صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( ومن حركت القبلة شهوته كره له أن يقبل وهو صائم ، والكراهة كراهة تحريم ، وإن [ تكن ] لم تحرك [ القبلة ] شهوته قال الشافعي : فلا بأس بها وتركها أولى والأصل في ذلك ما روت عائشة رضي الله عنها قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملككم لإربه } وعن ابن عباس أنه أرخص فيها للشيخ وكرهها للشاب ولأنه في حق أحدهما لا يأمن أن ينزل فيفسد الصوم وفي الآخر يأمن ففرق بينهما ) .


( الشرح ) حديث عائشة رواه البخاري ومسلم بهذا اللفظ ، وفي رواية لمسلم { يقبل في رمضان وهو صائم } وعن عمر بن أبي سلمة { أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيقبل الصائم ؟ فقال : سل هذه لأم سلمة فأخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك ، فقال : يا رسول الله ، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله إني أتقاكم لله وأخشاكم له } رواه مسلم وعمر بن أبي سلمة هذا هو الحميري هكذا جاء مبينا [ ص: 396 ] في رواية البيهقي وليس هو ابن أم سلمة . وعن عمر رضي الله عنه قال : { هششت يوما فقبلت وأنا صائم ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : إني صنعت اليوم أمرا عظيما ، قبلت وأنا صائم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم ؟ قلت : لا بأس بذلك ، قال : ففيم ؟ } رواه أبو داود ، وقد سبق بيان حديث ذكره المصنف ، ومما جاء في كراهتها للشباب ونحوه حديث ابن عباس قال : { رخص للكبير الصائم في المباشرة وكره للشاب } رواه ابن ماجه هكذا ، وظاهره أنه مرفوع ورواه مالك والشافعي والبيهقي بأسانيدهم الصحيحة .

وعن عطاء بن يسار : أن ابن عباس سئل عن القبلة للصائم فأرخص فيها للشيخ ، وكرهها للشاب ، وهكذا رواه أبو داود موقوفا عن ابن عباس .

وعن أبي هريرة { أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له ، وأتاه آخر فنهاه ، هذا الذي رخص له ، شيخ والذي نهاه شاب } رواه أبو داود بإسناد جيد ولم يضعفه . وعن ابن عمرو بن العاص قال : { كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء شاب فقال : يا رسول الله ، أقبل وأنا صائم ؟ فقال : لا . فجاء شيخ فقال : أقبل وأنا صائم ؟ قال نعم } رواه أحمد بن حنبل بإسناد ضعيف من رواية ابن لهيعة .

( وأما ) الحديث المروي عن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت : { سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل قبل امرأته وهما صائمان ، فقال : قد أفطرا } رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني بإسناد ضعيف ، قال الدارقطني : راويه مجهول ، قال : ولا يثبت هذا . وعن الأسود قال : { قلت لعائشة أيباشر الصائم ؟ قالت : لا ، قلت : أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر ؟ قلت : كان أملككم لإربه } رواه البيهقي بإسناد صحيح فهذه جملة من الأحاديث والآثار الواردة في القبلة ( وقولها ) لإربه - بكسر الهمزة مع إسكان الراء - وروي أيضا بفتحهما جميعا . [ ص: 397 ] أما أحكام المسألة ) فهو كما قاله المصنف تكره القبلة على من حركت شهوته وهو صائم ، ولا تكره لغيره ، لكن الأولى تركها ، ولا فرق بين الشيخ والشاب في ذلك ، فالاعتبار بتحريك الشهوة وخوف الإنزال ، فإن حركت شهوة شاب أو شيخ قوي كرهت ، وإن لم تحركها لشيخ أو شاب ضعيف لم تكره والأولى تركها وسواء قبل الخد أو الفم أو غيرهما ، وهكذا المباشرة باليد والمعانقة لهما حكم القبلة ثم الكراهة في حق من حركت شهوته كراهة تحريم عند المصنف وشيخه القاضي أبي الطيب والعبدري وغيرهم . وقال آخرون : كراهة تنزيه ما لم ينزل ، وصححه المتولي . قال الرافعي وغيره : الأصح كراهة تحريم ، وإذا قبل ولم ينزل لم يبطل صومه بلا خلاف ، عندنا سواء قلنا : كراهة تحريم أو تنزيه .

( فرع ) في مذاهب العلماء في القبلة للصائم ذكرنا أن مذهبنا كراهتها لمن حركت شهوته ولا تكره لغيره والأولى تركها فإن قبل من تحرك شهوته ولم ينزل لم يبطل صومه . قال ابن المنذر : رخص في القبلة عمر بن الخطاب وابن عباس وأبو هريرة وعائشة وعطاء والشعبي والحسن وأحمد وإسحاق ، قال : وكان سعد بن أبي وقاص لا يرى بالمباشرة للصائم بأسا ، وكان ابن عمر ينهى عن ذلك . وقال ابن مسعود : يقضي يوما مكانه ، وكره مالك القبلة للشاب والشيخ في رمضان ، وأباحتها طائفة للشيخ دون الشاب ، مما قاله ابن عباس ، وقال أبو ثور : إن خاف المجاوزة من القبلة إلى غيرها لم يقبل ، هذا نقل ابن المنذر ومذهب أبي حنيفة كمذهبنا . وحكى الخطابي عن سعيد بن المسيب أن من قبل في رمضان قضى يوما مكانه وحكاه الماوردي عن محمد بن الحنفية وعبد الله بن شبرمة قال : وقال سائر الفقهاء : القبلة لا تفطر إلا أن يكون معها إنزال فإن أنزل معها أفطر ولزمه القضاء دون الكفارة ، ودلائل هذه المذاهب تعرف مما سبق في الأحاديث والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية