صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى : ( فعلى هذا - يعني إذا شرطنا النصاب - إذا وجد مائة درهم ، ثم وجد مائة أخرى ، لم يجب الخمس في واحد منهما ، وإن وجد دون [ ص: 58 ] النصاب وعنده نصاب من جنسه - نظرت فإن وجد الركاز مع تمام الحول في النصاب الذي عنده - ضمه إلى ما عنده وأخرج الخمس من الركاز وربع العشر من النصاب ; لأن الحول لا يعتبر في الركاز فيصير الركاز مع النصاب كالزيادة مع نصاب حال الحول عليهما . وإن وجده بعد الحول على النصاب ضمه عليه ; لأن الحول قد حال على ما معه .

والركاز كالزيادة التي حال عليها الحول ، وإن وجده قبل الحول على النصاب لم يخمس ; لأن الركاز كبعض نصاب حال عليه الحول ، وإذا تم حول البعض ولم يتم حول الباقي لم تجب الزكاة ، فإذا تم حول النصاب أخرج زكاته ، وإذا تم حول الركاز من حين وجده أخرج عنه ربع العشر وسقط الخمس . فأما إذا كان الذي معه أقل من النصاب فإن كان وجد الركاز قبل تمام الحول على ما معه لم يضم إليه ، بل يستأنف الحول عليهما من حين تم النصاب ، فإذا تم الحول أخرج الزكاة ، وإن وافق وجود الركاز حال حول الحول ، فالمنصوص في " الأم " : أنه يضم إلى ما عنده . فإذا بلغ النصاب أخرج من الركاز الخمس ، ومن الذي معه ربع العشر ; لأن الركاز لا يعتبر فيه الحول فيجعل كالموجود معه في جميع الحول ، ومن أصحابنا من قال : لا يضم بل يستأنف الحول عليهما من حين تم النصاب ، فإذا حال الحول أخرج عنهما ربع العشر ) .


( الشرح ) هذا الفصل إلى آخر الباب سبق شرحه واضحا في فصل المعدن ، واتفق أصحابنا على أن حكم الركاز والمعدن في تتميم النصاب وجميع هذه التفريعات سواء ، وفاقا وخلافا بلا فرق ، هذا إذا شرطنا النصاب كما ذكره المصنف ، ولكن في كلام المصنف مواضع جزم بها على خلاف الأصح ، وقد بيناه هناك ، فالمذهب الذي عليه الاعتماد : ما أوضحناه هناك ، واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على هذه المسألة التي ذكرها المصنف أنه إذا وجد من الركاز مائة درهم ، ثم وجد مائة أخرى : أنه لا يجب الخمس في واحد منهما ، بل ينعقد الحول عليهما من حيث كمل النصاب ، فإذا تم لزمه ربع العشر كسائر النقود التي يملكها ، وهذا تفريع على المذهب وهو اشتراط النصاب في الركاز ، والله أعلم .

[ ص: 59 ] فرع مسائل تتعلق بالركاز حكم الذمي في الركاز .

( فرع ) في مسائل تتعلق بالركاز ( إحداها ) قال أصحابنا : حكم الذمي في الركاز حكمه في المعدن كما سبق . فلا يمكن من أخذه في دار الإسلام . فإن وجده ملكه على المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه قدمناه عن حكاية صاحب " الحاوي " أنه لا يملكه . وهو احتمال لإمام الحرمين ; لأنه كالحاصل للمسلمين . فهو كمالهم الضائع . فإذا قلنا بالمذهب فأخذه ، ففي أخذ حق الركاز منه الخلاف السابق في حق المعدن .

( الثانية ) لو وجد في ملكه ركاز فلم يدعه . وادعاه اثنان فصدق أحدهما . سلم إليه . ذكره الدارمي عن ابن القطان . وقاله غيرهما ، وهو ظاهر .

( الثالثة ) إذا وجد من الركاز دون النصاب . وله دين يجب فيه الزكاة يبلغ به نصابا . وجب خمس الركاز في الحال ، فإن كان ماله غائبا أو مدفونا أو وديعة أو دينا - والركاز ناقص - لم يخمس حتى يعلم سلامة ماله وحينئذ يخمس الركاز الناقص عن النصاب ، سواء بقي المال أم تلف إذا علم وجوده يوم حصول الركاز .

( الرابعة ) قال الشافعي والأصحاب : يجب صرف خمس الركاز مصرف الزكوات ، وهو زكاة . ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور في الطريقتين ، وحكى الخراسانيون قولا أنه يصرف مصرف خمس خمس الفيء . وحكاه صاحب " الحاوي " والقاضي أبو الطيب ومن تابعهما وجها عن المزني وأبي حفص بن الوكيل من أصحابنا .

( الخامسة ) قال الماوردي والدارمي : إذا وجد ركازا فأخرج خمسه ، ثم أقام رجل بينة أنه ملكه ، فلصاحب البينة استرجاع الركاز من واجده مع خمسه المخرج . وللواجد أن يرجع بالخمس على الإمام إن كان دفعه إليه . وللإمام أن يرجع به على أهل السهمان إن كان باقيا في أيديهم ، فإن لم يكن باقيا في أيديهم أو كان تالفا في يد الإمام بغير تفريط ضمنه في مال الزكاة . وإن تلف في يده بتفريط أو خيانة ضمنه في ماله .

[ ص: 60 ] السادسة ) في مذهب العلماء في مسائل من الركاز ذكرنا : أن الصحيح في مذهبنا اشتراط النصاب . وقال أبو حنيفة وأحمد : لا يشترط وهو أصح الروايتين عن مالك ، وحكاه ابن المنذر عن مالك وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأصحاب الرأي ، قال : وبه قال جل أهل العلم . قال وهو أولى بظاهر الحديث .

والمشهور من مذهبنا : أنه لا يجب حق الركاز في غير ذهب وفضة . وقال أبو حنيفة : يجب في كل موجود ركاز وهو أصح الروايتين عن مالك وأحمد . ونقله ابن المنذر عن مالك وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأصحاب الرأي وجماهير العلماء قال : وبه أقول ، وأما الذمي فقد قدمنا أن المشهور من مذهبنا : أنه لا شيء عليه في الركاز وهو المعروف من نصوص الشافعي والأصحاب . ونقل ابن المنذر الإجماع على أن عليه الخمس كالمسلم . ونقله عن الشافعي وغيره كما قدمنا حكايته عن ابن المنذر .

والركاز الموجود في موات دار أهل العهد يملكه واجده عندنا كموات دار الإسلام . قال العبدري : وبهذا قال أكثر الفقهاء . قال مالك : يكون لأهل الأرض لا للواجد ، وأما الموجود في دار أهل الحرب فركاز عندنا وعند الباقين ، لكن يجب فيه الخمس عندنا وعند الجمهور . وقال أبو حنيفة : هو غنيمة ولا شيء فيه ، بل كله لواجده بناء على أصله أن من غنم وحده فلا خمس عليه ، ومصرف الركاز مصرف الزكاة عندنا . وقال أبو حنيفة : مصرف الفيء ، وهو رواية عن أحمد ، وبه قال المزني وابن الوكيل من أصحابنا كما سبق قريبا .

والركاز الموجود في دار أو أرض مملوكة يكون لساكنه عندنا إذا ادعاه كما سبق ، وبه قال أبو حنيفة ومحمد . وقال الحسن بن صالح وأبو يوسف وأبو ثور : يكون لواجده ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية