صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( وأما الصبي فلا يجب عليه الحج للخبر ، ويصح منه ، لما روي عن ابن عباس { أن امرأة رفعت صبيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من محفتها فقالت : يا رسول الله ألهذا حج ؟ قال : نعم ولك أجر } فإن كان مميزا فأحرم بإذن الولي صح إحرامه ، وإن أحرم بغير إذنه ففيه وجهان : قال أبو إسحاق : يصح كما يصح إحرامه بالصلاة ، وقال أكثر أصحابنا : لا يصح ; لأنه يفتقر في أدائه إلى المال ، فلم يصح بغير إذن الولي ، بخلاف الصلاة ، وإن كان غير مميز جاز لأمه أن تحرم عنه لحديث ابن عباس ، ويجوز لأبيه قياسا على الأم ، ولا يجوز للأخ والعم أن يحرم عنه ; لأنه لا ولاية لهما على الصغير ، فإن عقد له الإحرام فعل بنفسه ما يقدر عليه ، ويفعل عنه وليه ما لا يقدر عليه ، لما روى جابر قال : { حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم } وعن عمر قال : " كنا نحج بصبياننا فمن استطاع منهم رمى ، ومن لم يستطع رمي عنه " وفي نفقة الحج وما يلزمه من الكفارة قولان : ( أحدهما ) يجب في مال الولي ; لأنه هو الذي أدخله فيه ( الثاني ) يجب في مال الصبي ; لأنه وجب لمصلحته فكان في ماله كأجرة المعلم ) .


( الشرح ) حديث ابن عباس رواه مسلم ( وأما ) حديث جابر فرواه الترمذي وابن ماجه بإسناد فيه أشعث بن سوار ، وقد ضعفه الأكثرون [ ص: 25 ] ووثقه بعضهم ، وقال الترمذي : هو غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، والمحفة - بكسر الميم وفتح الحاء - وهي مركب من مراكب النساء كالهودج إلا أنها لا تقتب بخلاف الهودج ، فإنه مركب من مراكب النساء يكون مقتبا وغير مقتب ، وكان سؤال المرأة المذكورة في حديث ابن عباس في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة ، قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ثلاثة أشهر . أما أحكام الفصل فقال الشافعي والأصحاب : لا يجب الحج على الصبي ويصح منه سواء في الصورتين ، الصغير كابن يوم والمراهق . ثم إن كان مميزا أحرم بنفسه بإذن وليه ، ويصح بلا خلاف ، فإن استقل وأحرم بنفسه بغير إذن وليه فوجهان مشهوران ، ذكر المصنف دليلهما : ( أحدهما ) يصح ، وبه قال أبو إسحاق المروزي ( وأصحهما ) لا يصح ، وبه قال أكثر أصحابنا المتقدمين كما ذكره المصنف ، وكذا نقله أيضا ابن الصباغ والبغوي وآخرون وصححه المصنف . قال أصحابنا : ( فإن قلنا ) : يصح فلوليه تحليله إذا رآه مصلحة ، ولو أحرم عنه وليه ( فإن قلنا ) : يصح استقلال الصبي لم يصح إحرام الولي . وإلا فوجهان مشهوران ، حكاهما المتولي وآخرون : ( أصحهما ) عند الرافعي : يصح ، وقطع البغوي بأنه لا يصح إحرام الولي عنه أبا كان أو جدا ، وقطع به أيضا صاحب الشامل ، وحكى القاضي أبو الطيب في تعليقه وجها عن أبي الحسين بن القطان أنه قال : لا ينعقد إحرام الصبي المميز بنفسه ; لأنه ليس له قصد صحيح ، قال القاضي : هذا غلط ، فإن له قصدا صحيحا ، ولهذا تصح صلاته وصومه ، وكذا الحج . قال القاضي : ( فإن قيل ) : قد قلتم : لا يتولى الصبي إخراج فطرته بنفسه وجوزتم هنا إحرامه بنفسه فما الفرق ؟ ( قلنا ) : الحج لا تدخله النيابة مع القدرة ، والفطرة تدخلها النيابة مع القدرة فافترقا ، ولأن الفطرة يتولاها الولي ، والإحرام يفتقر إلى إذن الولي ، فهما سواء . هذا كله في الصبي المميز

( أما ) الصبي الذي لا يميز ، فقال أصحابنا : يحرم عنه وليه ، [ ص: 26 ] قال أصحابنا : سواء كان الولي محرما عن نفسه أو عن غيره أو حلالا ، وسواء كان حج عن نفسه أم لا . وهل يشترط حضور الصبي ومواجهته بالإحرام ؟ فيه وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب في تعليقه والدارمي والرافعي وآخرون ، قال الرافعي : ( أصحهما ) لا يشترط . قال القاضي والدارمي : لو كان الولي ببغداد والصبي بالكوفة ، فأراد الولي أن يعقد الإحرام للصبي ، وهو في موضعه ففي جوازه وجهان : ( أحدهما ) لا يجوز ; لأنه لو وقع الإحرام فلا يصح في غيبته ; لأنه لو جاز الإحرام عنه في غيبته ، لجاز الوقوف بعرفات عنه في غيبته عنها ، ولأنه إذا أحرم عنه ، وهو غائب لا يعلم الإحرام ، فربما أتلف صيدا أو فعل غير ذلك من محظورات الإحرام التي لو علم الإحرام لاجتنبها ( والثاني ) يجوز ; لأن المقصود نية الولي ، وذلك يصح ، ويوجد مع غيبة الصبي ، ولكن يكره لما ذكرناه من خوف المحظورات والله أعلم .

( فرع ) وأما الولي الذي يحرم عن الصبي ، أو يأذن له فقد اضطربت طرق أصحابنا فيه . فأنقل جملة من متفرقات كلامهم ، ثم أختصرها إن شاء الله - تعالى - وقد اتفق أصحابنا على أن الأب يحرم عنه ويأذن له ، واتفقوا على أن الجد كالأب في ذلك عند عدم الأب ، والمراد بالجد أبو الأب ، فأما مع وجود الأب ، فطريقان : ( أصحهما ) لا يصح إحرام الجد ولا إذنه ; لأنه لا ولاية له مع وجود الأب ، وبهذا قطع الدارمي والبغوي والمتولي وغيرهم ( والثاني ) فيه وجهان : ( أصحهما ) هذا ( والثاني ) يصح كما يصير مسلما تبعا لجده مع بقاء الأب على الكفر على خلاف المشهور ، والمذهب الأول ، والله أعلم . قال المتولي : والفرق أن الجد عقد الإسلام لنفسه لا للطفل وصار تبعا له في الإسلام بحكم البعضية ، والبعضية موجودة ( وأما ) الإحرام فلا يحرم الجد عن نفسه ، وإنما يعقد للطفل فيقتضي ولاية ، ولا ولاية له في حياة الأب ، قال الدارمي وغيره : والجد وإن علا كالأب عند عدم الأب وعدم جد أقرب منه ( وأما ) غير الأب والجد فقال جمهور أصحابنا : إن [ ص: 27 ] كان له ولاية بأن يكون وصيا أو قيما من جهة الحاكم صح إحرامه عن الصبي وإذنه في الإحرام للمميز ، وإن لم يكن له ولاية لم يصح على المذهب ، سواء في هذا الأم والأخ والعم وسائر العصبات وغيرهم ، وفيه وجه مشهور أن الأخ والعم وسائر العصبات يجوز لهم ذلك وإن لم يكن لهم ولاية ، ولأن لهم حقا في الحضانة والتربية ، وفي الأم طريقان قال الجمهور : وهو المذهب إن لم يكن لها ولاية على مال الصبي ، فإن كان له أب أو جد فإحرامها عنه كإحرام الأخ فلا يصح على الصحيح ، وإن كان لها ولاية بأن كانت وصية أو قيمة من جهة القاضي ، أو قلنا بقول الإصطخري : إنها تلي المال بعد الجد صح إحرامها وإذنها فيه .

( والطريق الثاني ) القطع بالصحة مطلقا ، وهو اختيار المصنف وطائفة لظاهر الحديث ، وهي طريقة ضعيفة ، وليس في الحديث تصريح بأن الأم أحرمت عنه ، ولنا وجه أن الوصي والقيم لا يصح إحرامه عنه ، ولا إذنه . هذه جملة القول في تحقيق الولي ، قال صاحب البيان : أما الولي الذي يحرم عن الصبي وبإذن المميز فقال الشيخ أبو حامد وعامة أصحابنا : يجوز ذلك للأب والجد ; لأنهما يليان ماله بغير تولية ، وأما غيرهما من العصبات كالأخ وابن الأخ والعم وابن العم فإن لهم حقا في الحضانة وتعليم الصبي وتأديبه ، وليس لهم التصرف في ماله إلا بوصية أو تولية الحاكم ، فإن كان لهم التصرف في ماله صح إحرامهم عن غير المميز وإذنهم للمميز وإلا فوجهان : ( أحدهما ) يجوز كما يجوز لهم تعليمه وتأديبه والإنفاق في ذلك من ماله ( وأصحهما ) ليس لهم ذلك ; لأنهم لا يملكون التصرف في ماله فهم كالأجانب بخلاف النفقة في التأديب والتعليم ; لأنها قليلة فسومح بها .

( أما ) الأم فإن قلنا بقول الإصطخري : إنها تلي المال بعد الجد ، فلها الإحرام والإذن ، وإن قلنا بمذهب الشافعي وهي أنها لا تلي المال بنفسها ، فهي كالإخوة وسائر العصبات قال صاحب البيان : ( هذه طريقة أبي حامد وعامة أصحابنا قال : وقال صاحب المهذب : الأم تحرم عنه للحديث ، ويجوز للأب قياسا على الأم قال ابن الصباغ : ليس في الحديث [ ص: 28 ] أنها أحرمت عنه ، ويحتمل أنه أحرم عنه وليه وإنما جعل لها الأجر لحملها له ومعونتها له في المناسك والإنفاق عليه ) هذا كلام صاحب البيان .

وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه : قال أبو إسحاق المروزي والقاضي أبو حامد في جامعه : يجوز للأب والجد أبي الأب الإحرام عنه وكذلك الأم وأم الأم ; لأن ولادتهما له حقيقة قال أبو الطيب : وقال الشيخ أبو حامد : يجوز لأبيه وجده أبي أبيه ولوصيهما وفي الأخ وابنه والعم وابنه وجهان ، والأم وإن قلنا بقول الإصطخري فكالأب ، وإلا فكالعم والأخ ، هذا كلام أبي الطيب ، وقال المحاملي وابن الصباغ وجمهور العراقيين وصاحب العدة ما حكاه صاحب البيان عن الشيخ أبي حامد وعامة أصحابنا ، ورجح الدارمي صحة إحرام الأم ، وإن لم يكن لها ولاية المال ، وقال المتولي : للأب والجد عند عدم الأب الإحرام والإذن للمميز ، ولا يجوز ذلك للأم عند عامة أصحابنا ، وجوزه الإصطخري . وأما الإخوة والأعمام فإن لم يكن لهم التصرف في ماله بوصية أو إذن حاكم فليس لهم الإحرام على الصحيح ، وفي وجه يجوز ; لأن لهم الحضانة والقيام بالمصالح وتأديبه إذا ظهر منه ما يقتضي التأديب ، وتعليم الطهارة والصلاة ، قال : فأما الوصي والقيم فجوز لهما الإحرام عنه أصحابنا العراقيون كالتصرف في ماله ، وقال أصحابنا الخراسانيون : لا يجوز لهما ذلك ; لأنه لا ولاية لهما على نفسه ، والإحرام عقد على نفسه تلزمه أحكامه فهو كالنكاح . هذا كلام المتولي ، وقال البغوي : يجوز للأب والجد الإحرام عنه . وفي الوصي والقيم وجهان : ( أحدهما ) يصح ( والثاني ) لا يصح ، وسبق تعليلهما في كلام المتولي ، وقال الرافعي : الولي الذي يحرم عنه أو يأذن له هو الأب ، وكذا الجد وإن علا عند عدم الأب ولا يجوز مع وجوده على الصحيح ، وفيه وجه أنه يجوز .

وفي الوصي والقيم طريقان ، قطع العراقيون بالجواز ، وقال آخرون : فيه وجهان : ( أرجحهما ) عند إمام الحرمين المنع ، وفي الأخ والعم وجهان : ( أصحهما ) المنع ، وفي الأم طريقان : ( أحدهما ) القطع بالجواز ( وأصحهما ) [ ص: 29 ] وبه قال الأكثرون أنه مبني على ولايتها المال ، فعلى قول الإصطخري : تلي المال قبل الإحرام ، وعلى قول الجمهور : لا تلي المال ، فلا تلي الإحرام ، هذا كلام الرافعي . قال الروياني : لو أذن الأب لمن يحرم عن الصبي ففي صحته وجهان ، ولم يبين أصحهما ( والأصح ) صحته ، وبه قطع الدارمي وغيره ، كما يصح أن يوكل الأب في سائر التصرفات المتعلقة بالابن ، واتفقوا على أنه لو أحرم به الولي ، ثم أعطاه لمن يحضره الحج صح ذلك ، هذا كلام الأصحاب في الولي الذي يحرم عن صبي لا يميز ، ويأذن للمميز ، وحاصله جواز ذلك للأب ، وكذا الجد عند عدم الأب لا عند وجوده على المذهب ، وأن المذهب جوازه للوصي والقيم ، ومنعه في الأم والإخوة والأعمام وسائر العصبات إذا لم يكن لهم وصية ولا إذن من الحاكم في ولاية المال . وإن شئت قلت : فيه أوجه ( أحدها ) لا يجوز إلا للأب والجد عند عدمه ( والثاني ) يجوز للأب وللجد عند عدم الأب ومع وجوده ( والثالث ) يجوز لهما وللأم ، ( والرابع ) لهؤلاء وللأخوة وسائر العصبات ( والخامس ) وهو الأصح للأب والجد عند عدمه ، وللوصي والقيم دون غيرهم ، والله أعلم .

( فرع ) قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : صفة إحرام الولي عن الصبي أن ينوي جعله محرما ، فيصير الصبي محرما بمجرد ذلك ، قال القاضي أبو الطيب : هو أن ينويه له ، ويقول : عقدت الإحرام ، فيصير الصبي محرما بمجرد ذلك ، كما إذا عقد له النكاح فيصير متزوجا بمجرد ذلك ، قال الدارمي : ينوي أنه أحرم به أو عقده له أو جعله محرما ، قال صاحب العدة : كيفية إحرام الولي عنه أن يخطر بباله أنه قد عقد له الإحرام وجعله محرما فينويه في نفسه .

( فرع ) الصواب في حقيقة الصبي المميز أنه الذي يفهم الخطاب ، ويحسن رد الجواب ومقاصد الكلام ونحو ذلك ، ولا يضبط بسن مخصوص ، بل يختلف باختلاف الأفهام ، والله أعلم .

[ ص: 30 ] فرع ) قال أصحابنا : متى صار الصبي محرما بإحرامه أو إحرام وليه عنه فعل بنفسه ما قدر عليه ، وفعل عنه وليه ما لا يقدر عليه الصبي ، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : يغسله الولي عند إرادة الإحرام ، ويجرده عن المخيط ، ويلبسه الإزار والرداء والنعلين إن تأتى منه المشي ويطيبه وينظفه ويفعل ما يفعل الرجل ، ثم يحرم أو يحرم عنه على ما سبق من التفصيل ، قال أصحابنا : ويجب على الولي أن يجنبه ما يجتنبه الرجل ، فإن قدر الصبي على الطواف بنفسه علمه فطاف ، وإلا طاف به كما سنوضحه في مسائل الطواف في باب صفة الحج إن شاء الله - تعالى - والسعي كالطواف ، فإن كان غير مميز صلى الولي عنه ركعتي الطواف بلا خلاف ، صرح به الشيخ أبو حامد في تعليقه والدارمي والأصحاب ، ونقله أبو حامد عن نص الشافعي في الإملاء ، وإن كان مميزا أمره بهما فصلاها الصبي بنفسه ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والدارمي والبندنيجي ، ويشترط إحضار الصبي عرفات بلا خلاف ، سواء المميز وغيره ، ولا يكفي حضور الولي عنه ، وكذا يحضر مزدلفة والمشعر الحرام ومنى وسائر المواقف ; لأن كل ذلك يمكن فعله من الصبي . قال أصحابنا : ويجمع الولي في إحضاره عرفات بين الليل والنهار ، فإن ترك الجمع بين الليل والنهار ، أو ترك مبيت المزدلفة أو مبيت ليالي منى ، وقلنا : بوجوب الدم في كل ذلك ، وجب الدم في مال الولي بلا خلاف ، صرح به الدارمي وغيره ; لأن التفريط من الولي بخلاف ما سنذكره إن شاء الله - تعالى - في فدية ما يرتكبه الصبي من المحظورات على أحد القولين .

قال أصحابنا : ( وأما ) الطفل فإن قدر على الرمي أمره به الولي ، وإلا رمى عنه من ليس عليه فرض الرمي ، قال أصحابنا : ويستحب أن يضع الحصاة في يد الطفل ، ثم يأخذ بيده ويرمي بالحصاة ، وإلا فيأخذها من يده ثم يرميها الولي ولو لم يضعها في يده بل رماها الولي ابتداء جاز ( أما ) إذا كان على الولي رمي عن نفسه فإن رمى ونوى به نفسه أو أطلق وقع عن نفسه ، وإن نواه عن الصبي فوجهان حكاهما البغوي : ( أحدهما ) [ ص: 31 ] يقع عن الصبي ; لأنه نواه ( والثاني ) وبه قطع البندنيجي والمتولي : يقع عن الولي لا عن الصبي ; لأن مبنى الحج على أن لا يتبرع به مع قيام الفرض ، ولو تبرع وقع فرضا لا تبرعا ، قال المتولي : والفرق بينه وبين الطواف إذا حمل الولي الصبي وطاف به على أحد القولين أن صورة الطواف ، وهي الدوران وجدت من الصبي بخلاف الرمي ، فنظيره في الطواف أن يطوف الولي غير حامل للصبي ، وينوي عن الصبي ، فإنه لا يقع عن الصبي بلا خلاف وقد قال الروياني وغيره : لو أركبه الولي دابة وهو غير مميز فطافت به لم يصح إلا أن يكون الولي سائقا أو قائدا ، وإنما ضبطوه بغير المميز ; لأن المميز لو ركب دابة وطاف عليها صح بلا خلاف ; لأن الفعل منسوب إليه فأشبه البالغ ، والله أعلم .

( فرع ) قال أصحابنا : نفقة الصبي في سفره في الحج يحسب منها قدر نفقته في الحضر ، من مال الصبي ، وفي الزائد بسبب السفر خلاف ، حكاه المصنف والقاضي أبو الطيب في بعض كتبه ، وصاحبا الشامل والتهذيب والشاشي وآخرون قولين ، وحكاهما الشيخ أبو حامد والمحاملي والبندنيجي والقاضي أبو الطيب في تعليقه والمتولي وآخرون وجهين ، وذكر المصنف دليلهما ، قال أبو حامد والمحاملي والمتولي وغيرهم : المنصوص في الإملاء مخرج ، واتفق الأصحاب على أن الصحيح وجوبه في مال الولي ( والثاني ) يجب في مال الصبي ، فعلى هذا لو أحرم بغير إذنه وصححناه حلله ، فإن لم يفعل أنفق عليه من مال الولي ، هكذا ذكر المسألة جميع الأصحاب ، ولم يذكر المصنف أن القولين مخصوصان بالزائد على نفقة الحضر ، ولا خلاف في ذلك ، وقد نقل الاتفاق عليه الشيخ أبو حامد وغيره ، وكأن المصنف أهمله لظهوره ، والفرق بينه وبين عامل القراض فإنه إذا سافر بإذن المالك وقلنا : تجب نفقته في مال القراض فإنه يجب كل النفقة على قول ; لأن عامل القراض معطل في سفره عن بعض مكاسبه التي كانت في الحضر ، فجرت له بخلاف الصبي فإن مصلحة السفر مختصة به .

( وأما ) قول المصنف في تعليل القول الثاني : إنها تجب في مال الصبي ; لأنها وجبت لمصلحته ، فكانت في ماله كأجرة التعليم فهذا اختيار منه [ ص: 32 ] للأصح أن أجرة التعليم تجب في مال الصبي مطلقا وقد سبق في مقدمة هذا الشرح في أول كتاب الصلاة وجه أن أجرة تعلمه ما ليس متعينا بعد البلوغ فيما زاد على الفاتحة والفرائض وغير ذلك في مال الولي ، فحصل أن الأصح وجوب نفقة الحج في مال الولي ، ووجوب أجرة تعلم ما ليس بواجب في مال الصبي ، والفرق أن مصلحة التعلم كالضرورية وإذا لم يجعلها الولي في صغر الصبي احتاج الصبي إلى استدراكها بعد بلوغه بخلاف الحج . قال الشيخ أبو حامد : ولأن مؤنة التعليم يسيرة غالبا لا تجحف بمال الصبي بخلاف الحج والله أعلم .

( فرع ) قال المتولي : ليس للولي أن يسلم النفقة إلى الصبي ، ولكن إن كان معه أنفق عليه ، وإن لم يكن معه سلم المال إلى أمه لتنفق عليه ، فلو سلمه إلى الصبي - فإن كان المال من مال الولي - فلا شيء على أحد ، وإن كان من مال الصبي ضمنه الولي لتفريطه ، والله أعلم .

( فرع ) قد سبق أنه يجب على الولي منع الصبي من محظورات الإحرام فلو تطيب أو لبس ناسيا فلا فدية قطعا ، وإن تعمد قال أصحابنا : ينبني ذلك على القولين المشهورين في كتاب الجنايات أن عمد الصبي عمد أم خطأ ؟ الأصح أنه عمد ( فإن قلنا ) : خطأ فلا فدية ، وإلا وجبت ، قال إمام الحرمين : وبهذا قطع المحققون ; لأن عمده في العبادات كعمد البالغ ، ولهذا لو تعمد في صلاته كلاما أو في صومه أكلا بطلا ، وحكى الدارمي قولا غريبا أنه إن كان الصبي ممن يلتذ بالطيب واللباس وجبت وإلا فلا ، ولو حلق أو قلم ظفرا أو قتل صيدا عمدا ، وقلنا : عمد هذه الأفعال وسهوها سواء وهو المذهب ، وجبت الفدية ، وإلا فهي كالطيب واللباس . ومتى وجبت الفدية ، فهل هي في مال الصبي ؟ أم في مال الولي ؟ فيه قولان مشهوران حكاهما القاضي أبو الطيب والمحاملي وابن الصباغ والبغوي والمتولي وخلائق قولين ، وحكاهما الشيخ أبو حامد والبندنيجي وآخرون وجهين ، ودليلهما ما سبق في النفقة ، واتفقوا على أن الأصح أنها في مال الولي وهو مذهب مالك قال أبو حامد والقاضي أبو الطيب [ ص: 33 ] والبندنيجي وآخرون : هذا القول هو المنصوص في الإملاء قال أبو الطيب : والقول الثاني أنها في مال الصبي هو نصه في القديم وحكاه أبو حامد وجها مخرجا ، وأما المحاملي في المجموع فقال : نص في الإملاء أنها في مال الصبي وفي الأم أنها في مال الولي والله أعلم .

وهذان القولان إنما هما فيما إذا أحرم بإذن الولي فإن أحرم بغير إذنه وصححناه فالفدية في مال الصبي بلا خلاف كما لو أتلف شيئا لآدمي ، صرح به المتولي وغيره وحكى الدارمي والرافعي وجها في أصل المسألة أنه إن كان الولي أبا أو جدا فالفدية في مال الصبي ، وإن كان غيرهما ففي ماله قالالدارمي : هذا الوجه قاله ابن القطان في كل فدية تجب بفعل الصبي وهذا غريب ضعيف والله أعلم . ومتى قلنا : الفدية على الولي فهي كالفدية الواجبة على البالغ بفعل نفسه ، فإن اقتضت صوما أو غيره فعله وأجزأه ( ولهذا قلنا ) : إنها في مال الصبي ، فإن كانت مرتبة فحكمها حكم كفارة القتل وإن كانت فدية تخيير بين الصوم وغيره واختار أن يفدي الصبي بالصوم فهل يصح منه في حال الصبا ؟ فيه وجهان مشهوران حكاهما القاضي أبو الطيب في تعليقه والمتولي وآخرون بناء على الخلاف الذي سنذكره فيها إن شاء الله تعالى في قضاء الحج الفاسد في حال الصبا ( أصحهما ) يجزئه قال أبو الطيب والدارمي وهو قول القاضي أبي حامد المروروذي ; لأن صوم الصبي صحيح ( والثاني ) لا ; لأنه يقع واجبا ، والصبي ليس ممن يقع عنه واجب ، قال الدارمي : هذا الوجه قول ابن المرزبان ولو أراد الولي في فدية التخيير أن يفدي عنه بالمال لم يجز ; لأنه غير متعين فلا يجوز صرف المال فيه هكذا قطع به جماعة وأشار المتولي إلى خلاف فيه فقال : لا يجوز على المذهب

( فرع ) لو طيب الولي الصبي وألبسه أو حلق رأسه أو قلمه ، فإن لم يكن لحاجة الصبي ، فالفدية في مال الولي بلا خلاف ، وكذا لو طيبه أجنبي فالفدية في مال الأجنبي بلا خلاف .

صرح بها البغوي وآخرون ، [ ص: 34 ] وهل يكون الصبي طريقا في ذلك ؟ فيه وجهان حكاهما البغوي وآخرون ( فإن قلنا ) : لا ، لم يتوجه في مال الصبي مطالبة ، وإلا طولب ورجع على الأجنبي أو الولي عند يساره أو مكان الأخذ منه والأصح أنه لا يكون طريقا . وإن فعل الولي ذلك لحاجة الصبي ومصلحته فطريقان : ( أحدهما ) القطع بأنها في مال الولي ; لأنه الفاعل ( وأصحهما ) وبه قطع البغوي وآخرون أنه كمباشرة الصبي ذلك فيكون فيمن يجب عليه الفدية القولان السابقان ( أصحهما ) الولي ( والثاني ) الصبي والله أعلم . ولو ألجأه الولي إلى التطيب فالفدية في مال الولي بلا خلاف صرح به الدارمي وغيره قال الدارمي وغيره : ولو فوته الولي الحج فالفدية في مال الولي بلا خلاف .

( فرع ) قال المتولي : إذا تمتع الصبي أو قرن فحكم دم التمتع ودم القران حكم الفدية بارتكاب المحظورات ففيها الخلاف السابق لوجود المعنى الموجود هناك .

( فرع ) لو جامع الصبي في إحرامه ناسيا أو عامدا ، وقلنا : عمده خطأ ففي فساد حجه القولان المشهوران في البالغ إذا جامع ناسيا ( أصحهما ) لا يفسد حجه ( والثاني ) يفسد ، وإن جامع عامدا وقلنا : عمده عمد ، فسد بلا خلاف ، وإذا فسد فهل يجب عليه قضاؤه ؟ فيه قولان مشهوران ، وحكاهما القاضي أبو الطيب في تعليقه وجهين ، والمشهور قولان : ( أصحهما ) يجب ، اتفقوا على تصحيحه ، ممن صححه المحاملي والبغوي والمتولي والرافعي وآخرون ; لأنه إحرام صحيح ، فوجب القضاء إذا أفسده ، كحج التطوع في حق البالغ ( والثاني ) لا يجب ; لأنه ليس أهلا لأداء فرض الحج ، فإن قلنا : يجب القضاء ، فهل يصح منه في حال الصبا ؟ فيه خلاف مشهور ، حكاه المصنف في باب محظورات الإحرام ، والبغوي وطائفة قولين ، وحكاه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والبندنيجي والمحاملي والجمهور وجهين ( أصحهما ) باتفاق الأصحاب أنه يجزئه ممن صرح بتصحيحه الشيخ أبو حامد والمحاملي وصاحب الشامل والرافعي وآخرون ، قال [ ص: 35 ] الشيخ أبو حامد والبندنيجي : وهو المنصوص ; لأنه لما صلحت حالة الصبا للوجوب على الصبي في هذا ، صلحت لإجزائه ( والثاني ) لا يجزئه ; لأن الصبا ليس محل أداء الواجبات . فعلى هذا قال أصحابنا : إذا بلغ ينظر في الحجة التي أفسدها ، إن كانت بحيث لو سلمت من الإفساد لأجزأته عن حجة الإسلام بأن بلغ قبل فوات الوقوف وقع القضاء عن حجة الإسلام ، وإن كانت بحيث لا تجزئ لو سلمت من الفساد ، بأن بلغ بعد الوقوف لم يقع القضاء عن حجة الإسلام ، بل عليه أن يبدأ بحجة الإسلام ثم يقضي ، فإن نوى القضاء أولا وقع عن حجة الإسلام بلا خلاف ، كما سيأتي إيضاحه بدليله إن شاء الله - تعالى - .

هكذا ذكر هذا التفصيل الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والمحاملي وسائر الأصحاب ، ولا خلاف فيه قال أبو حامد والمحاملي في المجموع : وهذا أصل لكل حجة فاسدة إذا قضيت هل تقع عن حجة الإسلام ؟ فيها هذا التفصيل . قال أصحابنا : وإذا جوزنا القضاء في مال الصبي فشرع فيه وبلغ قبل الوقوف ، انصرف إلى حجة الإسلام وعليه القضاء . قال أصحابنا : وحيث فسد حج الصبي ، وقلنا : يجب القضاء ، وجبت الكفارة ، وهي بدنة وإن لم نوجب القضاء ففي البدنة وجهان ( أصحهما ) الوجوب ، وبه قطع الشيخ أبو حامد الإسفراييني والقاضي أبو الطيب في تعليقهما والمحاملي وصاحب الشامل وآخرون ونقل المحاملي وصاحب الشامل الاتفاق عليه ، وإذا وجبت البدنة فهل تجب في مال الولي ؟ وإذا أوجبنا القضاء فنفقة القضاء هل تجب في مال الولي ؟ أم الصبي ؟ فيه الخلاف كالبدنة ، صرح به الدارمي وغيره ، وقد ذكر المصنف هذا الفرع في باب محظورات الإحرام ، وذكره الأصحاب هنا ، فرأيت ذكره هنا أولى لوجهين : ( موافقة ) الجمهور ( والمبادرة ) إلى الخيرات ، والله - تعالى - أعلم .

