صفحة جزء
قال المصنف - رحمه الله تعالى ( فإن كان من أهل مكة فخرج لإحرام الحج إلى أدنى الحل وأحرم ، فإن رجع إلى مكة قبل أن يقف بعرفة لم يلزمه دم ، وإن لم يرجع حتى وقف وجب عليه دم ، لأنه ترك الإحرام من الميقات فأشبه غير المكي إذا أحرم من دون الميقات ، وإن خرج من مكة إلى خارج البلد وأحرم في موضع من الحرم ففيه وجهان : ( أحدهما ) لا يلزمه الدم ; لأن مكة والحرم في الحرمة سواء ، ( والثاني ) يلزمه وهو الصحيح ، لأن الميقات هو البلد ، وقد تركه فلزمه الدم ، وإن أراد العمرة فأحرم من جوف مكة نظرت ، فإن خرج إلى أدنى الحل قبل أن يطوف لم يلزمه دم ; لأنه دخل الحرم محرما فأشبه إذا أحرم أولا من الحل ، وإن طاف وسعى ولم يخرج إلى الحل ففيه قولان : ( أحدهما ) لا يعتد بالطواف والسعي عن العمرة ; لأنه لم يقصد الحرم بإحرام ، فلم يعتد بالطواف والسعي ، ( والثاني ) أنه يعتد به ( بالطواف ) وعليه دم لتركه الميقات كغير المكي إذا جاوز ميقات بلده غير محرم ، ثم أحرم ودخل مكة وطاف وسعى ) .


( الشرح ) أما إحرام المكي بالحج فقد سبق حكمه في أول الباب مستوفى وأما إحرامه بالعمرة ، فقد قدمنا أن ميقاته الواجب فيها أدنى الحل ولو بخطوة والمستحب إحرامه من الجعرانة ، فإن فاته فالتنعيم ثم الحديبية ، فإن خالف فأحرم بالعمرة في الحرم انعقد إحرامه بلا خلاف ، ثم له حالان : ( أحدهما ) أن لا يخرج إلى الحل بل يطوف ويسعى ويحلق فهل يجزئه [ ص: 217 ] ذلك وتصح عمرته ؟ فيه قولان مشهوران نص عليهما في الأم وذكرهما المصنف بدليلهما : ( أصحهما ) يجزئه ويلزمه دم لتركه الإحرام من الميقات الواجب ، ( والثاني ) لا يجزئه ، بل يشترط أن يجمع في عمرته بين الحل والحرم كما يجمع الحاج في حجه بين الحل والحرم ، فإنه يشترط وقوفه بعرفات وهي من الحل والطواف والسعي وهما في الحرم ، فعلى القول الأول لو وطئ بعد الحلق لا شيء عليه ; لأنه بعد التحلل ، وعلى الثاني يكون الوطء واقعا قبل التحلل ، لكنه يعتقد أنه متحلل فيكون كجماع الناسي ، وفي كونه مفسدا القولان المشهوران ، فإن جعلناه مفسدا لزمه المضي في فاسده بأن يخرج إلى الحل ويعود فيطوف ويسعى ويحلق ويلزمه القضاء وكفارة الجماع ودم الحلق لوقوعه قبل التحلل .

( وإن قلنا ) بالأصح : إن جماع الناسي لا يفسد ، فعمرته على حالها . فلزمه أن يخرج إلى الحل ويرجع فيطوف ويحلق وقد تمت عمرته ، وليس عليه دم الجماع ، وأما دم الحلق ففيه القولان المشهوران في حلق الناسي : ( أصحهما ) يجب ، ( الحال الثاني ) أن يخرج إلى الحل ثم يدخل مكة فيطوف ويسعى ويحلق ، فيعتد بذلك وتتم عمرته بلا خلاف ، وفي سقوط دم الإساءة عنه طريقان : ( المذهب ) وبه قطع الجمهور سقوطه ، ( والثاني ) على طريقين : ( أصحهما ) القطع بسقوطه ، ( والثاني ) أنه على الخلاف السابق فيمن جاوز الميقات غير محرم ، ( فإذا قلنا ) بالمذاهب فالواجب خروجه إلى الحل قبل الأعمال إما في ابتداء الإحرام وإما بعده ، ( وإن قلنا ) : لا يسقط فالواجب هو الخروج قبل الإحرام ، والله أعلم .

( فرع ) قال الشيخ أبو حامد في آخر كتاب الحج من تعليقه : قال الشافعي : أحب لمن أحرم في بلده أن يخرج متوجها في طريق حجه عقب إحرامه ، ولا يقيم بعد إحرامه ، قال الشافعي : وكذا لو كان إحرامه من جوف مكة . قال أبو حامد : هذا الذي قاله الشافعي صحيح ، فيستحب لمن أحرم من بلده أو من مكة أن يخرج عقب إحرامه ، وينبغي أن يكون إحرام المكي عند إرادته التوجه إلى منى وقد سبق قريبا بيان هذا ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية