صفحة جزء
[ ص: 398 ] قال المصنف رحمه الله تعالى ( وينبغي للصائم أن ينزه صومه عن الغيبة والشتم ، فإن شوتم قال : إني صائم ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل ، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل : إني صائم } " ) .


( الشرح ) حديث أبي هريرة رواه البخاري ومسلم والرفث الفحش في الكلام ، ومعنى شاتمه شتمه متعرضا لمشاتمته ، وقوله صلى الله عليه وسلم فليقل ( إني صائم ) ذكره العلماء فيه تأويلين ( إحداهما ) يقول بلسانه ويسمعه لصاحبه ليزجره عن نفسه ( والثاني ) وبه جزم المتولي بقوله : في قلبه لا بلسانه ، بل يحدث نفسه بذلك ويذكرها أنه صائم لا يليق به الجهل والمشاتمة والخوض مع الخائضين ، قال هذا القائل ; لأنه يخاف عليه الرياء إذا تلفظ به ، ومن قال بالأول يقصد زجره لا للرياء ، والتأويلان حسنان والأول أقوى ، ولو جمعهما كان حسنا ، وقول المصنف ( ينبغي للصائم أن ينزه صومه عن الغيبة والشتم ) معناه يتأكد التنزه عن ذلك في حق الصائم أكثر من غيره للحديث ، وإلا فغير الصائم ينبغي له ذلك أيضا ويؤمر به في كل حال ، والتنزه التباعد ، فلو اغتاب في صومه عصى ولم يبطل صومه عندنا ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة إلا الأوزاعي فقال : يبطل الصوم بالغيبة ويجب قضاؤه . واحتج بحديث أبي هريرة المذكور وبحديثه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه } رواه البخاري ، وعنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر } رواه النسائي وابن ماجه في سننهما ، ورواه الحاكم في المستدرك قال : وهو صحيح على شرط البخاري . وعنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ليس الصيام من الأكل والشرب فقط ، الصيام من اللغو والرفث } رواه البيهقي والحاكم في المستدرك وقال : هو [ ص: 399 ] صحيح على شرط مسلم ، وبالحديث الآخر { خمس يفطرن الصائم : الغيبة والنميمة والكذب والقبلة واليمين الفاجرة } وأجاب أصحابنا عن هذه الأحاديث سوى الأخير بأن المراد أن كمال الصوم وفضيلته المطلوبة إنما يكون بصيانته عن اللغو والكلام الرديء لا أن الصوم يبطل به . وأما الحديث الأخير ، خمس يفطرن الصائم " فحديث باطل لا يحتج به ، وأجاب عنه الماوردي والمتولي وغيرهما بأن المراد بطلان الثواب لا نفس الصوم .

التالي السابق


الخدمات العلمية