صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى : ( ومن ملك مصوغا من الذهب والفضة ، فإن كان معدا للقنية وجبت فيه الزكاة لأنه مرصد للنماء فهو كغير المصوغ ، وإن كان معدا للاستعمال نظرت - فإن كان لاستعمال محرم كأواني الذهب والفضة وما يتخذه الرجل لنفسه من سوار أو صوف أو خاتم ذهب ، أو ما يحلى به المصحف أو يؤزر به المسجد أو يموه به السقف أو كان مكروها كالتضبيب القليل للزينة وجبت فيه الزكاة ; لأنه عدل به عن أصله بفعل غير مباح ، فسقط حكم فعله وبقي على حكم الأصل ، وإن كان لاستعمال مباح كحلي النساء وما أعد لهن وخاتم الفضة للرجال ففيه قولان ( أحدهما ) لا تجب فيه الزكاة لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : ليس في الحلي زكاة } ولأنه معد لاستعمال مباح فلم تجب فيه الزكاة كالعوامل من الإبل والبقر ، ( والثاني ) تجب فيه الزكاة ، واستخار الله فيه الشافعي واختاره لما روي { أن امرأة من اليمن جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معها ابنتها في يدها مسكتان غليظتان من الذهب ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أتعطين زكاة هذا ؟ فقالت : لا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار ؟ فخلعتهما وألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت : هما لله ولرسوله } ولأنه من جنس الأثمان فأشبه الدراهم والدنانير ، وفيما لطخ به اللجام وجهان . قال أبو الطيب بن سلمة : هو مباح كالذي حلي به المنطقة والسيف فيكون على قولين . وقال أبو إسحاق لا يحل وهو المنصوص لأنه هذا حلية للدابة بخلاف السيف والمنطقة ، فإن ذلك حلية في الحرب فحل .

وإن كان للمرأة حلي فانكسر بحيث لا يمكن لبسه إلا أنه يمكن إصلاحه للبس ففيه قولان : ( أحدهما ) تجب فيه الزكاة لأنه لا يمكن لبسه فوجبت فيه الزكاة كما لو تفتت ، ( والثاني ) لا تجب لأنه للإصلاح واللبس أقرب ، وإن كان لها حلي معد للإجارة ففيه طريقان : ( أحدهما ) أنه تجب فيه الزكاة قولا واحدا ; لأنه معد لطلب النماء فأشبه إذا اشتراه للتجارة ، ( والثاني ) أنه على قولين ; لأن النماء المقصود قد فقد لأن ما يحصل من الأجرة قليل فلم يؤثر في إيجاب الزكاة كأجرة العوامل من الإبل والبقر . وإذا وجبت الزكاة في حلي تنقص قيمته بالكسر ملك الفقراء ربع العشر منه ويسلمه إليهم بتسليم مثله ليستقر ملكهم عليه كما قلنا في الرطب الذي لا يجيء منه تمر . وقال أبو العباس : يخرج زكاته بالقيمة ; لأنه يشق تسليم بعضه ، والأول أظهر ) .


[ ص: 516 ] الشرح ) أما الأحاديث والآثار الواردة في زكاة الحلي وعدمها ، فمنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده { أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب ، فقال لها : أتعطين زكاة هذا ؟ قالت : لا . قال : أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار ؟ فخلعتهما فألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت : هما لله ولرسوله } رواه أبو داود وغيره عن أبي كامل الجحدري عن خالد بن الحارث عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كما ذكرنا . وهذا إسناد حسن . ورواه الترمذي من رواية ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأتين ، فذكره بنحوه . ثم قال الترمذي : هذا رواه المثنى بن صباح عن عمرو بن شعيب ، والمثنى وابن لهيعة ضعيفان . قال : ولا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء . هذا آخر كلام الترمذي ، وهذا التضعيف الذي ضعفه الترمذي بناء على انفراد ابن لهيعة والمثنى بن الصباح به ، وليس هو مفردا بل رواه أبو داود وغيره من رواية حسين المعلم كما ذكرنا عن عمرو بن شعيب ، وحسين ثقة بلا خلاف ; روى له البخاري ومسلم . ورواه النسائي من رواية خالد بن الحارث مرفوعا كما سبق ، ومن رواية معتمر بن سليمان مرسلا ، ثم قال : خالد بن الحارث أثبت عندنا من معتمر ، وحديث معتمر أولى بالصواب ، والله تعالى أعلم .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : { دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتخات من ورق فقال : ما هذا يا عائشة ؟ فقلت : صغتهن أتزين لك يا رسول الله ، قال : أتؤدين زكاتهن ؟ قلت : لا أو ما شاء الله ، قال : هو حسبك من النار } وعن أم سلمة قالت : { كنت ألبس [ ص: 517 ] أوضاحا من ذهب فقلت : يا رسول الله أكنز هو ؟ فقال : ما بلغ أن يؤدى زكاته فزكي فليس بكنز } رواه أبو داود بإسناد حسن ، وقد سبق ذكره في هذا الباب عن نافع ، وهذا إسناد صحيح وروى مالك في الموطأ أيضا عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها : " أنها كانت تحلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تخرج منه الزكاة " وهذا إسناد صحيح .

وروى الدارقطني بإسناده عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها : " أنها كانت تحلي بناتها الذهب ولا تزكيه نحوا من خمسين ألفا " . وروى الشافعي رضي الله عنه هذه الأحاديث والآثار في الأم ، ورواها عنه البيهقي في معرفة السنن والآثار . ثم روى البيهقي بإسناده الصحيح عن الشافعي قال : أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار قال : " سمعت رجلا يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي أفيه زكاة ؟ فقال جابر : لا فقال : وإن كان يبلغ ألف دينار ؟ فقال جابر : كثير " قال الشافعي ويروى عن ابن عباس وأنس بن مالك ولا أدري أثبت عنهما معنى قول هؤلاء : ليس في الحلي زكاة . قال الشافعي : ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن عمرو بن العاص أن في الحلي زكاة .

قال البيهقي : قد رويناه عنهما وعن ابن مسعود . قال : وحكاه ابن المنذر عنهم . وعن ابن عباس قال الشافعي : وهذا مما أستخير الله تعالى فيه . قال الشافعي في القديم : وقال بعض الناس : في الحلي زكاة وروى فيه شيئا ضعيفا . قال البيهقي : وكأنه أراد حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده السابق ثم رواه البيهقي من رواية حسين المعلم عن عمرو بن شعيب كما سبق ، ورواه أيضا من رواية الحجاج بن أرطاة ببعضه قال البيهقي : حسين أوثق من الحجاج غير أن الشافعي كان كالمتوقف في روايات عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا لم ينضم إليها ما يؤكدها لأنه قيل : إن رواياته عن أبيه عن جده أنها صحيفة كتبها عبد الله بن عمرو . قال البيهقي : وقد [ ص: 518 ] ذكرنا في كتاب الحج وغيره ما يدل على صحة سماع عمرو من أبيه ، وسماع أبيه من جده عبد الله بن عمرو ، قال : وقد انضم إلى حديثه هذا حديث أم سلمة وحديث عائشة في الفتخات قال البيهقي : من قال : لا زكاة في الحلي زعم أن الأحاديث والآثار الواردة في وجوب زكاته كانت حين كان التحلي بالذهب حراما على النساء ، فلما أبيح لهن سقطت زكاته قال البيهقي : وكيف يصح هذا القول مع حديث عائشة إن كان ذكر الورق فيه محفوظا ؟ غير أن رواية القاسم وابن أبي مليكة عن عائشة في تركها إخراج زكاة الحلي مع ما ثبت من مذهبها من إخراج زكاة أموال اليتامى يوقع ريبة في هذه الرواية المرفوعة ; فهي لا تخالف النبي صلى الله عليه وسلم فيما روته عنه إلا فيما علمته منسوخا . قال البيهقي : ومن العلماء من قال : زكاة الحلي عاريته ، روي هذا عن ابن عمر وسعيد بن المسيب .

قال البيهقي : والذي يرويه فقهاؤنا عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : { ليس في الحلي زكاة } لا أصل له إنما روي عن جابر من قوله غير مرفوع ; والذي يروى عن عافية بن أيوب عن الليث عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا لا أصل له وعافية بن أيوب مجهول ، فمن احتج به مرفوعا كان مغررا بدينه داخلا فيما نعيب به المخالفين من الاحتجاج برواية الكذابين والله يعصمنا من أمثاله . هذا آخر كلام البيهقي ، فهذا مختصر ما يتعلق بأحاديث الباب ، وحصل في ضمنه بيان الحديثين اللذين ذكرهما المصنف ، وهما حديث عمرو بن شعيب وحديث جابر ، والله تعالى أعلم .

( أما أحكام الفصل ) فمقصوده بيان ما يجوز لبسه من الحلي للرجال والنساء ، وما يجوز للرجال خاصة أو للنساء خاصة . وما تجب فيه الزكاة منه قد سبق بيان جمل منه في باب ما يكره لبسه ، وإنما ذكر الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى ما يحل من الحلي ويحرم في هذا الباب ليعلم حكم الزكاة فيه .

قال الشافعي والأصحاب : فكل متخذ من الذهب والفضة من حلي وغيره إذا حكم بتحريم استعماله أو كراهته وجبت فيه الزكاة بلا خلاف ، ونقلوا فيه إجماع المسلمين . [ ص: 519 ] وإن كان استعماله مباحا كحلي النساء وخاتم الفضة للرجل والمنطقة وغير ذلك مما سنوضحه إن شاء الله تعالى ففي وجوب الزكاة فيه قولان مشهوران ( أصحهما ) عند الأصحاب : لا ، كما لا تجب في ثياب البدن والأثاث وعوامل الإبل والبقر ، وهذا مع الآثار السابقة عن الصحابة رضي الله عنهم ، وهذا نصه في البويطي والقديم ; وقال السرخسي وغيره : وبه قال أكثر أهل العلم ; وممن صححه من أصحابنا المزني وابن القاص في المفتاح والبندنيجي والماوردي والمحاملي والقاضي أبو الطيب في المجرد والدارمي في الاستذكار ، والغزالي في الخلاصة ; والرافعي في كتابيه وآخرون لا يحصون ، وبه قطع جماعات منهم المحاملي في المقنع وسليم الرازي في الكفاية ، والمصنف في عيون المسائل والجرجاني في كتابيه التحرير والبلغة ، والشيخ نصر المقدسي في الكافي وآخرون . وأما قول الفوراني : إن القديم وجوب الزكاة والجديد لا تجب ، فغلط صريح مخالف لما قاله الأصحاب ، بل الصواب المشهور نصه في القديم : لا تجب وفي الجديد قولان نص عليهما في الأم ، ونص في البويطي أنه لا تجب كما نص في القديم ، والمذهب لا تجب كما ذكرنا ، هذا إذا كان معدا لاستعمال مباح كما سبق .

قال أصحابنا : ولو اتخذ حليا ولم يقصد به استعمالا محرما ولا مكروها ولا مباحا بل قصد كنزا واقتناء ، فالمذهب الصحيح المشهور الذي قطع به المصنف والجمهور وجوب الزكاة فيه ، قال الرافعي : ومنهم من حكى فيه خلافا ، ولو اتخذ حليا مباحا في عينه لكن لم يقصد به استعمالا ولا كنزا واقتناء ، أو اتخذ ليؤجره فإن قلنا : تجب الزكاة في الحلي المتخذ للاستعمال المباح فهنا أولى ، وإلا فوجهان أصحهما لا زكاة فيه ، كما لو اتخذه ليعيره ولا أثر للأجرة كأجرة الماشية العوامل والثاني تجب قولا واحدا ، لأنه معد للنماء . قال الماوردي : وهذا قول أبي عبد الله الزبيري ، وصححه الجرجاني في التحرير لكن المذهب أنه على القولين ، والأصح لا زكاة فيه صححه الماوردي والرافعي وآخرون ، وقطع القاضي أبو الطيب في المجرد وآخرون بأن المتخذ للإجارة مباح وفي زكاته القولان .

[ ص: 520 ] فرع ) : ذكرنا أن المتخذ من ذهب أو فضة إن كان استعماله محرما وجبت فيه الزكاة قولا واحدا ، وإن كان مباحا فلا زكاة في الأصح ، قال أصحابنا : المحرم نوعان : محرم لعينه كالأواني والملاعق والمجامر من ذهب أو فضة ، ومحرم بالقصد بأن يقصد الرجل بحلي النساء الذي يملكه كالسوار والخلخال أن يلبسه أو يلبسه غلمانه ، أو قصدت المرأة بحلي الرجال كالسيف والمنطقة أن تلبسه أو تلبسه جواريها أو غيرهن من النساء . أو أعد الرجل حلي الرجال لنسائه وجواريه ، أو أعدت المرأة حلي النساء لزوجها وغلمانها ، فكله حرام بلا خلاف ، وتجب الزكاة فيه بالاتفاق . ولو اتخذ حليا ولم يقصد به استعمالا ، بل قصد كنزه واقتناءه أو إيجاره ففيه خلاف قدمناه قريبا ، قال أصحابنا : وحكم القصد الطارئ بعد الصياغة في جميع ما ذكرنا حكم المقارن ، فلو اتخذه بقصد استعمال محرم ثم قصد مباحا بطل الحول إذا قلنا لا زكاة في الحلي ، فلو عاد القصد المحرم ابتدأ الحول ، وكذا لو قصد الاستعمال ، ثم قصد كنزه ابتدأ الحول ، وكذا نظائره ، ولو اتخذ الرجل حلي النساء والمرأة حلي الرجال بلا قصد ، وقلنا : لا زكاة في الحلي فقد سبق قريبا أنه لا زكاة فيه في أصح الوجهين ، واحتج البغوي بأن الاتخاذ مباح فلا يجوز إيجاب الزكاة بالشك .

( فرع ) : إذا قلنا بالمذهب أنه لا زكاة في الحلي فانكسر . فله أحوال : ( أحدها ) أن ينكسر بحيث يمنع الاستعمال فلا تأثير لانكساره بلا خلاف ; ويبقى في زكاته القولان ، ( والثاني ) ينكسر بحيث يمتنع الاستعمال ، ويحوج إلى سبك وصوغ فتجب الزكاة وأول الحول وقت الانكسار ; هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور وحكى البندنيجي فيه طريقين .

( أحدهما ) هذا ، ( والثاني ) أنه على التفصيل الذي سنذكره في الحال الثالث إن شاء الله تعالى ، ( والثالث ) ينكسر بحيث يمنع الاستعمال ، ولكن لا يحتاج إلى صوغ ، ويقبل الإصلاح بالإلحام ، فإن قصد جعله تبرا أو دراهم أو كنزه انعقد الحول عليه من يوم الانكسار ، وإن قصد إصلاحه فوجهان مشهوران أصحهما لا زكاة وإن تمادت عليه أحوال لدوام صورة [ ص: 521 ] الحلي ، وقصد الإصلاح ، وبهذا قطع صاحب الحاوي ، وإن لم يقصد ذا ولا ذاك ففيه خلاف ، قيل : وجهان ، وقيل : قولان ( أصحهما ) الوجوب والله تعالى أعلم .

( فصل ) : فيما يحل ويحرم من الحلي ، فالذهب أصله على التحريم في حق الرجال ، وعلى الإباحة للنساء ، ويستثنى عن التحريم على الرجال موضعان : ( أحدهما ) يجوز لمن قطع أنفه اتخاذ أنف من ذهب ، وإن أمكنه اتخاذه من فضة ، وفي معنى الأنف السن والأنملة ، فيجوز اتخاذهما ذهبا بلا خلاف ، ولا يجوز لمن قطعت رجله أو يده في أصح الوجهين ، وما جاز من هذا من الذهب فمن الفضة أولى ، وقد سبقت هذه المسألة مبسوطة في باب الآنية ، وباب ما يكره لبسه .

( الموضع الثاني ) تمويه الخاتم والسيف وغيرهما للرجل ، إن كان يحصل منه شيء بالعرض على النار فهو حرام بلا خلاف ، وإلا فطريقان ( أصحهما ) وبه قطع العراقيون التحريم ، ( والثاني ) حكاه الخراسانيون فيه وجهان : ( أحدهما ) التحريم لعموم قوله صلى الله عليه وسلم في الذهب والحرير { : هذان حرام على ذكور أمتي } وقد سبق بيان هذا الحديث وأشباهه في باب ما يكره لبسه .

( والثاني ) الإباحة لأنه مستهلك ، وأما اتخاذ سن أو أسنان للخاتم فقطع الأصحاب بتحريمه ، ونقله الرافعي عن الأصحاب كلهم . وقال إمام الحرمين : لا يبعد تشبيهه بالضبة الصغيرة في الإناء ، وهذا ضعيف بل باطل مردود بالحديث المذكور . وأما الفضة فيجوز للرجل التختم بها . وهل له ما سوى الخاتم من حلي الفضة ؟ كالدملج والسوار والطوق والتاج ؟ فيه وجهان قطع الجمهور بالتحريم وقال المتولي والغزالي في فتاويه : يجوز لأنه لم يثبت في الفضة إلا تحريم الأواني وتحريم الحلي على وجه يتضمن التشبه بالنساء . ويجوز للرجل تحلية آلات الحرب بالفضة بلا خلاف لما فيه من إرعاب العدو وإظهار القوة ، وذلك كتحلية السيف والرمح وأطراف السهام والدرع والمنطقة والجوشن والخف والرانين وغيرها مما في معناها .

وفي تحلية السرج واللجام والثفر للدابة بالفضة وجهان مشهوران ذكرهما المصنف والأصحاب : ( أحدهما ) وبه قال أبو الطيب بن سلمة : مباح كحلية السيف والمنطقة [ ص: 522 ] وأصحهما ) عند الأصحاب التحريم ، وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق المروزي ، ونقله المصنف والأصحاب عن نص الشافعي رضي الله عنه وقد نص عليه في ثلاثة كتب في رواية البويطي والربيع وموسى بن أبي الجارود ، لأن هذا حلية للدابة لا للرجل بخلاف المنطقة . قال أصحابنا : ويجري الوجهان في الركاب وبرة الناقة من الفضة ، والأصح التحريم ثم قال القاضي أبو الطيب : ويجريان في تحلية أطراف السيور ، والمذهب تحريم القلادة للدابة من الفضة ، وبه قطع كثيرون ، ولا يجوز للنساء تحلية شيء من هذه المذكورات بالذهب ، وكذا بالفضة بلا خلاف ، لأن في استعمالهن ذلك تشبها بالرجال والتشبه حرام عليهن ، هكذا قاله الأصحاب ، واعترض عليهم الشاشي في المعتمد ، وقال : آلات الحرب إما أن يقال : يجوز للنساء لبسها واستعمالها في غير الحرب ، وإما أن يقال : لا يجوز ، والقول بالتحريم باطل ، لأن كونه من ملابس الرجل إنما يقتضي الكراهة دون التحريم ، ألا يرى أن الشافعي رضي الله عنه قال في الأم : ولا أكره للرجل لبس اللؤلؤ إلا للأدب وأنه من زي النساء لا للتحريم ؟ فلم يحرم زي النساء على الرجل ، وإنما كرهه وكذا عكسه . قال الشاشي : ولأن المحاربة جائزة للنساء في الجملة ، وفي جوازها جواز لبس آلاتها ، وإذا جاز استعمالها غير محلاة جاز مع الحلية ، لأن التحلي للنساء أولى بالجواز من الرجال . قال الرافعي : هذا الذي قاله الشاشي هو الحق إن شاء الله تعالى ، ( قلت ) : وليس الحكم كما قاله الشاشي والرافعي ، بل الصواب ما قاله الأصحاب أن تشبه الرجال بالنساء حرام وعكسه كذلك ، للحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { : لعن الله المتشبهين بالنساء من الرجال والمتشبهات من النساء بالرجال } واللعن لا يكون على مكروه . وأما نصه في الأم فليس مخالفا لهذا ; لأن مراده أنه من جنس زي النساء والله تعالى أعلم .

( فرع ) : أجمع المسلمون على أنه يجوز للنساء لبس أنواع الحلي من الفضة والذهب جميعا . كالطوق والعقد والخاتم والسوار والخلخال والتعاويذ والدمالج والقلائد والمخانق . وكل ما يتخذ في العنق وغيره . [ ص: 523 ] وكل ما يعتدن لبسه ولا خلاف في شيء من هذا ، وأما لبسها نعال الفضة والذهب ففيه وجهان : ( أحدهما ) وبه قطع صاحب الحاوي التحريم ، لما فيه من السرف الظاهر والخيلاء . أصحهما عند الرافعي وغيره الإباحة كسائر الملبوسات . وأما التاج فقال صاحب الحاوي والأصحاب : إن جرت عادة النساء بلبسه فمباح لهن لبسه وإلا فحرام ; لأنه لباس عظماء الفرس . قال الرافعي : وكان معنى هذا أنه يختلف بعادة أهل النواحي فحيث جرت عادة النساء بلبسه جاز لهن لبسه ، وحيث لم تجر لا يجوز لأنه تشبه بالرجال . وفي جواز لبس الدراهم والدنانير التي تجعل في القلادة للمرأة وجهان . قال الرافعي : ( أصحهما ) التحريم وفي لبس الثياب المنسوجة بالذهب أو الفضة للمرأة وجهان مشهوران في الحاوي وغيره ، قال الرافعي وغيره : ( أصحهما ) الإباحة كالحلي ; لأنها لباس حقيقي ، ( والثاني ) التحريم لما فيه من زيادة السرف والخيلاء . قال الرافعي : وذكر أبو الفضل بن عبدان أنه ليس لها اتخاذ زر القميص والجبة والفرجية من ذهب ولا فضة . قال الرافعي : ولعله فرعه على الوجه الثاني وهو تحريم لباس الثياب المنسوجة بها ( قلت ) : إن تكن تفريعا عليه وإلا فإذا جاز الثوب المنسوج فالزر أولى . والله أعلم .

( فرع ) : قال أصحابنا : كل حلي أبيح للنساء فإنما يباح إذا لم يكن فيه سرف ظاهر . فإن كان كخلخال وزنه مائتا دينار فالصحيح الذي قطع به معظم العراقيين تحريمه ، كذا نقله الرافعي وقال : فيه وجه أنه مباح .

( فرع ) : لو اتخذ الرجل خواتيم كثيرة أو المرأة خلاخل كثيرة ليلبس الواحد بعد الواحد فطريقان حكاهما الرافعي وغيره ، ( المذهب ) القطع بالجواز لعموم النصوص المطلقة ، ( والثاني ) في وجهان كالخلخال الذي فيه سرف ظاهر .

( فرع ) : جميع ما سبق هو فيما يتحلى به لبسا ; فأما غير اللبس فمنه أواني الذهب والفضة وهي حرام على الرجال والنساء جميعا ، فيحرم استعمالها ، وكذا اتخاذها على الأصح ، كما سبق في باب الآنية ، وسبق هناك بيان حكم المضبب بذهب أو فضة ، وأما تحلية سكاكين المهنة وسكين [ ص: 524 ] المقلمة والمقراض والدواة والمرآة ونحوها فحرام على الرجال بالذهب بلا خلاف . وفي الفضة وجهان مشهوران أصحهما التحريم ، وبه قطع البندنيجي . قال الرافعي : والمذهب تحريم هذه كلها على المرأة . وقيل : هي كالرجل فيكون فيها الوجهان إلا المرأة فهي في حقها وحق الرجل سواء ، والأصح تحريمها عليهما ولا خلاف في تحريمها عليهما جميعا إذا حليت بذهب .

( فرع ) : لو اتخذ مدهنا أو مسعطا أو مكحلة من ذهب أو فضة فهو حرام على الرجال والنساء ، وكذا ظرف الغالية اللطيف حرام أيضا . هكذا قطع به الماوردي والجمهور هنا ، وسبق في باب الآنية وجه ضعيف أنه يجوز اتخاذ الصغير من الفضة كمكحلة وظرف غالية ونحوها ، ولا خلاف في تحريمه من الذهب ، ولا خلاف في استواء المرأة والرجل في هذا . قال صاحب البيان وغيره : ولا يجوز لها تحلية ربعها بذهب ولا فضة قطعا .

( فرع ) : قال صاحب الحاوي : لو اتخذ الرجل أو المرأة ميلا من ذهب أو فضة فهو حرام وتجب زكاته إلا أن يستعمل على وجه التداوي لجلاء عينه فيكون مباحا كاستعمال الذهب في ربط سنه ، ويكون في زكاته القولان في الحلي المباح ، وممن جزم بتحريم الميل البندنيجي .

( فرع ) : في تحلية المصحف بالفضة وجهان أو قولان أصحهما وأشهرهما الجواز وبه قطع الشيخ أبو حامد والماوردي وجماهير العراقيين . وهو نصه في القديم والأم وحرملة . ونص في سير الواقدي وهو أحد كتب الأم على التحريم وقد أشار صاحب الكتاب إلى القطع بهذا ، فإنه جزم بوجوب الزكاة فيه . وهذا شذوذ منه فليعرف . وأما تحليته بالذهب ففيه أربعة أوجه ، قال الرافعي ( أصحها ) عند الأكثرين إن كان لامرأة جاز ، وإن كان لرجل فحرام ، ( والثاني ) يحل مطلقا وصححه صاحب الحاوي تعظيما [ ص: 525 ] للقرآن ، ( والثالث ) يحرم مطلقا ، ( والرابع ) يجوز تحلية نفس المصحف دون غلافه المنفصل عنه . قال الرافعي : وهذا ضعيف . وأما تحلية غلافه بالذهب فحرام بلا خلاف ونص عليه الشافعي وصرح به أبو علي الطبري في الإفصاح والقاضي أبو الطيب في المجرد والماوردي والدارمي ; لأنه ليس حلية للمصحف ، وأما تحلية باقي الكتب غير القرآن فحرام باتفاق الأصحاب ، وممن نقل الاتفاق عليه الرافعي قال : وأشار الغزالي إلى طرد الوجهين السابقين في الدواة والمقلمة هنا ، والمعروف في المذهب ما سبق .

وأما تحلية الكعبة وسائر المساجد بالذهب والفضة وتمويه سقفه وتعليق قناديلها فيها ففيه وجهان مشهوران : ( أصحهما ) التحريم . وبه قال أبو إسحاق المروزي وآخرون من المتقدمين . ونقله الماوردي عن كثير من أصحابنا المتقدمين ، وقطع به القاضي أبو الطيب والبغوي وآخرون . واستدلوا له بأنه لم يرد فيه سنة ولا عمله أحد من الخلفاء الراشدين ، فهو بدعة وكل بدعة ضلالة ، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { : من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد } وفي رواية لهما { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } .

( والوجه الثاني ) الجواز تعظيما للكعبة والمساجد . وإعظاما للدين كما أجمعوا على ستر الكعبة بالحرير . قال أصحابنا فإن قلنا حرام وجبت زكاته بلا خلاف وإلا فعلى القولين الحلي المباح . هذا إذا كان التمويه والقناديل ونحوها باقية على ملك فاعلها ، فإن كانت وقفا عليه إما من غلبة وإما بأن وقفها الفاعل فلا زكاة بلا خلاف لعدم المالك المعين . هكذا قطع به الأصحاب . وفي صحة وقف الدراهم والدنانير على هذه الجهة مع تحريمها نظر فليتأمل . قال أصحابنا : وإذا أراد الفاعل إخراج زكاته أخرجها بالاستظهار إن لم يعلم مقداره وإلا فليميزه بالنار ، فإن كان لو ميز لم يجتمع منه شيء فلا زكاة فيه . قال صاحب الشامل : وذكر الشيخ أبو حامد أنه إذا كان لا يجتمع منه شيء وصار مستهلكا فلا يحرم استدامته . والله أعلم .

[ ص: 526 ] وأما تمويه سقف بيته وجداره بذهب أو فضة فحرام بلا خلاف . نص عليه الشافعي رضي الله عنه وصرح به الأصحاب . ونقل القاضي أبو الطيب في المجرد وغيره الاتفاق عليه قالوا : ولا يجيء فيه الوجه الذي في المسجد ; لأن ذلك الوجه لإعظام المسجد كما جازت تحلية المصحف ، حيث جوزناه دون سائر الكتب . قال البندنيجي : فإن كان المموه مستهلكا لا يحصل منه شيء بالسك لم يحرم استدامته ولم يجب فيه زكاة ، وإلا حرمت ووجبت زكاته إن بلغ وحده نصابا أو بانضمام مال آخر له .

( فرع ) : لو وقف حليا على قوم يلبسونه لبسا مباحا ، أو ينتفعون بأجرته المباحة فلا زكاة فيه قطعا لعدم المالك الحقيقي المعين .

( فرع ) : لو حلى شاة أو غزالا أو غيرهما بذهب أو فضة وجبت زكاته بلا خلاف ، وقال الدارمي : لأن ذلك محرم وهو كما قال .

( فرع ) : حاصل المنقول في تحلية ولي الصبيان الصبيان بالذهب والفضة ثلاثة أوجه كما سبق في إلباسهم الحرير في باب ما يكره لبسه ، وقد جزم المصنف بالجواز . ذكره في باب صلاة العيد . وكذا جزم به البغوي وآخرون ، وسبق في باب ما يكره لبسه دليل الأوجه ، ( وأصحهما ) جواز تحليتهم ما داموا صبيانا ، ونقله البغوي والأصحاب عن نص الشافعي رضي الله عنه ( والثاني ) تحريمه ، ( والثالث ) يجوز قبل سبع سنين .

( فرع ) : الخنثى المشكل يحرم عليه لبس حلي الرجال ، ويحرم عليه أيضا لبس حلي النساء ، لأنه إنما أبيح لهن لكونهن مرصدات للتزين للأزواج والسادة ، هكذا قطع بتحريمه القاضي أبو الفتوح والبغوي وصاحب البيان وآخرون ، وهو مباح له في صغره ولم يتحقق تحريمه ، والصواب الأول ; لأنه إنما أبيح له في الصغر لعدم التكليف ، وقد زاد ذلك بالبلوغ . فإذا قلنا بالمذهب وهو تحريمه ففي زكاته طريقان حكاهما البغوي ، ( أصحهما ) وبه قطع القاضي أبو الفتوح وصاحب البيان ، ورجح الرافعي وجوبها بلا خلاف ; لأنه حلي محرم ، ( والثاني ) في وجوبها القولان في الحلي [ ص: 527 ] المباح ; لأنا لا نتيقن تحريمه في نفس الأمر لاحتمال أنه مباح له ، وإنما حرمناه للاحتياط ، والله أعلم .

( فرع ) : قال أصحابنا : أواني الذهب والفضة المعدة للاستعمال يجب فيها الزكاة قولا واحدا ، لأنها محرمة ، وأما المتخذة لا للاستعمال فقد سبق في باب الآنية أن الصحيح تحريم اتخاذها لغير استعمال . وفي وجه أو قول أنه يجوز . قال أصحابنا : ويجب الزكاة فيه بلا خلاف ، وسواء جوزنا اتخاذه أم لا ، لأنه وإن جاز اتخاذه على وجه ضعيف فهو للقنية ومكروه وقد سبق أن المكروه والمتخذ للقنية يجب فيهما الزكاة . هكذا ذكر المسألة الأصحاب في جميع طرقهم ، إلا صاحب الحاوي فقال : إذا جوزنا اتخاذه ففي زكاته القولان كالحلي ، وهذا غلط مردود لا يعد وجها ، وإنما نبهت عليه لئلا يغتر به ، وليس كالحلي ; لأنه لا يجب الزكاة لكونه معدا لاستعمال مباح بخلاف الأواني ، ، فالصواب الجزم بوجوب زكاته ، سواء جوزنا اتخاذه أم لا ، وإنما يظهر فائدة الخلاف في جواز اتخاذه في ثبوت الأجرة لصانعه والأرش على كاسره ، وكما سبق في باب الآنية واضحا ، ويظهر في كيفية إخراج زكاته كما سنوضحه في الفرع الآتي إن شاء الله تعالى .

( فرع ) : إذا أوجبنا الزكاة في الحلي المباح ، فاختلفت قيمته ووزنه ، بأن كان لها خلاخل ، وزنها مائتا درهم وقيمتها ثلاثمائة ، أو فرض مثله في المناطق المحلاة للرجال . قال أصحابنا : المالك بالخيار إن شاء أخرج ربع عشر الحلي متاعا ، بأن سلمه كله إلى الساعي أو المساكين أو نائبهم ، فإذا تسلمه برئت ذمته من الزكاة ، ثم يبيع الساعي نصيب المساكين إما للمالك وإما لغيره . أو يبيعونه هم إن قبضوه هم أو وكيلهم وإن شاء أخرج مصوغا كخاتم وسوار لطيف وغيرهما ، وزنه خمسة وقيمته سبعة ونصف ، ولا يجوز أن يكسره ويخرج خمسة من نفس المكسور ، ولا يجوز للساعي ولا للمساكين طلب ذلك ، لأن فيه إضرارا به وبهم ، ولو أخرج عنه خمسة [ ص: 528 ] دراهم جيدة ، لجودة سكتها ولينها ، بحيث تساوي سبعة ونصفا أجزأه ; لأنه يقدر الواجب عليه بقيمته ولو أخرج عنه ذهبا يساوي سبعة دراهم ونصفا لم يجز على الصحيح ، وبه قطع جمهور أصحابنا ، وجوزه ابن سريج للحاجة ، حكاه المصنف عنه والأصحاب ، والمذهب الأول وتندفع الحاجة بما ذكرنا . قال أصحابنا : ولو كان له إناء وزنه مائتان ، ويساوي ثلاثمائة ، فإن جوزنا اتخاذ الإناء فالزكاة واجبة قولا واحدا ، كما سبق في الفرع ، وكيفية إخراجها كما سبق في الحلي ، وإن حرمناه وهو الأصح ولا قيمة لصنعته شرعا فله إخراج خمسة دراهم من غيره وإن لم تكن نفيسة ، وله كسره وإخراج خمسة منه ، وله إخراج ربع عشره مشاعا ، ولا يجوز إخراج الذهب بدلا عنه بلا خلاف ، لعدم الحاجة ، قال أصحابنا : وكل حلي حرمناه على كل الناس فحكم صنعته حكم صنعة الإناء ، وفي وجوب ضمانها على كاسرها وجهان ; بناء على جواز اتخاذ الإناء إن جوزنا وجب ، وإلا فلا وهو الأصح . وما يحل لبعض الناس كالرجال دون النساء وعكسه يجب على كاسره ضمان صنعته بلا خلاف ، قال أصحابنا : وأما الضبة التي على الإناء إذا حكمنا بكراهتها فلها حكم الحرام في وجوب الزكاة بلا خلاف ، وقال البغوي احتمالا لنفسه : ينبغي أن يكون كالمباح وإذا حكمنا بإباحتها وأنها غير مكروهة ففي وجوب زكاتها القولان في الحلي المباح والله تعالى أعلم .

( فرع ) : ذكر الصيمري ثم الماوردي ومتابعوهما هنا أن الأفضل إذا أكرى حلي ذهب أو فضة أن لا يكريه بجنسه بل يكري الذهب بالفضة والفضة بالذهب فلو أكرى الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة فوجهان : ( أحدهما ) بطلانه حذرا من الربا ، والصحيح الجواز كسائر الإجارات ، قال الماوردي : وقول الأول باطل ; لأن عقد الإجارة لا يدخله الربا ، ولهذا يجوز إجارة حلي الذهب بدراهم مؤجلة بإجماع المسلمين ، ولو كان للربا هنا مدخل لم يجز هذا .

( فرع ) : إذا اتخذ أنفا أو سنا أو أنملة من ذهب أو فضة أو شد سنه به فقد سبق أنه حلال بلا خلاف ، قال الماوردي : وأما زكاته فإن ثبت [ ص: 529 ] فيه العضو وتراكب عليه ، صار مستهلكا ، ولا زكاة فيه قولا واحدا ، وإلا فعلى القولين في الحلي المباح .

( فرع ) : في مذاهب العلماء في زكاة الحلي المباح ، قد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه لا زكاة فيه ، وبه قال عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعائشة وأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم ، وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد والشعبي ومحمد بن علي والقاسم بن محمد وابن سيرين والزهري ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر وقال عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وميمون بن مهران وجابر بن زيد والحسن بن صالح وسفيان الثوري وأبو حنيفة وداود : يجب فيه الزكاة وحكاه ابن المنذر أيضا عن ابن المسيب وابن جبير وعطاء ومجاهد وابن سيرين وعبد الله بن شداد والزهري ، واحتج كل فريق بما سبق من الأحاديث السابقة في أول الفصل والآثار ، وروى البيهقي عن ابن عمر وابن المسيب أن زكاة الحلي عاريته والله تعالى أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية