرافعي عن ابن كج أن حب الفجل فيه قولان الجديد : لا زكاة والقديم : الضعيف وجوبها . قال الرافعي : ولم أر هذا النقل لغيره . وحكى العراقيون عن القديم وجوب الزكاة في الترمس ، والجديد الصحيح : لا تجب . وما ذكرته من أن الترمس والثفاء لا يقتات أصلا هو قول جمهور أصحابنا فيما حكاه الرافعي بخلاف ما ذكره الغزالي في الوسيط . وأشار إليه إمام الحرمين من أنه يقتات في حال الضرورة ، وهو خلاف في التسمية وإلا فكلهم متفقون على أنه لا زكاة فيها ; والثفاء بضم الثاء المثلثة وتشديد الفاء وبالمد ، وهو حب [ ص: 471 ] الرشاد ، وكذا فسره الأزهري والأصحاب ، والترمس بضم التاء والميم ، وهو معروف في بلادنا والله أعلم . ( فرع ) : قال القاضي أبو الطيب في المجرد : قال الشافعي في البويطي : لا زكاة في الحلبة ; لأنها ليست بقوت في حال الاختيار . قال : ولا زكاة في السماق . قال أصحابنا : ولا تجب في الحبوب التي تنبت في البرية . ولا ينبته الآدميون وإن كان قد يقتات ; لأنها ليس مما ينبته الآدمي . وهو شرط للوجوب والله تعالى أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية