صفحة جزء
[ ص: 502 ] قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولا يجوز للمرأة أن تعتكف بغير إذن الزوج ، لأن استمتاعها ملك للزوج ، فلا يجوز إبطاله عليه بغير إذنه ، ولا يجوز للعبد أن يعتكف بغير إذن مولاه ، لأن منفعته للمولى فلا يجوز إبطالها عليه بغير إذنه ، فإن نذرت المرأة الاعتكاف بإذن الزوج أو نذر العبد الاعتكاف بإذن مولاه نظرت - فإن كان غير متعلق بزمان بعينه - لم يجز أن يدخل فيه بغير إذنه ، لأن الاعتكاف ليس على الفور وحق الزوج والمولى على الفور ، فقدم على الاعتكاف ، وإن كان النذر متعلقا بزمان جاز أن يدخل فيه بغير إذنه ، لأنه تعين عليه فعله بإذنه ، وإن اعتكفت المرأة بإذن زوجها أو العبد بإذن مولاه ، نظرت فإن كان في تطوع جاز له أن لا يخرجه منه ; لأنه لا يلزمه بالدخول فجاز إخراجه منه وإن كان في فرض متعلق بزمان بعينه لم يجز إخراجه منه ; لأنه تعين عليه فعله في وقته فلا يجوز إخراجه منه ، وإن كان في فرض غير متعلق بزمان بعينه ففيه وجهان : ( أحدهما ) لا يجوز إخراجه منه ، لأنه وجب إذنه ودخل فيه بإذنه فلم يجز إخراجه منه .

( والثاني ) إن كان متتابعا لم يجز إخراجه منه ، لأنه لا يجوز له الخروج فلا يجوز إخراجه منه كالمنذور في زمن بعينه ، وإن كان غير متتابع جاز إخراجه منه ; لأنه يجوز له الخروج منه فجاز إخراجه منه كالتطوع . وأما المكاتب فإنه يجوز له أن يعتكف بغير إذن المولى ; لأنه لا حق للمولى في منفعته فجاز أن يعتكف بغير إذنه كالحر . ومن نصفه حر ونصفه عبد ينظر فيه - فإن لم يكن بينه وبين المولى مهايأة - فهو كالعبد ، وإن كان بينهما مهايأة فهو في اليوم الذي هو للمولى كالعبد ، لأن حق السيد متعلق بمنفعته ، وفي اليوم الذي له كالمكاتب ; لأن حق المولى [ لا ] يتعلق بمنفعته ) .


( الشرح ) في الفصل مسائل : ( إحداها ) قد سبق أن يصح اعتكاف المرأة والعبد ، لكن لا يجوز اعتكافهما بغير إذن الزوج والسيد ، لما ذكره المصنف ، فإن اعتكفا بغير إذنهما كان لهما إخراجهما منه بلا خلاف ، وإن نذر الاعتكاف بإذن الزوج أو المولى - فإن كان متعلقا بزمان معين - جاز لهما الدخول فيه بلا إذن ; لأن الإذن في النذر المعين إذن في الدخول فيه ، وإن كان غير متعلق بزمان معين لم يجز دخولهما فيه بغير إذن لما ذكره المصنف . [ ص: 503 ] الثانية ) إذا دخلت المرأة أو العبد في الاعتكاف فإن كان الاعتكاف تطوعا أذن الزوج والمولى فيه أو لم يأذنا ، جاز لهما إخراجهما منه بلا خلاف عندنا . وقال مالك : لا يجوز إن أذنا فيه . وقال أبو حنيفة : يجوز للسيد دون الزوج . دليلنا ما ذكره المصنف ، وإن دخلا في اعتكاف منذور ، فإن نذره بغير إذن الزوج والسيد فلهما المنع من الشروع فيه ، فإن شرعا فلهما إخراجهما منه ، فإن أذنا في الشروع ، وكان الزمان متعينا أو غير متعين ، ولكن شرطا التتابع فيه ، لم يجز لهما إخراجهما ; لأن المتعين لا يجوز تأخيره والمتتابع لا يجوز الخروج منه ، لأنه يتضمن إبطاله ولا يجوز إبطال العبادة الواجبة بعد الدخول فيها بلا عذر ، وإن أذنا في الشروع - والزمان غير متعين - ولا شرطا التتابع فلهما إخراجهما منه على أصح الوجهين وبه قطع المتولي . وقد ذكر المصنف دليلهما .

هذا كله إذا نذر بغير إذن الزوج والسيد ، فإن نذر بإذنهما فقد سبق أنه إن تعلق بزمن معين فلهما الشروع فيه بغير إذن ، وإلا فلا ، وإذا شرعا فيه بلا إذن لم يجز للزوج والسيد الإخراج منه ، هكذا ذكر المسألة بفروعها أصحابنا العراقيون ، وهي مفرعة على أن النذر المطلق إذا شرع فيه لزمه إتمامه ، وفيه خلاف سبق في آخر كتاب الصيام ، وفي آخر باب مواقيت الصلاة ، وسواء في كل هذا العبد المدبر والقن وأم الولد والأمة القنة .

( الثالثة ) المكاتب له الاعتكاف بغير إذن سيده على الصحيح ، وبه قطع المصنف والجمهور ، وفيه وجه حكاه الخراسانيون أنه لا يجوز إلا بإذن سيده ، لأنه قد يعجز نفسه فتعود منافعه وكسبه لسيده ، وهو مذهب أبي حنيفة . وأما من بعضه رقيق وبعضه حر - فإن لم يكن بينه وبين مولاه مهايأة - فهو كالعبد القن ، وإن كان مهايأة فهو في نوبة نفسه كالحر ، وفي نوبة سيده كالعبد القن والمهايأة بالهمز في آخرها ، وهي المناوبة . وقول المصنف ( أنه لا يلزم بالدخول ) احتراز من الحج والعمرة إذا أذن الزوج والسيد فيهما فلا يجوز لهما الإخراج منهما ; لأنهما يلزمان بالشروع ، وكذا الجمعة في حقهما في أحد الوجهين . [ ص: 504 ] فرع ) لو نذر العبد اعتكافا في زمن معين بإذن سيده فباعه . قال المتولي : ليس للمشتري منعه من الاعتكاف ; لأنه صار مستحقا قبل ملكه ، لكن إن جهل ذلك فله الخيار في فسخ البيع .

التالي السابق


الخدمات العلمية