صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى : ( إذا حال الحول على عرض التجارة ، وجب تقويمه لإخراج الزكاة ، فإن اشتراه بنصاب من الأثمان قوم به ; لأنه فرع لما اشترى به فوجب التقويم به ، وإن اشتراه بعرض للقنية قوم بنقد البلد ; لأنه لا يمكن تقويمه بأصله فوجب تقويمه بنقد البلد ، فإن كان في البلد نقدان قوم بأكثرهما معاملة ، وإن كانا متساويين نظرت فإن كان بأحدهما يبلغ نصابا وبالآخر لا يبلغ نصابا ، قوم بما يبلغ به ; لأنه قد وجد نصاب تتعلق به الزكاة فوجب التقويم به ، وإن كان يبلغ بكل واحد منهما نصابا ففيه أربعة أوجه .

( أحدها ) : أنه يقوم بما شاء منهما ، وهو قول أبي إسحاق ، وهو الأظهر ; لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر فخير بينهما .

( والثاني ) : يقوم بما هو أنفع للمساكين كما إذا اجتمع في النصاب فرضان أخذ ما هو أنفع للمساكين .

( والثالث ) : يقوم بالدراهم ; لأنها أكثر استعمالا ( والرابع ) : يقوم بنقد أقرب البلاد إليه ; لأن [ ص: 23 ] النقدين تساويا فجعلا كالمعدومين ، فإن قومه ثم باعه بزيادة على قيمته قبل إخراج الزكاة ففيه وجهان .

( أحدهما ) : لا يلزمه زكاة تلك الزيادة ; لأنها زيادة حدثت بعد الوجوب فلم تلزمه زكاتها كالسخال الحادثة بعد الحول .

( والثاني ) : تلزمه ; لأن الزيادة حصلت في نفس القيمة التي تعلق بها الوجوب ، فهو بمنزلة الماشية إذا سمنت بعد الحول ، فإنه يلزمه إخراج فرض سمين ، وإن اشتراه بما دون النصاب من الأثمان ففيه وجهان .

( أحدهما ) : يقوم بنقد البلد ; لأنه ملكه بما لا تجب فيه الزكاة فأشبه إذا ملكه بعرض للقنية .

( والثاني ) : أنه يقوم بالنقد الذي اشتراه به ; لأنه أصل يمكن أن يقوم به فيقوم به كما لو كان نصابا ، فإن حال الحول على العرض فقوم فلم يبلغ النصاب ، لم تجب فيه الزكاة .

فإن زادت قيمته بعد الحول بشهر فبلغت نصابا ففيه وجهان : قال أبو إسحاق : لا تجب الزكاة حتى يحول عليه الحول الثاني من حين حال الحول الأول ; لأن الحول يبتدئ من حين الشراء ، وقد تم الحول وهو ناقص عن النصاب ، فلم تتعلق به الزكاة ، وقال أبو علي بن أبي هريرة : إذا بلغت قيمته نصابا بعد شهر وجبت فيه الزكاة ; لأنه مضى عليه حول بعد الشراء بشهر وهو نصاب ، فوجبت فيه الزكاة ) .


( الشرح ) قال أصحابنا رحمهم الله : إذا حال الحول على عرض التجارة وجب تقويمه لإخراج الزكاة ، قال أصحابنا : إذا أراد التقويم فلرأس المال أحوال : ( أحدها ) : يكون نقدا نصابا بأن اشترى عرضا بمائتي درهم أو عشرين دينارا فيقوم في إخراجه برأس المال ، فإن بلغ به نصابا زكاه وإلا فلا ، فلو نقص به عن النصاب وبلغ بنقد البلد نصابا ، فلا زكاة حتى لو اشترى بمائتي درهم عرضا فباعه بعشرين دينارا - وقصد التجارة مستمر - فحال الحول والدنانير في يده وهي نقد البلد - ولا تبلغ قيمتها بالدراهم مائتي درهم - فلا زكاة ، هذا هو المذهب ، وبه قطع جماهير الأصحاب المتقدمين والمتأخرين .

وحكى صاحب [ ص: 24 ] التقريب ( قولا غريبا ) : أن التقويم أبدا يكون بغالب نقد البلد ، سواء أكان رأس المال نقدا أم لا . وحكى الشيخ أبو حامد والماوردي والروياني وصاحب " البيان " وغيرهم : هذا وجها عن ابن الحداد ، وهو مذهب أبي حنيفة ، واحتج له بالقياس على ما لو أتلف على غيره شيئا متقوما ، فإنه يقوم بنقد البلد لا بما اشتراه به . واحتج الأصحاب للمذهب بأن العرض فرع لما اشتراه به ، وإذا أمكن تقويمه بأصله كان أولى بخلاف المتلف ، فإنه لا أصل له فوجب تقويمه بنقد البلد .

( الحال الثاني ) : أن يكون نقدا دون نصاب فوجهان : ( أصحهما ) عند الأصحاب : يقوم برأس المال ; لما ذكرناه في الحال الأول .

( والثاني ) : يقوم بنقد البلد ، وهو قول أبي إسحاق المروزي ; لأنه لا يبنى حوله على حوله ، فهو كما لو اشتراه بعرض .

قال البغوي والرافعي : وموضع الوجهين ما إذا ملك من جنس رأس المال ما يتم به النصاب ، فإن ملك بأن اشترى بمائة درهم عرضا وهو حينئذ يملك مائة أخرى ، فلا خلاف أن التقديم يكون برأس المال ; لأنه اشترى ببعض ما انعقد عليه الحول ، وابتداء الحول من ملك الدراهم ، ( قلت ) : ويجيء فيه القول الذي حكاه صاحب " التقريب " .

( الحال الثالث ) : أن يملك بالنقدين جميعا وهذا ثلاثة أضرب .

( أحدها ) : أن يكون كل واحد منهما نصابا فيقوم بهما جميعا على نسبة التقسيط يوم الملك ، وطريقة تقويم أحد النقدين بالآخر مثل ما لو اشترى العرض بمائتي درهم وعشرين دينارا ، فينظر إن كانت قيمة الدراهم عشرين دينارا ، فنصف العرض مشترى بدنانير ونصفه بدراهم ، وإن كانت قيمة الدراهم عشرة دنانير فثلثاه مشترى بدراهم ، وثلثه مشترى بدنانير ، وهكذا يقوم في آخر الحول ولا يضم أحدهما إلى الآخر ، فإن نقص كل واحد منهما في آخر الحول عن النصاب فلا زكاة ، [ ص: 25 ] وإن كان بحيث لو قوم بأحدهما لبلغ نصابا ; لما سبق في باب زكاة الذهب والفضة : أنه لا يضم أحدهما إلى الآخر ، ويكون حول كل واحد منهما من حين ملك ذلك النقد .

( والضرب الثاني ) : أن يكون كل واحد منهما دون النصاب ، فإن قلنا بقول أبي إسحاق : إن ما دون النصاب كالعرض يقوم الجميع بنقد البلد ، وإن قلنا بالأصح : إنه كالنصاب ، فوجهان حكاهما الماوردي .

( أصحهما ) وبه قطع الجمهور : يقوم ما قابل الدراهم بدراهم ، وما قابل الدنانير بدنانير .

( والثاني ) : يقوم الجميع بالدراهم ; لأنه الأصل ونصوص زكاتها صريحة .

( الضرب الثالث ) : أن يكون أحدهما نصابا والآخر دونه ، فيقوم ما ملكه بالنقد الذي هو نصاب برأس ماله ، وما ملكه بالنقد الآخر ، فيه ثلاثة أوجه .

( أصحها ) : برأس ماله .

( والثاني ) : بغالب نقد البلد .

( والثالث ) : أنه إن كان فضة قوم بها وإن كان ذهبا قوم بالفضة أيضا ، وهو الوجه المحكي قريبا عن الماوردي ، قال أصحابنا : ويقوم كل واحد منهما في آخر حوله ، ويكون حول الذي ملكه بنصاب من حين ملك ذلك النصاب ، وحول المملوك بما دون النصاب من حين ملك العرض ، وإذا اختلف جنس المقوم به فلا ضم .

( الحال الرابع ) : أن يكون رأس المال غير نقد ، بأن ملك العرض بغرض قنية أو ملكه بخلع أو نكاح بقصد التجارة ، وقلنا بالمذهب : إنه يصير مال تجارة فيقوم في آخر الحول بنقد البلد ، فإن كان في البلد نقدان فينظر ، فإن كان أحدهما أغلب قوم بالأغلب ، نص عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب ، سواء أكان دراهم أو دنانير .

فإن بلغ به نصابا وجبت زكاته ، وإن نقص به عن النصاب وبلغ بنقد آخر غير الغالب نصابا فلا زكاة بالاتفاق . ولو كان في البلد نقدان متشابهان في الرواج ليس أحدهما أغلب من الآخر ، فإن بلغ بأحدهما نصابا دون الآخر ، [ ص: 26 ] قوم بما بلغ به بلا خلاف ، وإن بلغ كل واحد منهما نصابا ففيه أربعة أوجه حكاها المصنف والأصحاب .

( أصحها ) عند المصنف والبندنيجي وآخرين من الأصحاب - وهو قول أبي إسحاق المروزي - : يتخير المالك فيقوم بما شاء منهما ; لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر .

( والثاني ) : يقوم بالأنفع للمساكين ، كما سبق في اجتماع الحقاق وبنات اللبون .

( والثالث ) : يتعين التقويم بالدراهم ; لأنها أكثر استعمالا ; ولأنها أرفق ، وهو قول ابن أبي هريرة ، واحتج له : بأن الدراهم ثبتت زكاتها بالنصوص المتواترة بخلاف الذهب ، قال القاضي أبو الطيب : هذا الاستدلال باطل ; لأن زكاة الذهب ثابتة بالإجماع ، فلا فرق بينهما .

( والرابع ) : يقوم بالنقد الغالب في أقرب البلاد إليه ; لأنهما تعارضا فصارا كالمعدومين ، فانتقل إلى أقرب البلاد .

( الحال الخامس ) : أن يكون رأس المال نقدا أو غيره ، بأن اشترى بمائتي درهم عبد قنية فما قابل الدراهم يقوم بها ، وما قابل العبد يقوم بنقد البلد ، فإن كان النقد دون نصاب عاد الوجهان .

( الأصح ) : يقوم برأس ماله .

( والثاني ) : بغالب نقد البلد . قال البغوي والرافعي : وكما يجري التقسيط عند اختلاف الجنس ، يجري عند اختلاف الصفة ، بأن اشترى بنصاب دنانير بعضها صحاح وبعضها مكسرة وبينهما تفاوت ، فيقوم ما يخص الصحيح وما يخص المكسور ، والله أعلم .

( فرع ) إذا قوم العرض في آخر الحول ثم باعه بزيادة على قيمته ، فإن كان البيع بعد إخراج الزكاة فلا شيء عليه في هذه الزيادة عن الحول الأول ، ولكنها تضم إلى المال في الحول الثاني ، وإن كان البيع قبل إخراج الزكاة فوجهان مشهوران حكاهما المصنف والأصحاب ( أحدهما ) : يلزمه زكاة الزيادة ; لأنها حصلت في نفس القيمة التي تعلق بها الوجوب ، فأشبهت الماشية إذا سمنت بعد الحول قبل إخراج [ ص: 27 ] الزكاة ، فإنه تلزمه سمينة بلا خلاف .

( وأصحهما ) عند القاضي أبي الطيب والأصحاب : لا تلزمه زكاة الزيادة ; لأنها حدثت بعد الوجوب فلم يلزمه زكاتها كالسخال الحادثة بعد الحول ، ، ويخالف السمن فإنه وصف تابع . ولو نقصت القيمة بعد أن قومها بعد الحول ، فباعها بنقص عما قومها به نظر إن نقصت نقصا يسيرا ، وهو القدر الذي يتغابن الناس به ، لم تلزمه إلا زكاة ما بيع به ; لأن هذا قيمته . وإن نقصت نقصا كثيرا لا يتغابن الناس به ، بأن قومها بأربعين دينارا ثم نقصت فباعها بخمسة وثلاثين ، لزمه زكاة الأربعين التي قوم بها ; لأن هذا النقص بتفريطه . هكذا فصله أصحابنا ، وكذا نقله عنهم القاضي أبو الطيب وصاحب البيان " .

( فرع ) إذا حال الحول على العرض فقوم فلم يبلغ قيمته نصابا ، فلا زكاة في الحال بلا خلاف ، فإن زادت قيمته فبلغت بعد ذلك نصابا ففيه وجهان مشهوران حكاهما المصنف والأصحاب : ( أحدهما ) وحكاه القاضي أبو الطيب عن أبي هريرة والماسرجسي : تلزمه الزكاة عند تمام النصاب ، فيخرج عن الماضي ، ويكون ابتداء الحول الثاني من هذا الوقت ، وقد زاد الحول الأول ; لأنها إذا وجب في اثني عشر شهرا ففي أكثر أولى .

( والثاني ) : وهو الأصح عند القاضي أبي الطيب والأصحاب ، وبه قال أبو إسحاق المروزي : لا تجب الزكاة حتى يحول حول ثان ، من حين حال الحول الأول ; لأن الحول الأول انقضى ولا زكاة فيه ، فوجب أن لا يجب شيء حتى يتم الحول الثاني .

ثم إن المصنف وشيخه القاضي ومن تبعهما فرضوا المسألة فيما إذا زاد قيمته فبلغت نصابا بعد الحول بشهر ونحوه ، وقال صاحب " البيان " : متى زادت بعد الحول الأول وقبل تمام الثاني ففيه وجهان .

التالي السابق


الخدمات العلمية