صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولا يجب الحج والعمرة إلا على مسلم عاقل بالغ حر مستطيع ( فأما ) الكافر فإن كان أصليا لم يصح منه ; لأن ذلك من فروع الإيمان فلا يصح من الكافر ، ولا يخاطب في حال الكفر ; لأنه لا يصح منه ، فإن أسلم لم يخاطب بما فاته في حال الكفر ، لقوله صلى الله عليه وسلم : { الإسلام يجب [ ص: 21 ] ما قبله } ولأنه لم يلتزم وجوبه ، فلم يلزمه ، كضمان حقوق الآدميين ، وإن كان مرتدا لم يصح منه لما ذكرناه ، ويجب عليه ; لأنه التزم وجوبه فلم يسقط عنه بالردة كحقوق الآدميين ) .


( الشرح ) هذا الحديث صحيح رواه مسلم في صحيحه من رواية عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : الإسلام يهدم ما كان قبله } هذا لفظ رواية مسلم ، ذكره في أوائل الكتاب في كتاب الإيمان ، وفي رواية غيره { يجب ما قبله } - بضم الجيم وبعدها باء موحدة - من الجب وهو القطع ، ورويناه في كتاب الزبير بن بكار يحت - بضم الحاء المهملة وبعدها تاء مثناة فوق - من الحت وهو الإزالة ، والألفاظ الثلاثة متفقة المعنى ، وقد ينكر على المصنف كونه استدل بالحديث ، وهو خبر آحاد يفيد الظن لا القطع ، وترك الاستدلال بقول الله - عز وجل - : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } فينكر استدلاله بظني مع وجود القطعي ( وجوابه ) أن الآية الكريمة تقتضي غفران الذنوب لا إسقاط حقوق وعبادات سبق وجوبها ( وأما ) الحديث فصحيح صريح في قطع النظر عما قبل الإسلام ، فكان الاستدلال بالحديث هنا هو الوجه لانطباقه على ما استدل به والله أعلم .

( وأما ) قول المصنف : فإن كان أصليا ، فيعني به الاحتراز عن المرتد ، ويدخل في الأصل الذمي والحربي ، سواء الكتابي والوثني وغيرهما ( وقوله ) من فروع الإيمان فلا يصح من الكافر فينتقض بالكفارة والعدة وأشباههما فكان ينبغي أن يقول : ركن من فروع الإيمان ( وقوله ) : ولا يخاطب به في حال الكفر ، معناه لا نطالبه بفعل الحج في حال الكفر .

( وأما ) الخطاب الحقيقي فهو مخاطب بالفروع على المذهب الصحيح ، وقد سبق في أول كتاب الصيام مثل هذه العبارة وبسطنا هناك الكلام فيها ( وأما ) قوله : فإن أسلم لم يخاطب بما فاته في حال الكفر ، فمعناه أنه إذا كان في حال كفره واجدا للزاد والراحلة وغيرهما من شروط الاستطاعة ، ثم أسلم فلا اعتبار بتلك الاستطاعة ، ولا يستقر الحج في ذمته بها ، بل يعتبر حاله بعد الإسلام فإن استطاع لزمه الحج ، وإلا فلا ، ويكون إسلامه كبلوغ الصبي المسلم فيعتبر حاله بعده .

[ ص: 22 ] وقوله ) : لأنه لم يلتزم وجوبه فلم يلزمه كضمان حقوق الآدميين ، قد يقال : هذا الدليل ناقص ، وإنما يصح هذا في الكافر والحربي .

( وأما ) الذمي فإن عليه ضمان حقوق ، فكأنه لم يذكر دليلا لعدم الوجوب على الذمي إذا أسلم ( وجوابه ) أن مراده أن الحربي والذمي لم يلتزما الحج ، فلم يلزمهما إذا أسلما ، كما لا يلزم حقوق الآدميين من لم يلتزمها وهو الحربي ، وقد سبق مثل هذا في أول كتاب الزكاة ، وبسطت هناك بيانه ( وأما ) قوله في المرتد : يجب عليه ; لأنه التزم وجوبه ، فقد يقال : ينتقض بما إذا أتلف المرتد على مسلم شيئا ، في حال قتال الإمام للطائفة المرتدة العاصية ، فإنه لا يضمن على الأصح . ومراد المصنف بقوله : ( يجب على المرتد ) أنه إذا استطاع في حال الردة استقر الوجوب في ذمته ، فإذا أسلم وهو معسر دام الوجوب في ذمته ، والله أعلم . أما حكم المسألة فقال الشافعي والأصحاب : إنما يجب الحج على مسلم بالغ وعاقل حر مستطيع ، فإن اختل أحد الشروط لم يجب بلا خلاف ، فالكافر الأصلي لا يطالب بفعله في الدنيا بلا خلاف ، سواء الحربي والذمي والكتابي والوثني والمرأة والرجل ، وهذا لا خلاف فيه ، فإذا استطاع في حال كفره ثم أسلم وهو معسر لم يلزمه الحج إلا أن يستطيع بعد ذلك ; لأن الاستطاعة في الكفر لا أثر لها ، وهذا لا خلاف فيه ( وأما ) المرتد فيجب عليه ، فإذا استطاع في ردته ثم أسلم وهو معسر فالحج مستقر في ذمته بتلك الاستطاعة ( وأما ) الإثم بترك الحج فيأثم المرتد بلا خلاف ; لأنه مكلف به في حال ردته ( وأما ) الكافر الأصلي فهل يأثم ؟ قال أصحابنا : فيه خلاف مبني على أنه مخاطب بالفروع أم لا ؟ ( فإن قلنا ) بالصحيح : إنه مخاطب أثم وإلا فلا ، والله أعلم .

( فرع ) قال أصحابنا : الناس في الحج خمسة أقسام : ( قسم ) لا يصح منه بحال ، وهو الكافر .

( والقسم الثاني ) من يصح له لا بالمباشرة ، وهو الصبي الذي لا يميز [ ص: 23 ] والمجنون المسلمان ، فيحرم عنهما الولي ، وفي الجنون خلاف سنذكره إن شاء الله - تعالى - .

( والثالث ) من يصح منه بالمباشرة ، وهو المسلم المميز ، وإن كان صبيا وعبدا .

( والرابع ) من يصح منه بالمباشرة ، ويجزئه عن حجة الإسلام وهو المسلم المميز البالغ الحر .

( الخامس ) من يجب عليه ، وهو المسلم البالغ العاقل الحر المستطيع ، قالوا : فشرط الصحة المطلقة الإسلام فقط ، ولا يشترط التكليف ، بل يصح إحرام الولي عن الصبي والمجنون ، وشرط صحة المباشرة بالنفس الإسلام والتمييز ، وشرط وقوعه عن حجة الإسلام البلوغ والعقل والإسلام والحرية ، فلو تكلف غير المستطيع الحج وقع عن فرض الإسلام ، ولو نوى غيره وقع عنه ، وشرط وجوبه هذه الأربعة مع الاستطاعة ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية