صفحة جزء
قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( ثم ينظر فإن لم يقم من النوم فهو بالخيار إن شاء غمس يده ثم غسل وإن شاء أفرغ الماء على يده ثم غسل ، فإن قام من النوم فالمستحب أن لا يغمس يده حتى يغسلها لقوله صلى الله عليه وسلم " { إذا استيقظ [ ص: 389 ] أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده } " فإن خالف وغمس لم يفسد الماء لأن الأصل الطهارة فلا يزال اليقين بالشك ) .


( الشرح ) الحديث المذكور صحيح رواه البخاري ومسلم بلفظه إلا قوله : " ثلاثا " فإنه في مسلم دون البخاري وقوله صلى الله عليه وسلم : { فإنه لا يدري أين باتت يده } سببه ما قاله الشافعي رحمه الله وغيره أن أهل الحجاز كانوا يقتصرون على الاستنجاء بالأحجار ، وبلادهم حارة ، فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن تطوف يده على المحل النجس أو على بثرة أو قملة ونحو ذلك فتتنجس .

( أما حكم المسألة ) : فقال أصحابنا إذا كان يتوضأ من قدح وشبهه مما يغمس اليد فيه وليس فيه قلتان نظر فإن شك في نجاسة يده كره أن يغمسها فيه حتى يغسلها ثلاثا للحديث ، وسواء كان الشك في نجاستها للقيام من النوم أو لغيره ، هكذا عبارة أصحابنا ، وصرحوا بأن الحكم متعلق بالشك . قالوا : وإنما ذكر النوم في الحديث مثالا ونبه صلى الله عليه وسلم على المقصود بذكر العلة في قوله صلى الله عليه وسلم {فإنه لا يدري أين باتت يده } ، وأما تقييد المصنف المسألة بما إذا قام من النوم فخلاف ما قاله الأصحاب . وإن تيقن طهارة يده فوجهان الصحيح منهما أنه بالخيار إن شاء غسل ثم غمس وإن شاء غمس ثم غسل ; لأن كراهة الغمس عند الشك إنما كانت للخوف من النجاسة ، وقد تحققنا عدم النجاسة ، وبهذا الوجه قطع المصنف والشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والبندنيجي والمحاملي في كتبه الثلاثة وابن الصباغ والمتولي والبغوي والجرجاني وصاحبا العدة والبيان وغيرهم .

( والثاني ) استحباب تقديم الغسل ; لأن أسباب النجاسة قد تخفى في حق معظم الناس فيتوهم الطهارة في موضع النجاسة وربما نسي النجاسة ، فضبط الباب لئلا يتساهل الشاك ، وهذا الوجه هو المختار عند الماوردي وإمام الحرمين وغلطا من قال خلافه والله أعلم .

[ ص: 390 ] فرع ) أنكر على المصنف في هذا الفصل شيئان : ( أحدهما ) تخصيص استحباب الغسل قبل الغمس بما إذا قام من نوم والصواب ضبطه بالشك في نجاسة اليد كما أوضحناه .

( والثاني ) قوله : استحب أن لا يغمس حتى يغسل . لا يلزم منه كراهة الغمس أولا ، والصواب أنه يكره الغمس قبل الغسل للنهي الصريح في هذا الحديث الصحيح ، وكذا صرح بالكراهة المصنف في التنبيه وآخرون ، ونص عليه الشافعي رحمه الله في البويطي فقال : ( فإن غمس يده قبل الغسل أو بعد الغسل مرة أو مرتين فقد أساء ) هذا نصه وهذه أول مسألة في البويطي ، وفي هذا النص تصريح بالكراهة حتى يغسل ثلاثا وإن الغسلتين لا تنفي الكراهة لكن تخففها ، والحديث دليل لهذا والله أعلم .

( فرع ) قد ذكرنا كراهة غمس اليد قبل الغسل متى شك في نجاسة اليد سواء قام من نوم الليل أو النهار أو شك في نجاستها بسبب آخر ، وهي كراهة تنزيه ، هذا مذهبنا وبه قال جمهور العلماء ، وعن أحمد روايتان : ( إحداهما ) لا فرق بين نوم الليل ونوم النهار .

( والثانية ) إن قام من نوم الليل كره كراهة تحريم ، وإن قام من نوم النهار فكراهة تنزيه ، وبهذا قال داود ، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم : " فإنه لا يدري أين باتت يده " والمبيت يكون في الليل ، والنهي للتحريم ، وأجاب أصحابنا بأن الليل ، ذكر لأنه الغالب ، ونبه صلى الله عليه وسلم على العلة بقوله : { لا يدري أين باتت يده } وأمر بذلك احتياطا فلا يكون واجبا ولا تركه محرما كغيره مما في معناه . والله أعلم .

( فرع ) إذا غمس يده وهو شاك في نجاستها قبل غسلها كان مرتكبا كراهة التنزيه ولا ينجس الماء بل هو باق على طهارته ، ويجوز أن يتطهر به هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا ما حكاه أصحابنا عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال : ينجس إن كان قام من نوم الليل ، وحكى هذا عن إسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير وداود ، وهو ضعيف جدا ، لأن الأصل طهارة الماء واليد فلا ينجس بالشك ، وقواعد الشرع متظاهرة على [ ص: 391 ] هذا ولا يمكن أن يقال الظاهر من اليد النجاسة . وأما الحديث فمحمول على الاستحباب والله أعلم

( فرع ) إذا شك في نجاسة اليد كره غمسها في المائعات كلها حتى يغسلها ، فإن غمس قبل الغسل لم تنجس ولم يحرم أكله .

( فرع ) قال أصحابنا : إذا كان الماء في إناء كبير أو صخرة بحيث لا يمكن صبه على اليد وليس معه إناء صغير يغترف به فطريقه أن يأخذ الماء بفمه ثم يغسل به كفيه أو يأخذه بطرف ثوبه النظيف أو يستعين بغيره .

( فرع ) اعلم أن كل ما ذكرناه إنما هو في كراهة تقديم الغمس على الغسل ، وأما أصل غسل الكفين فسنة بلا خلاف ، اتفق أصحابنا على التصريح بذلك وتظاهرت عليه نصوص الشافعي ودلائله من الأحاديث الصحيحة المشهورة ، وممن نقل اتفاق طرق الأصحاب عليه إمام الحرمين في النهاية ثم في مختصره للنهاية ، وإنما ذكرت هذا الكلام لأن عبارة الغزالي في الوسيط توهم إثبات خلاف فيه وذلك غير مراد ، فيتأول كلامه . والله أعلم .

( فرع ) في فوائد الحديث المذكور في الكتاب : ( إحداها ) أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة نجسته وإن لم تغيره .

( الثانية ) الفرق بين كون الماء واردا أو مورودا وقد سبق بيان هذا في المياه .

( الثالثة ) أن الغسل سبعا مختص بنجاسة الكلب والخنزير وفرعهما ذكره الخطابي ، وفي الاستدلال بهذا نظر .

( الرابعة ) استحباب غسل النجاسة ثلاثا سواء كانت متحققة أو متوهمة .

( الخامسة ) أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل ولا يكفي الرش وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور ، وقال بعض أصحاب مالك : ويكفي الرش وسنوضح المسألة بدليلها في باب إزالة النجاسة إن شاء الله تعالى .

( السادسة ) استحباب الاحتياط في العبادات وغيرها بحيث لا ينتهي إلى الوسوسة وقد أوضحنا الفرق بينهما في آخر باب الشك في نجاسة الماء .

( السابعة ) استحباب استعمال لفظ الكنايات فيما يتحاشى من التصريح به لقوله صلى الله عليه وسلم " لا يدري أين باتت يده " ولم يقل فلعل يده وقعت على دبره أو [ ص: 392 ] ذكره ، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والسنة كقوله تعالى : ( { الرفث إلى نسائكم } ) وقوله تعالى ( { وقد أفضى بعضكم إلى بعض } ) وقوله ( { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } ) وهذا كله إذا علم أن السامع يفهم المقصود فهما جليا ، وإلا فلا بد من التصريح نفيا للبس والوقوع في خلاف المطلوب ، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحا به . والله أعلم

التالي السابق


الخدمات العلمية