صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولا يجوز الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج ، والدليل عليه قوله عز وجل : { الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } والمراد به وقت إحرام الحج ; لأن الحج لا يحتاج إلى أشهر ، فدل على أنه أراد به وقت الإحرام ; ولأن الإحرام نسك من مناسك الحج ، فكان مؤقتا ، كالوقوف والطواف وأشهر الحج : شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة ، وهو إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر ، لما روي عن ابن مسعود وجابر وابن الزبير رضي الله عنهم أنهم قالوا : " أشهر الحج معلومات ، شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة " فإن أحرم بالحج في غير أشهره انعقد إحرامه بالعمرة ; لأنها عبادة غير مؤقتة ، فإذا عقدها في غير وقتها انعقد غيرها من جنسها ، كصلاة الظهر إذا أحرم بها قبل الزوال ، فإنه ينعقد إحرامه بالنفل ولا يصح في سنة واحدة أكثر من حجة ; لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة ، فلا يمكن أداء الحجة الأخرى ) .


[ ص: 129 ] ( الشرح ) : ( قوله : ) ; لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة ، الأجود أن يقال ; لأن الحجة تستغرق الوقت . ثم في الفصل مسائل ( إحداها ) : فيما يتعلق بألفاظه فقوله تعالى { فمن فرض فيهن الحج } قال المفسرون وغيرهم من العلماء : معناه من أوجب على نفسه وألزمها الحج ، ومعنى الفرض في اللغة الإلزام والإيجاب ( وأما ) الرفث ، فقال ابن عباس والجمهور : المراد به الجماع ، وقال كثيرون : المراد به هنا التعرض للنساء بالجماع ، وذكره بحضرتهن ، فأما ذكره من غير حضور النساء ، فلا بأس به وهذا مروي عن ابن عباس وآخرين ( وأما ) الفسوق فقال ابن عباس وابن عمر والجمهور : هو المعاصي كلها .

( وأما ) الجدال ، فقال المفسرون وغيرهم : المراد النهي عن جدال صاحبه ومماراته حتى يغضبه وسميت المخاصمة مجادلة ; لأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه ويصرفه عنه وقال مجاهد وأبو عبيدة وغيرهما معناه هنا ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة ، والمراد إبطال ما كانت الجاهلية عليه من تأخيره ، وفعلهم النساء وهو النسيء والتأخير ، والأول هو قول الجمهور ، وقد ذكر المصنف تفسير ابن عباس الآية في آخر باب الإحرام . قال المفسرون وأهل المعاني وغيرهم : ظاهر الآية نفي ومعناها نهي ، أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا . واختلف القراء السبعة في قراءة هذه الآية فقرأ ابن كثير وأبو عمرو { فلا رفث ولا فسوق } بالرفع والتنوين ، وقرأ باقي السبعة بالنصب بلا تنوين ، واتفقوا على نصب اللام من جدال .

( وأما ) قوله تعالى : { الحج أشهر } والمراد شهران وبعض الثالث ، فجاز على المعروف في لغة العرب في إطلاقهم لفظ الجمع على اثنين وبعض الثالث ، ومنه قوله تعالى : { يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } ويكفيها طهران وبعض الطهر الأول ( وأما ) قول المصنف : وقت إحرام الحج ، فهكذا قاله أصحابنا في كتب الفقه ، واتفقوا عليه ووافقهم بعض العلماء ( وأما ) النحويون وأصحاب المعاني ومحققو المفسرين فذكروا في الآية قولين ( أحدهما ) : تقديرها : أشهر الحج أشهر معلومات فحذف المضاف وأقيم [ ص: 130 ] المضاف إليه مقامه ( والثاني ) : تقديرها : الحج حج أشهر معلومات ، أي لا حج إلا في هذه الأشهر ، فلا يجوز في غيرها ، خلاف ما كانت الجاهلية تفعله من حجهم في غيرها ، فعلى هذا يكون حذف المصدر المضاف للأشهر ، قال الواحدي : ويمكن حمل الآية على غير إضمار وهو أن الأشهر جعلت نفس الحج ليكون الحج فيها ، كقولهم : ليل نائم لما كان النوم فيه جعل نائما ( وأما ) قول المصنف : ولأن الإحرام نسك من مناسك الحج وكان مؤقتا كالوقوف والطواف فمقصوده به إلزام تعبير الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم ممن يقول : إنه يجوز الإحرام بالحج في جميع السنة ولا يأتي بشيء من أفعاله قبل أشهره ، ووافقونا على أن الوقوف والطواف لا يكونان في كل السنة ، بل هما مؤقتان ، فقاس المصنف الإحرام عليهما ( وأما ) قوله : أشهره شوال وذو القعدة أو القعدة - بفتح القاف - على المشهور ، وحكي كسرها ، وذو الحجة - بكسر الحاء - على المشهور ، وحكي فتحها ( وأما ) الآثار المذكورة عن ابن مسعود وغيره فسنذكرها في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى .

( وأما ) قول المصنف : لأنها عبادة مؤقتة ، فقال القلعي : احترز بمؤقتة عن الوضوء والغسل ، وهو ما إذا توضأ للظهر مثلا قبل الزوال ، فإنه يصح وضوءه للظهر وغيره ، وتنعقد طهارته التي عينها بعينها ، قال : ويحتمل أنه أراد إذا كان متطهرا ، فتوضأ أو اغتسل بنية الحدث أو الجنابة اللذين يوجدان في المستقبل ، فإنه لا يصح له ما نواه ، ولا ينعقد وضوءه تجديدا ، ولا غسله مسنونا ، قال : ويحتمل أن يحترز من التيمم ، وهو إذا تيمم للظهر قبل الزوال ، فإنه لا يصح تيممه ولا يجوز أن يصلي به فريضة ولا نافلة .

( فأما ) الفريضة ; فلأنه تيمم لها قبل وقتها ( وأما ) النافلة ; فلأنه إنما يستبيحها بالتيمم تبعا للفريضة ، فإذا لم يستبح المتبوع لم يستبح التابع .

( وأما ) قوله : كصلاة الظهر إذا أحرم بها قبل الزوال ، فإنه ينعقد [ ص: 131 ] إحرامه بالنفل ، فهكذا قاس الشافعي والأصحاب ، وكذا نقله المزني في المختصر وهذا الذي قال من انعقاد الظهر نفلا إذا أحرم بها قبل الزوال هو المذهب ، وبه قطع المصنف وجمهور العراقيين ، وفيه قول آخر : إنها لا تنعقد ، وسبق بيان المسألة في أول صفة الصلاة ، وصورة المسألة : إذا ظن دخول الوقت فبان خلافه ( فأما ) إذا أحرم بها قبل الزوال عالما بأن الوقت لم يدخل ، فلا تنعقد صلاته على المذهب ، وفيه خلاف ضعيف جدا سبق هناك .

( واعلم ) أن قياس المصنف والشافعي والأصحاب على من صلى الظهر قبل الزوال أرادوا به ما إذا كان جاهلا عدم دخول الوقت ، وحينئذ يقال : ليست صورة الحج مثلها إلا أن يفرض فيمن أحرم بالحج في غير أشهره ظانا جواز ذلك ، عالما بأنه لا ينعقد الحج في غير أشهره . وظاهر كلامهم أنه لا فرق بين العالم والجاهل ، فينبني الإشكال ، والله أعلم .

( المسألة الثانية ) : لا ينعقد الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج بلا خلاف عندنا ، وأشهره شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة آخرها طلوع الفجر ليلة النحر ( فأما ) كون أولها أول شوال فمجمع عليه ( وأما ) امتدادها إلى طلوع الفجر ، فهو الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي في المختصر ، وقطع به جمهور الأصحاب في الطريقين ، وحكى الخراسانيين وجها أنه لا يصح الإحرام ليلة العشر ، بل آخر الشهر آخر يوم عرفة ، وحكى القاضي أبو الطيب في تعليقه والمحاملي والسرخسي وصاحب البيان وآخرون قول الشافعي أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله ، حكاه المحاملي وأبو الطيب وصاحب البيان عن نصه في الإملاء ، ونقله السرخسي عن نصه في القديم ، ودليل الجميع في الكتاب مع ما سنذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم .

( الثالثة ) : إذا أحرم بالحج في غير أشهر الحج لم ينعقد حجا بلا خلاف ، وفي انعقاده عمرة ثلاث طرق : ( الصحيح ) : أنه ينعقد عمرة مجزئة عن عمرة الإسلام وهو نص الشافعي في القديم ( والثاني ) : أنه يتحلل بأفعال [ ص: 132 ] عمرة ولا يحسب عمرة ، كمن فاته الحج ، قال المتولي وأخرجه من الستة : إنه تعذر عليه الحج لعدم الوقت في المسألتين ( والثالث ) : أنه ينعقد إحرامه بهما ، فإن صرفه إلى عمرة كان عمرة صحيحة ، وإلا تحلل بعمل عمرة ولا يحسب عمرة ، قال أصحابنا : ولا خلاف في انعقاد إحرامه وأنه يتحلل بأعمال عمرة ، وإنما الخلاف في أنها عمرة مجزئة عن عمرة الإسلام ( أما ) إذا أحرم بنسك مطلقا قبل أشهر الحج ، فينعقد إحرامه عمرة على المذهب ، وبه قطع أصحابنا في كل الطرق إلا الرافعي ، فحكى فيه طريقا آخر أنه على وجهين ( أصحهما ) : هذا ( والثاني ) : هو محكي عن أبي عبد الله الخضري ينعقد بهما ، فإذا دخلت أشهر الحج صرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة أو قران ، والصواب الأول ; لأن الوقت لا يقبل إلا العمرة فتعين إحرامه لها والله أعلم .

( الرابعة ) : قال المصنف والأصحاب : لا يصح في سنة واحدة أكثر من حجة ; لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة ; لأنه ما دام في أفعال الحجة لا يصلح إحرامه لحجة أخرى ، ولا يفرغ من أفعال الحج إلا في أيام التشريق ، ولا يصح الإحرام بالحج فيها ، ولو صح الإحرام فيها على القول السابق عن الإملاء والقديم لم يمكن حجة أخرى لتعذر الوقوف . قال أصحابنا : ولو أحرم بحجتين أو عمرتين انعقدت إحداهما ولا تنعقد الأخرى ولا تثبت في ذمته عندنا ; لأنه لا يمكنه المضي فيهما ، فلم يصح الدخول فيهما قياسا على صوم النذر وصوم رمضان ، وقد ذكر المصنف هذه المسألة في أوائل باب الإحرام ، قال أصحابنا : ولو أحرم بحجة ، ثم أدخل عليها حجة أخرى أو بعمرة ، ثم أدخل عليها عمرة أخرى فالثانية لغو والله أعلم ( وإن قيل : ) قلتم : لو أحرم بحجتين انعقدت إحداهما ، ولو أحرم بصلاتين لم تنعقد واحدة منهما ، فما الفرق ؟ ( فالجواب ) أن تعيين النية شرط في الصلاة بخلاف الحج ; ولأن الإحرام يحافظ عليه ما أمكن ولا يلغى ، ولهذا لو أحرم بالحج في غير أشهره انعقد عمرة والله أعلم .

( فرع ) : قال صاحب البيان : لو أحرم قبل أشهر الحج ، ثم شك [ ص: 133 ] هل أحرم بحج ؟ أم بعمرة ؟ فهي عمرة قطعا ، وإن أحرم بالحج ، ثم شك ، هل كان إحرامه في أشهر الحج ؟ أم قبلها ؟ قال الصيمري : كان حجا ; لأنه على يقين من هذا الزمان ، وعلى شك من تقدمه .

( فرع ) قال الشافعي في مختصر المزني أشهر الحج شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة فمن لم يدرك إلى الفجر من يوم النحر ، فقد فاته الحج ، هذا نصه بحرفه واعترض عليه أبو بكر الطاهري فقال : قوله : إن أراد به الليالي ، فهو خطأ ; لأن الليالي عشر وإن أراد الأيام ، فهو خطأ في اللغة ، فإن الأيام مذكرة ، فالصواب تسعة وأجاب الأصحاب عن هذا ، بأن المراد الأيام والليالي وغلب لفظ التأنيث على عادة العرب فإن العرب تغلب لفظ التأنيث في اسم العدد يقولون : صمنا عشرا ويريدون الليالي والأيام ويقولون صمنا خمسا ويريدون الأيام ، ومن هذا قول الله تعالى { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } والمراد بالليالي والأيام ومنه قوله تعالى { يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا } ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم { من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال } وقد سبق بيان هذا كله واضحا في باب صوم التطوع في هذا الحديث ، قال الزمخشري : يقولون : صمنا عشرا ولو قلت : صمت عشرة لم تكن متكلما بكلام العرب ، قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والأصحاب : إنما أفرد الشافعي ليلة النحر بالذكر وذكرها بعد التسع ; لأن الإحرام يستحب تقديمه عليها قالوا : ويحتمل أنه أفردها ; لأنها تنفرد عن اليوم الذي بعدها ، ويحتمل أنه أفردها لتعلق الفوات بها .

( فرع ) : في مذاهب العلماء في وقت الإحرام بالحج ، لا ينعقد الإحرام بالحج إلا في أشهره عندنا ، فإن أحرم في غيرها انعقد عمرة ، وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد وأبو ثور ، ونقله الماوردي عن عمر وابن مسعود وجابر وابن عباس وأحمد . وقال الأوزاعي : يتحلل بعمرة . وقال ابن عباس : لا يحرم بالحج إلا في أشهره . وقال داود : لا ينعقد وقال النخعي والثوري ومالك وأبو حنيفة وأحمد : يجوز قبل أشهر الحج لكن يكره ، قالوا : فأما الأعمال ، فلا تجوز قبل أشهر الحج بلا خلاف ، واحتج [ ص: 134 ] لها بقوله تعالى : { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } فأخبر سبحانه وتعالى أن الأهلة كلها مواقيت للناس والحج ; ولأنها عبادة تدخلها النيابة ، وتجب الكفارة في إفسادها ، فلم تخص بوقت كالعمرة ; ولأن الإحرام بالحج يصح في زمان لا يمكن إيقاع الأفعال فيه ، وهو شوال ، فعلم أنه لا يختص بزمان . قالوا : ولأن التوقيت ضربان توقيت مكان وزمان ، وقد ثبت أنه لو تقدم إحرامه على ميقات المكان صح ، فكذا الزمان ، قالوا : وأجمعنا على أنه لو أحرم بالحج قبل أشهره انعقد ، لكن اختلفنا هل ينعقد حجا أم عمرة ؟ فلو لم ينعقد حجا لما انعقد .

واحتج أصحابنا بقوله تعالى { الحج أشهر معلومات } قالوا : وتقديره : وقت الإحرام بالحج أشهر معلومات ; لأنه لا يجوز حمل الآية على أن المراد أفعال الحج ; لأن الأفعال لا تكون في أشهر وإنما تكون في أيام معدودة ( فإن ) قالوا : قد قال الزجاج : قال جمهور أهل المعاني والنحويين : معنى الآية أشهر الحج أشهر معلومات ( قلنا ) قال القاضي أبو الطيب وغيره : لو كان المراد هذا لم يكن فيه فائدة ، وفي التقدير الذي ذكرناه فائدة ، فالحمل عليه أولى ( فإن قيل : ) تقدير وقت الإحرام لا يدل على أن تقديمه لا يصح كالسعي ، فإنه مؤقت ، ويجوز تقديمه على وقته ، قال أصحابنا : لا نسلم جواز تقديم السعي ; لأنه يشترط تأخير السعي على الإحرام بالحج في أشهر الحج ويكره عندهم في غيرها ( قلنا : ) هذا خلاف الظاهر ، وهو منتقض بيوم العيد ، فإنه عند الحنفية من أشهر الحج ، ولا يستحب الإحرام فيه .

( فإن ) قالوا : نحن لا نجيز الحج في غير أشهره وإنما نجيز الإحرام به ، وذلك ليس عندنا من الحج ، قال أصحابنا : ( فالجواب ) أن الإحرام - وإن لم يكن عندهم من الحج - إلا أن المحرم يدخل به في الحج ، فإذا أحرم به قبل أشهره دخل في الحج قبل أشهره واحتج أصحابنا أيضا برواية أبي الزبير قال : " سئل جابر : أهل بالحج في غير أشهر الحج ؟ قال : لا " [ ص: 135 ] رواه البيهقي بإسناد صحيح ، وعن ابن عباس قال : " لا يحرم بالحج إلا في أشهره ، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج " رواه البيهقي بإسناد صحيح ; ولأنها عبادة مؤقتة ، فكان الإحرام بها مؤقتا كالصلاة ; ولأنه آخر أركان الحج ، فلا يصح تقديمه على أشهر الحج كالوقوف بعرفة .

( وأما ) الجواب عما احتجوا به من قوله تعالى : { يسألونك عن الأهلة } فهو أن الأشهر هنا مجملة ، فوجب حملها على المبين ، وهو قوله تعالى : { الحج أشهر معلومات } والجواب عن قوله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } مع قول عمر وعلي من وجهين ( أحدهما ) : أنه مجهول على دويرة أهله ، بحيث يمكنه الإحرام منها في أشهر الحج ( والثاني ) : إن سلمنا أنه مخالف لما ذكرنا ، فهو مخالف لما صح عن ابن عباس وجابر ، وإذا أختلفت الصحابة لم يعمل بقول بعضهم ( وأما ) القياس على العمرة ( فجوابه ) أن أفعالها غير مؤقتة ، فكذا إحرامها بخلاف الحج .

( وأما ) قولهم : إن الإحرام بالحج يصح في زمان لا يمكن إيقاع الأفعال فيه وهو شوال ، فعلم أنه لا يختص بزمان ( فجوابه ) من وجهين ( أحدهما ) : أن ما ذكروه ليس بلازم ( والثاني ) : ينتقض بصلاة الظهر ، فإن الإحرام بها يجوز عقيب الزوال ، ولا يجوز حينئذ الركوع والسجود وهي مؤقتة ( وأما ) قولهم : التوقيت ضربان إلى آخره ، فهو أن مقتضى التوقيت أن يتقدم عليه خالفنا ذلك في المكان ، وليس كذلك الزمان ( وأما ) قولهم : ولأنا أجمعنا على صحة إحرامه ( فجوابه ) : إنما صح إحرامه عندنا بالعمرة ، ولا يلزم من ذلك صحة إحرامه بالحج ، ونظيره إذا أحرم بالظهر قبل الزوال غلطا يصح نفلا لا ظهرا .

( فرع ) في مذاهب العلماء في أشهر الحج ، قد ذكرنا أن مذهبنا أنها شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة ، وحكاه ابن المنذر عن [ ص: 136 ] ابن مسعود وابن الزبير والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة والنخعي والثوري وأبي ثور وبه قال أبو يوسف وداود ، وقال مالك : هي شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله ، قال ابن المنذر : وروى ابن عمر وابن عباس روايتان كالمذهبين ، وقال أبو حنيفة وأحمد وأصحاب داود : شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة ، وخالف أصحاب داود في هذا . والخلاف بيننا وبين أبي حنيفة وموافقيه في يوم النحر ، هو عنده من أشهر الحج ، وليس هو عندنا منها ، وقد نقل المحاملي في المجموع إجماع العلماء على أن أول وقت أشهر الحج شوال وإنما اختلفوا في آخرها .

قال صاحب الشامل وآخرون من أصحابنا : وهذا الخلاف الذي بيننا وبين أبي حنيفة وأحمد يجوز الإحرام بالحج في جميع السنة كما حكيناه عنهما في الفرع السابق ولا يجوز عندهما إيقاع الفعل إلا في أوقاتها من أشهر الحج ، فلا فرق بين أن يوافقونا في أشهر الحج أو يخالفونا . وقال المتولي : لا فائدة في هذا الخلاف إلا في شيء واحد ، وهو أن عند مالك يكره الاعتمار في أشهر الحج ، فالعمرة عنده مكروهة في جميع ذي الحجة ، وهذا الذي استثناه المتولي لا حاجة إليه ; لأن العمرة لا تكره عندنا في شيء من السنة ، فلا فرق بين أن يوافقنا مالك في أشهر الحج أو يخالفنا ، وهكذا قال العبدري : إن فائدة الخلاف عند مالك إذا أخر طواف الإفاضة عن ذي الحجة لزم دم ، وهذا أيضا لا حاجة إليه ; لأن الدم لا يجب عندنا بتأخير الطواف ، ولو أخره سنين .

واحتج لأبي حنيفة وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم قالوا : أشهر الحج شهران وعشر ليال ، قالوا : وإذا أطلقت الليالي تبعتها الأيام ، فيكون يوم النحر منها ; ولأن يوم النحر يفعل فيه معظم المناسك ، فكان من أشهر الحج كيوم عرفة ، واحتج مالك بأن الأشهر جمع وأقله ثلاثة ، واحتج أصحابنا برواية نافع عن ابن عمر أنه قال : " أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة " وعن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير مثله ، رواها كلها البيهقي ، وصحح الرواية عن ابن عباس ، ورواية ابن عمر صحيحة ، وأجاب أصحابنا عن قول الحنفية : إذا [ ص: 137 ] أطلقت الليالي تبعتها الأيام بأن ذلك عند إرادة المتكلم ، ولا نسلم بوجود الإرادة هنا . بل الظاهر عدمها فنحن قائلون بما قالته الصحابة .

( والجواب ) عن قولهم : إن يوم النحر يفعل فيه معظم المناسك ، فينتقض بأيام التشريق ( والجواب ) قول مالك : إن العرب تعبر عن اثنين وبعض الثالث بلفظ الجمع ، قال الله تعالى : { يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } وأجمعنا نحن ومالك على أن الأقراء هي الأطهار ، وأنه إذا طلقها في بقية طهر حسبت تلك البقية قرءا . فاتفقنا على حمل الأقراء على قرأين وبعض ، واتفقت العرب وأهل اللغة على استعمال مثله في التواريخ وغيرها ، يقولون : كتبت لثلاث ، وهو في بعض الليلة الثالثة ، والله أعلم .

( فرع ) في مذاهبهم فيمن أهل بحجتين . قد ذكرنا أن مذهبنا أنه ينعقد إحداهما ولا يلزمه فعل الأخرى ( وعند أبي حنيفة ينعقدان ويلزمه قضاء الأخرى ) ، والذي حكاه ابن المنذر عنه أنه يصير ناقضا لإحداهما حتى يتوجه إلى مكة ، قال أبو يوسف : أما أنا فأراه ناقضا لإحداهما حين يحرم بهما قبل أن يسير إلى مكة ، دليلنا ما سبق

التالي السابق


الخدمات العلمية