( فرع ) قال المتولي : لو صام الصبي في شهر رمضان وجامع فيه جماعا يفسد صومه ، وقلنا : إن وطأه في الحج عامدا يوجب الفدية ، ففي [ ص: 36 ] وحوب كفارة الوطء في الصوم وجهان ( أحدهما ) تلزمه كما تلزمه البدنة بإفساد الحج ( والثاني ) لا تلزمه . ( فرع ) قال القاضي أبو الطيب في تعليقه والدارمي : إذا نوى الولي أن يعقد الإحرام للصبي ، فمر به على الميقات ولم يعقده ، ثم عقده بعده فوجهان : ( أحدهما ) تجب الفدية في مال الولي خاصة ; لأنه لو مر بالميقات مريدا للنسك ولم يحرم ، لزمته الفدية فكذلك هنا . ولأنه لو عقد الإحرام للصبي ثم فوت الحج وجبت الفدية في مال الولي ( والثاني ) لا تجب الفدية لا على الولي ولا في مال الصبي ( أما ) الولي فلأنه غير محرم ولم يرد الإحرام ( وأما ) الصبي فلأنه لم يقصد الإحرام

( فرع ) قال الرافعي : حكم المجنون حكم الصبي الذي لا يميز في جميع ما سبق ، قال : ولو خرج الولي بالمجنون بعد استقرار فرض الحج عليه ، وأنفق على المجنون من ماله نظر إن لم يفق حتى فات الوقوف غرم الولي زيادة نفقة السفر ، وإن أفاق وأحرم وحج فلا غرم ; لأنه قضى ما عليه ، ويشترط إفاقته عند الإحرام وللوقوف والطواف والسعي ، ولم يتعرض الأصحاب لحالة الحلق ، قال : وقياس كونه نسكا اشتراط الإفاقة فيه كسائر الأركان ، وهذا كلام الرافعي ، وقال : وهو قبل هذا الجنون كصبي لا يميز ، يحرم عنه وليه ، قال : وفيه وجه ضعيف أنه لا يجوز الإحرام عنه ; لأنه ليس من أهل العبادات . وقد سبق بيان هذا الخلاف في صحة إحرام الولي عنه ، وقد ذكر إمام الحرمين والمتولي والبغوي نحو هذا الذي ذكره ، وقولهم : يشترط إفاقته عند الإحرام وسائر الأركان . معناه يشترط ذلك في وقوعه عن حجة الإسلام ( وأما ) وقوعه تطوعا ، فلا يشترط فيه شيء من ذلك ، كما قالوا في صبي لا يميز ; ولهذا قالوا : هو كصبي لا يميز ، وسيأتي إيضاحه مبسوطا في فصل الوقوف بعرفات إن شاء الله - تعالى .

( فرع ) اتفق أصحابنا العراقيون الخراسانيون وغيرهم ، أن المغمى عليه ومن غشي لا يصح إحرام وليه ولا رفيقه عنه ; لأنه غير زائل [ ص: 37 ] العقل ويرجى برؤه عن قرب ، فهو كالمريض . قال أصحابنا : لو خرج في طريق الحج فأغمي عليه عند الميقات قبل أن يحرم ، لم يصح إحرام وليه ولا رفيقه عنه ، سواء كان أذن فيه قبل الإغماء أم لا ، وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد وأحمد وداود وقال أبو حنيفة : يصح إحرام رفيقه عنه استحسانا ، ويصير المغمى عليه محرما ; لأنه علم من قصده ذلك ولأنه يشق عليه تفويت الإحرام . قال القاضي أبو الطيب : واحتج لأبي حنيفة أيضا بأن الإحرام أحد أركان الحج فدخلته النيابة للعجز كالطواف ، قالوا : وقياسا على الطفل ، قال القاضي : ودليلنا أنه بلغ فلم يصح عقد الإحرام له من غيره كالنائم ( فإن قيل ) : المغمى عليه إذا نبه لا ينتبه بخلاف النائم ( قلنا ) : هذا الفرق يبطل بإحرام غير رفيقه قال القاضي : وقياسهم على الطواف لا نسلمه ; لأن الطواف لا تدخله النيابة ، حتى ولو كان مريضا لم يجز لغيره الطواف عنه ، بل يطاف به محمولا ( وأما ) قياسهم على الطفل فالفرق أن الإغماء يرجى زواله عن قرب بخلاف الصبا ; ولهذا يصح أن يعقد الولي النكاح للصبي دون المغمى عليه ، والله أعلم .

( فرع ) اتفق أصحابنا على أن المريض لا يجوز لغيره أن يحرم له فيصير محرما ، سواء كان مريضا مأيوسا منه أو غيره ، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه والفرق بينه وبين الطفل أن نائب المريض يحتاج أن يفعل عنه كل الأفعال ، فإنها متعذرة منه بخلاف الطفل ، فإنه يتأتى منه معظم الأفعال .

( فرع ) في مذاهب العلماء في حج الصبي قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يصح حجه ، ولا يجب عليه ( فأما ) عدم وجوبه على الصبي فمجمع عليه ، قال ابن المنذر في الإشراف : أجمع أهل العلم على سقوط فرض الحج عن الصبي وعن المجنون والمعتوه ، قال : وأجمعوا على أن المجنون إذا حج ثم أفاق أو الصبي إذا حج ثم بلغ أنه يجزئهما عن حجة الإسلام ، قال : وأجمعوا على أن جنايات الصبيان لازمة لهم ( وأما ) صحة حج الصبي [ ص: 38 ] فهو مذهبنا ومذهب مالك وأحمد وداود ، وجماهير العلماء من السلف والخلف وأشار ابن المنذر إلى الإجماع فيه ، وقال أبو حنيفة في المشهور عنه : لا يصح حجه ، وصححه بعض أصحابه واحتج له بحديث { رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ } إلى آخره ، وهو صحيح سبق بيانه قريبا وقياسا على النذر ، فإنه لا يصح منه ، ولأنه لا يجب عليه ، ولا يصح منه ، ولأنه لو صح منه لوجب عليه قضاؤه إذا أفسده ، ولأنه عبادة بدنية فلا يصح عقدها من الولي للصبي كالصلاة . واحتج أصحابنا بحديث ابن عباس { أن امرأة رفعت صبيا في حجة الوداع فقالت : يا رسول الله ألهذا حج ؟ قال : نعم ولك أجر } ، رواه مسلم .

وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال { : حج بي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين } رواه البخاري .

وبحديث جابر : { حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم } رواه ابن ماجه ، وسبق بيانه في أول الفصل ، وقياسا على الطهارة والصلاة ، فإن أبا حنيفة صححهما منه ، وكذا صحح حجه عنده بلا خلاف ، ونقله خطأ منه وصحح إمامة الصبي في النافلة .

( وأما ) الجواب عن حديث : " رفع القلم " فمن وجهين : ( أحدهما ) المراد رفع الإثم لا إبطال أفعاله : ( الثاني ) أن معناه لا يكتب عليه شيء ، وليس فيه منع الكتابة له وحصول ثوابه ( والجواب ) عن قياسهم على النذر من وجهين ذكرهما القاضي أبو الطيب والأصحاب : ( أحدهما ) أنه ينكسر بالوضوء والصلاة ، فإنه لا يصح منه نذرهما ويصحان منه ، وقد سبق أن الكسر هو أن توجد معنى العلة ولا حكم ، والنقض أن توجد العلة ولا حكم ، وقد أوضحت هذا في باب صدقة المواشي حيث ذكره المصنف ( والثاني ) أن النذر التزام بالقول ، وقول الصبي ساقط بخلاف الحج فإنه فعل ونية فهو كالوضوء ( وأما ) قولهم : لا يجب عليه ولا يصح منه فجوابه من وجهين ( أحدهما ) أنه منتقض بالوضوء ( والثاني ) أن عدم الوجوب للتخفيف ، وليس في صحته تغليظ ( وأما ) قولهم : لوجب قضاؤه [ ص: 39 ] إذا أفسده فنحن نقول به وهو الصحيح عندنا كما سبق بيانه ( والجواب ) عن قولهم : عبادة بدنية إلى آخره أن الفرق ظاهر ، فإن الحج تدخله النيابة بخلاف الصلاة والله أعلم . قال إمام الحرمين في كتابه الأساليب : المعول عليه عندنا في مسألة الأخبار الصحيحة التي لا تقبل التأويل ، وذكر بعض ما سبق من الأحاديث ، ثم ذكر دلائل من حيث القياس والمعنى ، ثم قال : وهذا تكلف بعد الأخبار الصحيحة قال : ولا يستقيم لهم فرق أصلا بين الصلاة والحج ( فإن قالوا ) : في الحج مؤنة ( قلنا ) : تلك المؤن في مال الولي على الصحيح ، فلا ضرر على الصبي ( فإن قالوا ) : فيه مشقة ( قلنا ) : مشقة المواظب على الصلاة والطهارة وشروطهما أكثر ، والله أعلم .

وقال ابن عبد البر في التمهيد : صحح حج الصبي مالك والشافعي وسائر فقهاء الحجاز والثوري وسائر فقهاء الكوفة ، والأوزاعي والليث وسائر من سلك سبيلهما من أهل الشام ومصر قال : وكل من ذكرناه يستحب الحج بالصبيان ويأمر به قال : وعلى هذا جمهور العلماء من كل قرن ، قال : وقالت طائفة : لا يحج بالصبي ، وهذا قول لا يعرج عليه ، { ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج بأغيلمة بني عبد المطلب } وحج السلف بصبيانهم قال : وحديث المرأة التي رفعت الصبي وقالت : " ألهذا حج ؟ قال نعم ولك أجر " قال : فسقط كل ما خالف هذا والله أعلم . وقال القاضي عياض : أجمعوا على أن الصبي إذا حج ثم بلغ لا يجزئه عن حجة الإسلام ، إلا فرقة شذت لا يلتفت إليها ، قال : وأجمعوا على أنه يحج به إلا طائفة من أهل البدع منعوا ذلك ، وهو مخالف لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإجماع الأمة ، والله أعلم .

( فرع ) قال أصحابنا وغيرهم : يكتب للصبي ثواب ما يعمله من الطاعات كالطهارة والصلاة والصوم والزكاة والاعتكاف والحج والقراءة ، والوصية والتدبير إذا صححناهما ، وغير ذلك من الطاعات ، ولا يكتب عليه معصية بالإجماع ، ودليل هذه القاعدة الأحاديث الصحيحة المشهورة [ ص: 40 ] كحديث { ألهذا حج ؟ قال : نعم ولك أجر } وحديث السائب بن يزيد وحديث جابر وغيرهما مما سبق هنا ، وحديث صلاة ابن عباس مع النبي صلى الله عليه وسلم وحديث تصويم الصبيان يوم عاشوراء ، وهو في الصحيحين ، وحديث { مروا أولادكم بالصلاة لسبع } وهو صحيح وسبق بيانه ، وحديث إمامة عمرو بن سلمة وهو ابن سبع سنين ، وهو في البخاري ، وأشباه ذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية