صفحة جزء
[ ص: 422 ] قال المصنف - رحمه الله تعالى ( وإن قتل صيدا نظرت إن كان له مثل من النعم وجب عليه مثله من النعم والنعم هي الإبل والبقر والغنم ، والدليل عليه قوله عز وجل : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } فيجب في النعامة بدنة ، وفي حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة ، وفي الضبع كبش ، وفي الغزال عنز وفي الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة ، لما روي عن عثمان وعلي وابن عباس وزيد بن ثابت وابن الزبير ومعاوية رضي الله عنهم " أنهم قضوا في النعامة ببدنة " وعن عمر رضي الله عنه أنه " جعل في حمار الوحش بقرة " وحكم في الضبع بكبش وفي الأرنب بعناق ، وفي اليربوع بجفرة " وعن عثمان رضي الله عنه أنه حكم في أم حبين بحلان وهو الحمل ، فما حكم فيه الصحابة لا يحتاج فيه إلى اجتهاد ، وما لم تحكم فيه الصحابة يرجع في معرفة المماثلة بينه وبين النعم إلى عدلين من أهل المعرفة ، لقوله تعالى - : { يحكم به ذوا عدل منكم هديا } وروى قبيصة بن جابر الأسدي قال : " أصبت ظبيا وأنا محرم فأتيت عمر رضي الله عنه ومعي صاحب لي ، فذكرت ذلك له ، فأقبل علي رجل إلى جانبه فشاوره ، فقال لي : اذبح شاة ، فلما انصرفنا قلت لصاحبي : إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول ، فسمعني عمر فأقبل علي ضربا بالدرة وقال أتقتل صيدا وأنت محرم وتغمص الفتيا - أي تحتقرها - وتطعن فيها قال الله - عز وجل - في كتابه : { يحكم به ذوا عدل منكم } ها آنذا عمر وهذا ابن عوف " .

( فصل ) المستحب أن يكونا فقيهين ، وهل يجوز أن يكون القاتل أحدهما فيه وجهان : ( أحدهما ) لا يجوز كما لا يجوز أن يكون المتلف للمال أحد المقومين ، ( والثاني ) أنه يجوز ، وهو الصحيح ، لأنه يجب عليه لحق الله - تعالى - فجاز أن يجعل من يجب عليه أمينا فيه كرب المال في الزكاة ، ويجوز أن يفدي الصغير بالصغير ، والكبير بالكبير ، فإن فدى الذكر بالأنثى جاز لأنها أفضل ، وإن فدى الأعور من اليمين بالأعور من اليسار جاز ، لأن المقصود فيهما واحد وإذا وجب عليه المثل فهو بالخيار بين أن يذبح المثل ويفرقه وبين أن يقومه بالدراهم والدراهم طعاما ويتصدق [ ص: 423 ] به ، وبين أن يصوم عن كل مد يوما لقوله تعالى { هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } " . وإن جرح صيدا له مثل فنقص عشر قيمته فالمنصوص أنه يجب عليه عشر ثمن المثل ، وقال بعض أصحابنا : يجب عليه عشر المثل ، وتأول النص عليه إذا لم يجد عشر المثل ، لأن ما ضمن كله بالمثل ضمن بعضه بالمثل كالطعام ، والدليل على المنصوص أن إيجاب بعض المثل يشق فوجب العدول إلى القيمة كما عدل في خمس من الإبل إلى الشاة حين شق إيجاب جزء من البعير ، وإن ضرب صيدا حاملا فأسقطت ولدا حيا ثم ماتا ضمن الأم بمثلها ، وضمن الولد بمثله ، وإن ضربها فأسقطت جنينا ميتا والأم حية ضمن ما بين قيمتها حاملا وحائلا ، ولا يضمن الجنين .

( فصل ) وإن كان الصيد لا مثل له من النعم وجب عليه قيمته في الموضع الذي أتلفه فيه ، لما روي أن مروان سأل ابن عباس رضي الله عنه عن الصيد بصيده المحرم ولا مثل له من النعم قال ابن عباس : ثمنه يهدى إلى مكة ، ولأنه تعذر إيجاب المثل فيه فضمن بالقيمة كمال الآدمي ، فإذا أراد أن يؤدي فهو بالخيار بين أن يشتري بثمنه طعاما ويفرقه ، وبين أن يقوم ثمنه طعاما ، ويصوم عن كل مد يوما ، وإن كان الصيد طائرا نظرت فإن كان حماما وهو الذي يعب ويهدر كالذي يقتنيه الناس في البيوت ، كالدبسي والقمري والفاختة فإنه يجب فيه شاة ، لأنه روي ذلك عن عمر وعثمان ونافع بن عبد الحارث وابن عباس رضي الله عنهم ، ولأن الحمام يشبه الغنم ، لأنه يعب ويهدر كالغنم فضمن به ، وإن كان أصغر من الحمام كالعصفور والبلبل والجراد ضمنه بالقيمة ، لأنه لا مثل له فضمن بالقيمة ، وإن كان أكبر من الحمام كالقطا واليعقوب والبط والإوز ففيه قولان : ( أحدهما ) يجب فيه شاة ، لأنها إذا وجبت في الحمام فلأن تجب [ ص: 424 ] في هذا وهو أكبر أولى ، ( الثاني ) أنه يجب فيها قيمتها لأنه لا مثل لها من النعم ، فضمن بالقيمة ، وإن كسر بيض صيد ضمنه بالقيمة ، وإن نتف ريش طائر ثم نبت ففيه وجهان : ( أحدهما ) لا يضمن ، ( والثاني ) يضمن بناء على القولين فيمن قلع شيئا ثم نبت ( فصل ) وإن قتل صيدا بعد صيد وجب لكل واحد منهما جزاء ، لأنه ضمان متلف فيتكرر بتكرر الإتلاف ، وإن اشترك جماعة من المحرمين في قتل صيد وجب عليهم جزاء واحد ، لأنه بدل متلف يتجزأ ، فإذا اشترك الجماعة في إتلافه قسم البدل بينهم كقيم المتلفات ، وإذا اشترك حلال وحرام في قتل صيد وجب على المحرم نصف الجزاء ، ولم يجب على الحلال شيء ، كما لو اشترك رجل وسبع في قتل آدمي . وإن أمسك محرم صيدا فقتله حلال ضمنه المحرم بالجزاء ثم يرجع به على القاتل لأن القاتل أدخله في الضمان فرجع عليه ، كما لم غصب مالا من رجل فأتلفه آخر في يده .

( فصل ) وإن جنى على صيد فأزال امتناعه نظرت - فإن قتله غيره - ففيه طريقان ، قال أبو العباس : عليه ضمان ما نقص ، وعلى القاتل جزاؤه مجروحا إن كان محرما ، ولا شيء عليه إن كان حلالا ، وقال غيره : فيه قولان : ( أحدهما ) عليه ضمان ما نقص لأنه جرح ولم يقتل ، فلا يلزمه جزاء كامل ، كما لو بقي ممتنعا ، ولأنا لو أوجبنا عليه جزاء كاملا وعلى القاتل إن كان محرما - جزاء كاملا ، سوينا بين القاتل والجارح ولأنه يؤدي إلى أن نوجب على الجارح أكثر مما يجب على القاتل ، لأنه يجب على الجارح جزاؤه صحيحا ، وعلى القاتل جزاؤه مجروحا وهذا خلاف الأصول ، ( والقول الثاني ) أنه يجب عليه جزاؤه كاملا لأنه جعله غير ممتنع فأشبه الهالك ، فأما إذا كسره ثم أخذه وأطعمه وسقاه حتى برئ نظرت - فإن عاد ممتنعا - ففيه وجهان ، كما قلنا فيمن نتف ريش طائر فعاد ونبت ، فإن لم يعد ممتنعا فهو على القولين : ( أحدهما ) يلزمه ضمان ما نقص ، ( والثاني ) يلزمه جزاء كامل . [ ص: 425 ] فصل ) والمفرد والقارن في كفارات الإحرام واحد لأن القارن كالمفرد في الأفعال ، فكان كالمفرد في الكفارات ) .


( الشرح ) هذه الآثار مشهورة ، فالوجه أن أذكر الآثار الواردة في المسألة ( منها ) الأثر المذكور عن قبيصة بن جابر الأسدي رواه البيهقي بإسناد صحيح وعن أبي حريز بالحاء وآخره زاي - قال " أصبت ظبيا وأنا محرم فأتيت عمر فسألته فقال ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك ، فأتيت عبد الرحمن بن عوف وسعيدا فحكما تيسا أعفر " رواه البيهقي .

وعن طارق قال : " خرجنا حجاجا فأوطأ رجل يقال له أربد ضبا ففزر ظهره ، فقدمنا على عمر فسأله أربد فقال عمر : احكم يا أربد فقال : أنت خير مني يا أمير المؤمنين وأعلم ، فقال عمر : إنما أمرتك أن تحكم فيه ولم آمرك أن تزكيني ، فقال : أربد أرى فيه جديا قد جمع الماء والشجر ، فقال عمر بذلك فيه " رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : إن قتل نعامة فعليه بدنة من الإبل ، رواه البيهقي وهو منقطع لأن علي بن أبي طلحة لم يدرك ابن عباس ، سقط بينهما مجاهد أو غيره وعن ابن عباس : " وفي بقرة الوحش بقرة ، وفي الإبل بقرة " رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح .

وعن عطاء الخراساني : أن عمر وعثمان وعليا وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية رضي الله عنهم قالوا : في النعامة يقتلها المحرم بدنة من الإبل " رواه الشافعي والبيهقي قال الشافعي : هذا غير ثابت عند أهل العلم بالحديث ، وهو قول الأكثرين ممن لقيت ، فبقولهم : في النعامة بدنة ، وبالقياس قلنا : بالنعامة لا بهذا ، قال البيهقي : وجه ضعفه أنه مرسل فإن عطاء الخراساني ولد سنة خمسين ولم يدرك عمر ، ولا عثمان ، ولا عليا ، ولا زيدا ، وكان في زمن معاوية صبيا ولم يثبت له سماع من ابن عباس ، وإن كان يحتمل أنه سمع منه ، [ ص: 426 ] فإن ابن عباس توفي سنة ثمان وخمسين ، ثم إن عطاء الخراساني مع انقطاع حديثه ممن تكلم فيه أهل العلم بالحديث . وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { سئل عن الضبع فقال : هي صيد ، وجعل فيها كبشا ، إذا صادها المحرم } رواه البيهقي قال : وهو حديث جيد يقوم به الحجة ثم قال البيهقي : قال الترمذي : سألت البخاري عنه فقال هو حديث صحيح .

وعن عكرمة قال : { أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم الضبع صيدا وقضى فيها كبشا } " رواه الشافعي والبيهقي قال الشافعي : هذا حديث لا يثبت مثله ، لو انفرد ، قال البيهقي : وإنما قال ذلك لأنه مرسل قال وروي موصولا ، ثم رواه بإسناد عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد سبق بيان اختلاف المحدثين في الاحتجاج بعمرو بن أبي عمرو هذا والله أعلم وروى الشافعي عن مالك عن أبي الزبير عن جابر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في الضبع بكبش وفي الغزال بعنز ، وفي الأرنب بعناق ، وفي اليربوع بجفرة ، هذا إسناد مبلج صحيح . قال البيهقي : وروي مرفوعا عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قالا : والصحيح أنه موقوف على عمر " وعن ابن عباس قال : في الضبع كبش " رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح أو حسن . قال البيهقي : وروي عن علي رضي الله عنهم أجمعين ، وعن عمر أنه قضى في الضبع بكبش ، وفي الظبي بشاة ، وفي الأرنب بعناق ، وفي اليربوع بجفرة وروى الشافعي والبيهقي بإسنادهما الصحيح عن شريح ، قال : لو كان معي حكم حكمت في الثعلب بجدي . قال البيهقي : وروي عن عطاء أن في الثعلب شاة وعن عثمان رضي الله عنه أنه قضى في أم حبين بحلان من الغنم ، رواه الشافعي والبيهقي بإسناد ضعيف فيه مطرف بن مازن قال يحيى بن معين . هو كذاب والله أعلم .

[ ص: 427 ] أما ) ألفاظ الفصل فالعناق - بفتح العين - وهي من أولاد المعز خاصة وهي التي ( وأما ) الجفرة فهي التي بلغت أربعة أشهر ، وفصلت عن أمها ( وأما ) أم حبين فمعروفة وهي - بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة المخففة - ( وأما ) الحلان - فبضم الحاء المهملة وتشديد اللام - ( وأما ) الحمل - فبفتح الحاء والميم - وهو الخروف . قال الأزهري : هو الجدي : ويقال له : حلام - بالميم - أيضا ، ( قوله ) : تغمص الفتيا هو - بفتح التاء وكسر الميم وبالصاد المهملة - أي تحتقرها وتستصغرها ، ويقال : فتيا وفتوى ( الأولى ) - بضم الفاء - ( والثانية ) - بفتحها - ( قوله ) : يجب عليه لحق الله - تعالى - احتراز من التقويم .

( أما الأحكام ) فقال الشافعي والأصحاب : الصيد ضربان : مثلي وهو ما له مثل من النعم ، وهي الإبل والبقر والغنم ، وغير مثلي وهو ما لا يشبه شيئا من النعم ، فالمثلي جزءان على التخيير والتعديل ، فيخير القاتل بين أن يذبح مثله في الحرم ويتصدق به على مساكين الحرم ، إما بأن يفرق لحمه عليهم ، وإما بأن يسلم جملته إليهم مذبوحا ويملكهم إياه ، ولا يجوز أن يدفعه إليهم حيا ، وبين أن يقوم المثل دراهم ، ثم لا يجوز تفرقة الدراهم ، بل إن شاء اشترى بها طعاما وتصدق به على مساكين الحرم ، وإن شاء صام عن كل مد يوما ، ويجوز الصيام في الحرم وفي جميع البلاد وإن انكسر مد وجب صيام يوم ، وأما غير المثلي فيجب فيه قيمته . ولا يجوز أن يتصدق بها دراهم ، بل يقوم بها طعاما ثم يتخير إن شاء أخرج الطعام ، وإن شاء صام عن كل مد يوما ، فإن انكسر مد صام يوما ، فحصل من هذا أنه في المثلي مخير بين ثلاثة أشياء : الحيوان والطعام والصيام ، وفي [ ص: 428 ] غيره بين الطعام والصيام ، هذا هو المذهب وهو المقطوع به في كتب الشافعي والأصحاب .

وروى أبو ثور عن الشافعي قولا قديما أنها على الترتيب ، هكذا حكاه أبو علي الطبري في الإفصاح ، ومن بعده من المصنفين ، قال القاضي أبو الطيب : أصحابنا كلهم لا يعرفون هذا عن الشافعي ، وهي رواية عن الشافعي شاذة ، وكذا نقل البندنيجي عن الأصحاب إنكار هذه الرواية ، وأنه نص في القديم على التخيير لا غير ، قال أصحابنا : وإذا لم يكن مثليا فالمعتبر قيمته في محل الإتلاف ووقته ، وإن كان مثليا فقيمته في مكان يوم الانتقال إلى الطعام ، لأن محل ذبحه مكة فإذا عدل عن ذبحه وجبت قيمته بمحل الذبح ، هذا هو المذهب في الصورتين وقيل : فيهما قولان : ( أحدهما ) الاعتبار بقيمة يوم الإتلاف ، ( والثاني ) بقيمة يوم العدول إلى الإطعام وقيل : القولان فيما لا مثل له ، وأما ماله مثل فالمعتبر قيمة المثل حال العدول إلى الإطعام قولا واحدا ، فهذه ثلاثة طرق ( المذهب ) منها الأول صححه الشيخ أبو حامد والأصحاب . ومأخذ الخلاف أن الشافعي نص في أكثر كتبه أنه يقوم يوم إخراج الطعام ، وقال في موضع : يجب تقويمه يوم قتل الصيد ، فقال الأكثرون : ليست على قولين ، بل على حالين ، فقوله : يعتبر يوم الانتقال إلى الإطعام أراد إذا كان الصيد مثليا ، وقوله : يعتبر حين القتل أراد إذا كان غير مثلي ، ومنهم من قال : بل هما قولان فيهما ، منهم من قال بالطريق الثالث ، قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : الطريق الأول أصح ، وحيث اعتبرناه بمحل الإتلاف فلإمام الحرمين احتمالان في أنه يعتبر في العدول إلى الطعام سعر الطعام في ذلك المكان أم سعره بمكة ( والثاني ) منهما أصح .

( فرع ) في بيان المثلي ، قال أصحابنا : ليس المثلي معتبرا على [ ص: 429 ] التحقيق والتحديد ، بل المعتبر التقريب ، وليس معتبرا في القيمة ، بل في الصورة والخلقة ، والكلام في الدواب ثم الطيور ( أما ) الدواب فما ورد فيه نص ، أو حكم فيه صحابيان أو عدلان من التابعين ، أو ممن بعدهم من النعم أنه مثل الصيد المقتول اتبع ذلك ولا حاجة إلى تحكيم جديد ، وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم في الضبع بكبش ، وحكمت الصحابة رضي الله عنهم في النعامة ببدنة ، وفي حمار الوحش وبقرته ببقرة ، وفي الغزال بعنز ، وفي الأرنب بعناق ، وفي اليربوع بجفرة ، وعن عثمان رضي الله عنه أنه حكم في أم حبين بحلان ، وعن عطاء ومجاهد أنهما حكما في الوبر بشاة . قال الشافعي - رحمه الله - : إن كانت العرب تأكله ففيه جفرة ، لأنه ليس أكبر بدنا منها ، وعن عمر وغيره في الضب جدي ، وعن ابن عباس في الإبل بقرة ، وهذا صحيح عنه سبق بيانه قريبا وعن عطاء في الثعلب شاة وكذا قال الشافعي في الثعلب شاة وأما الوعل فقال صاحب البيان : حكى ابن الصباغ أن فيه بقرة وبهذا جزم البندنيجي وغيره وقال الصيمري : فيه تيس قال الشافعي في الأم : في الأروى عضب والعضب دون الجذع من البقر . أما العناق فهي الأنثى من المعز من حين تولد إلى حين ترعى ما لم تستكمل سنة وجمعها أعنق وعنوق وأما الجفرة فقال أهل اللغة : هي ما بلغت أربعة أشهر من أولاد المعز ، من حين تولد وفصلت عن أمها ، والذكر جفر ، سمي بذلك لأنه جفر جنباه أي عظما ، هذا معناهما في اللغة : قال الرافعي : لكن يجب أن يكون المراد هنا بالجفرة ما دون العناق ، لأن الأرنب خير من اليربوع .

( وأما ) أم حبين فدابة على صورة الحرباء عظيمة النظر ، وفي حل أكلها خلاف سنوضحه في كتاب الأطعمة إن شاء الله - تعالى - ( الأصح ) أنها حلال ، وفيها الجزاء ، ( والثاني ) حرام فلا جزاء ، قال الرافعي : ويقع في بعض كتب الأصحاب في الظبي كبش ، وفي الغزال عنز ، وممن صرح به [ ص: 430 ] البندنيجي ، وكذا قاله أبو القاسم الكرخي ، وزعم أن الظبي ذكر الغزلان ، والأنثى غزال ، قال إمام الحرمين : هذا وهم بل الصحيح أن في الظبي عنزا وهو شديد الشبه بها . فإنه أجرد الشعر متقلص الذنب ، وأما الغزال فولد الظبي فيجب فيه ما يجب في الصغار ، ( قلت ) هذا الذي قاله الإمام هو الصواب ، قال أهل اللغة : الغزال ولد الظبية إلى حين يقوى ويطلع قرناه ، ثم هي ظبية ، والذكر ظبي . هذا بيان ما فيه حكم

( أما ) ما ليس فيه حكم عن السلف فيرجع فيه إلى قول عدلين فطنين ، قال الشافعي والأصحاب : ويستحب كونهما فقيهين لأنهما أعرف بالشبه المعتبر شرعا ، وهل يجوز أن يكون قاتل الصيد أحد الحكمين [ قتل الصيد في الحرم ] ؟ أو يكون قاتلاه هما الحكمين ؟ قال أصحابنا : ينظر إن كان القتل عدوانا فلا ، لأنه يفسق وإن كان خطأ أو مضطرا إليه جاز على الأصح المنصوص وفيه وجه أنه لا يجوز ، وقد ذكر المصنف دليلهما ولو حكم عدلان أن له مثلا ، وعدلان أن لا مثل فهو مثلي لأن معهما زيادة علم بمعرفة دقيق الشبه ، ولو حكم عدلان بمثل وعدلان بمثل آخر ، فوجهان حكاهما الماوردي والروياني : ( أحدهما ) يتخير في الأخذ بأيهما شاء ، ( والثاني ) يأخذ بأغلظهما بناء على الخلاف في اختلاف المفتيين ، والأصح التخيير في الموضعين والله أعلم .

( وأما ) الطيور فحمام وغيره ، فالحمامة فيها شاة وغيرها ، إن كان أصغر منها جثة ، كالزرزور والصعوة والبلبل والقبرة والوطواط ، ففيه القيمة ، وإن كان أكبر من الحمام أو مثله فقولان ( أصحهما ) وهو الجديد وأحد قولي القديم : الواجب القيمة إذ لا مثل له ( والثاني ) شاة لأنها إذا وجبت في الحمامة فالذي أكبر منها أولى ، ومن هذا النوع الكركي والبطة والإوزة والحبارى ونحوها ، والمراد بالحمام كل ما عب في الماء وهو أن يشربه جرعا ، وغير الحمام يشرب قطرة قطرة ، كذا نص الشافعي عليه في عيون المسائل ، قال الشافعي : ولا حاجة في وصف الحمام إلى [ ص: 431 ] ذكر الهدير مع العب فإنهما متلازمان ولهذا اقتصر الشافعي على العب ، قال أصحابنا : ويدخل في اسم الحمام اليمام اللواتي يألفن البيوت ، والقمري والفاختة والدسي والقطاء ، والعرب تسمي كل مطوق حماما . قال الشيخ أبو حامد في التعليق : قال الشافعي : إنما أوجبنا في الحمامة شاة اتباعا . يعني إجماع الصحابة على ذلك ، وإلا فالقياس إيجاب القيمة فيها ، ومن أصحابنا من قال : إنما أوجبت الشاة فيها لأنها تشبهها من وجه ، فإنها تعب كالغنم ، قال أبو حامد : وليس بشيء . بل المنصوص ما ذكرناه وهذا الذي ذكرناه من وجوب شاة في الحمامة لا خلاف فيه عندنا ، قال أصحابنا : سواء فيه حمام الحل وحمام الحرم ، وقال مالك : إن قتلها المحرم وهي في الحل فعليه القيمة ، وإن أصيبت في الحرم ففيها شاة ، وقال أبو حنيفة : فيها شاة مطلقا ، والله أعلم .

( فرع ) قال الشافعي والمصنف والأصحاب : يفدى الكبير من الصيد بكبير مثله من النعم والصغير بصغير ، والسمين بسمين والمهزول بمهزول ، والصحيح بصحيح ، والمريض بمريض ، والمعيب بمعيب ، إذا اتحد جنس العيب ، كأعور بأعور ، فإن اختلف كالعور والجرب فلا ، وإن كان عور أحدهما في اليمين والآخر في اليسار ففي إجزائه طريقان ( أصحهما ) وبه قطع المصنف وسائر العراقيين : يجوز لأن المقصود لا يختلف ( والثاني ) حكاه الخراسانيين فيه وجهان ( أصحهما ) هذا ( والثاني ) لا يجوز كما لو اختلف نوع العيب كالجرب والعور ، وسواء كان عور اليمنى في الصيد أو في المثل ، فالحكم واحد بلا خلاف ، وربما أوهم تخصيص المصنف خلاف هذا ، ولكن لا خلاف فيه ، وإنما ذكره كالمثال ، ولو قال فدى الأعور من عين بالأعور من أخرى لكان أحسن ، قال أصحابنا : ولو قابل المريض بالصحيح أو المعيب بالسليم فهو أفضل . [ ص: 432 ] ولو فدى الذكر بالأنثى ففيه طرق ( أصحها ) على قولين ( أصحهما ) الإجزاء ( والثاني ) المنع ( والطريق الثاني ) القطع بالإجزاء ، وبه قطع المصنف والشيخ أبو حامد ( والثالث ) إن أراد الذبح لم يجز وإن أراد التقويم جاز لأن قيمة الأنثى أكثر ولحم الذكر أطيب ( والرابع ) إن لم تلد الأنثى جاز وإلا فلا ، لأنها تضعف بالولادة ( والخامس ) حكاه صاحب البيان وغيره إن قتل ذكرا صغيرا أجزأه أنثى صغيرة ، وإن قتل كبيرا لم تجزئه كبيرة ، فإن جوزنا الأنثى فهل هي أفضل منه ؟ فيه وجهان ( أصحهما ) لا للخروج من الخلاف ( والثاني ) نعم وهو ظاهر نص الشافعي وظاهر كلام المصنف وإن فدى الأنثى بالذكر فوجهان وقيل قولان ، قال أبو علي البندنيجي : ( المذهب ) أنه يجزى ، قال الرافعي : وإذ تأملت ما ذكرناه من كلام الأصحاب وجدتهم طاردين الخلاف مع نقص اللحم ، وقال إمام الحرمين : الخلاف فيما إذا لم ينقص اللحم في القيمة وفي الطيب ، فإن كان واحد من هذين النقصين لم يجز بلا خلاف ، هذا كلامه والله أعلم .

( فرع ) ( لو قتل نعامة فأراد أن يعدل عن البدنة إلى بقرة أو سبع من الغنم لم يجز على الصحيح المشهور ) وبه قطع الأكثرون تصريحا وتعريضا وفيه وجه حكاه الروياني في البحر أنه يجوز ، لأنها كهي في الإجزاء في الأضحية وغيرها .

( فرع ) قال الشافعي رحمه الله في المختصر : وإن جرح ظبيا فنقص عشر قيمته فعليه عشر قيمة شاة ، قال المزني تخريجا يلزمه عشر شاة ، قال جمهور الأصحاب الحكم ما قاله المزني ، وإنما ذكر الشافعي القيمة لأنه قد لا يجد شريكا في ذبح شاة فأرشده إلى ما هو أسهل ، لأن جزاء الصيد على التخيير ، فعلى هذا هو مخير إن شاء أخرج عشر المثل ، وإن شاء صرف قيمته في طعام وتصدق به وإن شاء صام عن كل مد يوما . ومن الأصحاب من أخذ بظاهر النص وقال : الواجب عشر القيمة ، وجعل في المسألة قولين المنصوص وتخريج المزني فعلى هذا إذا قلنا بالمنصوص ففيه [ ص: 433 ] أوجه ( أصحها ) تتعين الصدقة بالدراهم ( والثاني ) لا تجزئه الدراهم ، بل يتصدق بالطعام أو يصوم ( والثالث ) يتخير بين عشر المثل وبين إخراج الدراهم ( والرابع ) إن وجد شريكا في الدم أخرجه ولم تجزئه الدراهم وإلا أجزأه ( والخامس ) وبه قطع الشيخ أبو حامد مخير بين أربعة أشياء إن شاء أخرج الدراهم وإن شاء اشترى به جزءا من مثل ذلك الصيد من النعم وإن شاء أخرج بها طعاما وإن شاء صام عن كل مد يوما ، هذا كله في الصيد المثلي ، فأما غيره فالواجب ما نقص من قيمته قطعا ثم يتخير بين الصيام والطعام والله أعلم .

( فرع ) لو قتل صيدا حاملا قابلناه بمثله حاملا ، ولا نذبح الحامل ، بل يقوم المثل حاملا ويتصدق بقيمته طعاما أو يصوم ، هذا هو الصحيح المشهور وفيه وجه ضعيف غريب حكاه الرافعي أنه يجوز ذبح حائل نفيسة بقيمة حامل وسط ، ويجعل التفاوت كالتفاوت بين الذكر والأنثى ولو ضرب بطن صيد حامل فألقت جنينا ميتا نظر إن ماتت الأم أيضا فهو كقتل الحامل ، وإن عاشت الأم ضمن ما نقصت . ولا يضمن الجنين . هكذا قطع به المصنف والأصحاب بخلاف جنين الأمة فإنه يضمن بعشر قيمة الأم لأن الحمل يزيد في قيمة البهائم وينقص الآدميات فلا يمكن اعتبار التفاوت في الآدميات . وإن ألقت جنينا حيا ثم ماتا ضمن كل واحد منهما بانفراده ، فيضمن كل واحد بمثله إن كان مثليا . وإن مات الولد المنفصل حيا من آثار الجناية ، وعاشت الأم ضمن الولد بانفراده بكمال أجزائه . وضمن نقص الأم وهو ما بين قيمتها حاملا وحائلا .

( فرع ) لو جرح صيدا فاندمل جرحه وصار الصيد زمنا ففيه وجهان مشهوران وحكاهما المصنف قولين ، وكذا حكاهما أبو علي البندنيجي في الجامع ( أصحهما ) يلزمه جزاء كامل لو أزمن عبدا لزمه كل قيمته ( والثاني ) يلزمه أرش النقص وبه قال ابن سريج كما لو [ ص: 434 ] جنى على شاة فأزمنها ، وصحح صاحب البيان هذا الثاني وهو تصحيح شاذ بل غلط ، والصواب أنه يلزمه جزاء كامل ، وممن نص على تصحيحه أبو علي البندنيجي في كتاب الجامع ، وإمام الحرمين والمصنف في التنبيه ، والغزالي والرافعي وآخرون ، وقطع به جماعات من كبار الأصحاب ممن قطع به الشيخ أبو حامد في تعليقه والمحاملي في المجموع والماوردي في الحاوي والقاضي حسين في تعليقه ، ونقله الشيخ أبو حامد عن أصحابنا مطلقا .

ونقله إمام الحرمين عن معظم الأئمة ، قال : والوجه الثاني القائل بأرش ما نقص مزيف متروك والله أعلم .

( فإن قلنا : ) يلزمه أرش النقص فهل يجب قسط من المثلي إن كان مثليا ؟ أو من قيمة المثل ؟ فيه الخلاف السابق قريبا فيما إذا جرحه فنقص عشر قيمته ، ولو أزمنه فجاء محرم فقتله بعد الاندمال أو قبله ، فعلى القاتل جزاؤه زمنا بلا خلاف ، ويبقى على الأول الجزاء الذي كان كما كان وهو كمال الجزاء أو أرش النقص هذا هو المذهب ، وفيه وجه آخر أنه إن أوجبنا هناك جزاء كاملا عاد بجناية الثاني إلى أرش النقص ، لأنه يبعد إيجاب جزاءين لمتلف واحد ، وهذا الوجه هو الأصح عند الشيخ أبي حامد في تعليقه .

( أما ) إذا أزمنه محرم ثم عاد هو فقتله ، فإن قتله قبل الاندمال لزمه جزاء واحد ، كما لو قطع يدي رجل ثم قتله فعليه دية فقط ، ولنا هناك وجه أنه يلزمه أرش الطرف مع دية النقص . قال إمام الحرمين وغيره : فيجيء ذلك الوجه هنا وإن قتله بعد الاندمال أفردت كل جناية بحكمها . ففي القتل جزاؤه زمنا وفي الإزمان الوجهان ( الأصح ) جزاء كامل إذا أوجبنا في الإزمان جزاء كاملا ، وإن كان للصيد امتناعان كالنعامة [ ص: 435 ] تمتنع بالعدو وبالجناح فأبطل أحد امتناعيه فوجهان ، حكاهما إمام الحرمين عن العراقيين ، وحكاهما غيره ( أحدهما ) يتعدد الجزاء لتعدد الامتناع ( وأصحهما ) لا ، لاتحاد الممتنع ، وعلى هذا فما الواجب ؟ قال إمام الحرمين : الغالب على الظن أنه يجب ما نقص لأن امتناع النعامة في الحقيقة واحد إلا أنه يتعلق بالرجل والجناح فالزائل بعض الامتناع .

( فرع ) لو جرح صيدا فغاب ثم وجده ميتا ، فإن علم أنه مات بجراحته أو وقع بسببه في ماء أو من جبل ونحو ذلك ، لزمه جزاء كامل ، وإن علم أنه مات بسبب آخر بأن قتله آخر - نظر إن لم يكن الأول صيده غير ممتنع - فعليه أرش ما نقص وإن كان الثاني صيده غير ممتنع ففيما على الأول الخلاف السابق في أواخر الفرع قبله . وإن شك فلم يعلم بماذا مات فقولان : حكاهما القاضي حسين والبغوي والمتولي وغيرهم ( أحدهما ) يلزمه جزاء كامل ، لأن الغالب أنه مات من جرحه ( وأصحهما ) لا يجب إلا ضمان الجرح ، وبه قطع الماوردي لاحتمال موته بسبب آخر ، والأصل براءته . قال القاضي والمتولي : هذا الخلاف مبني على القولين في الحلال إذا جرح صيدا وغاب عنه فوجده ميتا ، هل يحل أكله أم لا ؟ ( الأصح ) لا يحل ( فإن قلنا ) يحل أكله فقد جعلناه قاتلا ، فيلزمه جزاء كامل ، وإلا فعليه أرش الجرح فقط .

( أما ) إذا جرحه وغاب ولم يتبين فلم يعلم أمات أم لا ؟ قال أصحابنا لا يلزمه جزاء كامل لأن الأصل براءته ، ولأن الأصل حياة الصيد ، وإنما يلزمه أرش الجراحة ، قالوا : والاحتياط إخراج جزاء كامل لاحتمال موته بسببه . هكذا قطع الأصحاب بالمسألة في الطريقتين كما ذكرته ، ونقله القاضي أبو الطيب في تعليقه عن الأصحاب . وحكى الشيخ أبو حامد في تعليقه عن أبي إسحاق المروزي أنه يلزمه جزاء كامل ، إذا كان قد صيره غير ممتنع ، لأن الأصل بقاؤه كذلك حتى يعلم سلامته . قال [ ص: 436 ] أبو حامد : وهذه من غلطات أبي إسحاق على مذهب الشافعي ، لأن الشافعي نص في الإملاء على أنه يلزمه ما نقص . قال في الإملاء : لأنه قد يعرض سبب الهلاك ولا يهلك ، وهذا صحيح لأن الأصل الحياة ما لم يعلم التلف .

( فرع ) إذا جرحه ثم أخذه فداواه وأطعمه وسقاه حتى برأ وعاد ممتنعا كما كان ففي سقوط الضمان عنه وجهان ، حكاهما المصنف والأصحاب ( الأصح ) لا يسقط الضمان ( والثاني ) يسقط بناء على القولين فيمن قلع سن كبير فنبتت هل يسقط عنه ديتها ؟ ( فإن قلنا ) لا يسقط فعليه ما كان واجبا وهو كمال الجزاء في الأصح ، وأرش ما نقص في الوجه الآخر ، وفي وجه ثالث جزم به البندنيجي أنه يجب ما بين قيمته صحيحا ومندملا ، والمذهب الأول ، وإذا قلنا : أرش ما نقص فهل يجب بقسطه من المثل ؟ أو من القيمة ؟ فيه الطرق السابقة ، فيمن جرح ظبيا فنقص عشر قيمته . هذا كله إذا لم يبق بعد برئه فيه نقص ، فإن صار ممتنعا ولكن بقي فيه شين ونقص وجب ضمانه بلا خلاف ( وأما ) إذا داواه حتى برأ وبقي زمنا ففيه الوجهان السابقان فيمن أزمنه ( أصحهما ) يلزمه كمال الجزاء ( والثاني ) أرش نقصه . ولو نتف ريش طير فهو كجرح الصيد في كل ما سبق فإن نبت وبقي نقص ضمنه ، وإلا فوجهان كما سبق ، فإن وجب اعتبر نقصه حال الجرح ، كذا ذكره أصحابنا مع باقي فروع جرح الصيد والله أعلم

( فرع ) يجب في بيض الصيد قيمته . وقال المزني : لا يجب ، وسبقت المسألة في الباب الماضي ، وسبق هناك الخلاف في قيمة لبن الصيد ، وأن الأصح وجوبها ، وسبق أن الجراد مضمون بقيمته على المشهور ، وسبق قول شاذ أنه لا يحرم الجراد ولا ضمان فيه وليس بشيء ، قال الشافعي : ويجب في الدبا قيمته والدبا صغار الجراد ، وقيمته أقل من [ ص: 437 ] قيمة الجراد . قال أصحابنا : وما نقل عن الصحابة من تقدير الجزاء في الجراد فهو محمول على أن ذلك قيمته في ذلك الوقت . قال أصحابنا : فإذا وجبت القيمة في البيض والجراد واللبن فهو مخير بين إخراج الطعام وبين أنه يصوم عن كل مد يوما ، فإن انكسر مد وجب صيام يوم كما سبق في الصيد الذي لا مثل له .

( فرع ) إذا قتل المحرم صيدا بعد صيد وجب لكل صيد جزاء ، وإن بلغ مائة صيد وأكثر ، سواء أخرج جزاء الأول أم لا ، وهذا لا خلاف فيه وفيه خلاف بيننا وبين أبي حنيفة وغيره ، وقد سبق بيانه ودليله في الباب السابق ومما استدل به أصحابنا أنه بدل متلف فتكرر بتكرر الإتلاف كمال الآدمي بخلاف ما إذا كرر المحرم لبسا أو طيبا لأنه ليس بإتلاف . وإن اشترك جماعة من المحرمين في قتل صيد لزمهم جزاء واحد . واستدل المصنف بأنه بدل متلف يتجزأ فإذا اشترك جماعة في إتلافه قسم البدل بينهم كقسم المتلفات وكالدية وفي قوله : يتجزأ ، احتراز من القصاص في النفس والطرف . ولو اشترك محرم وحلال في قتل صيد لزم المحرم نصف الجزاء ، ولا شيء على الحلال ، وكذا لو اشترك محرم ومحلون أو محل ومحرمون وجب على المحرم من الجزاء بقسطه على عدد الرءوس كبدل المتلفات . هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور ، ونص عليه الشافعي في الأم ، وقطع المتولي بأنه يجب على المحرم جزاء كامل وهذا شاذ ضعيف .

ولو أمسك محرم صيدا فقتله حلال ضمنه المحرم بالجزاء لأنه تسبب إلى إتلافه ، وهل يرجع به على الحلال القاتل ؟ فيه وجهان : ( أحدهما ) يرجع ، وبه قطع المصنف وشيخه القاضي أبو الطيب والبغوي . لأن القاتل أدخل المحرم في الضمان ، فرجع عليه ، كما لو غصب مالا فأتلفه إنسان في يده ، فإن الغاصب يرجع على المتلف ، ( وأصحهما ) لا يرجع . [ ص: 438 ] وبه قطع الشيخ أبو حامد في تعليقه وأبو علي البندنيجي في كتابه الجامع ، وصححه صاحب الشامل وغيره ، لأنه أتلف صيدا يجوز له إتلافه ، فإنه غير ممنوع منه لا لحق الله - تعالى - ، ولا لحق الآدمي ، فإن الممسك لا يملكه ، وإذا جاز له إتلافه لم يجب عليه ضمانه بخلاف مسألة الغصب ، فإن المتلف للمغصوب متعد فضمن والله أعلم . ولو أمسك محرم صيدا فقتله محرم آخر فثلاثة أوجه : ( أصحها ) يجب الجزاء كله على القاتل ; لأنه وجد من الممسك سبب ، ومن القاتل مباشرة ، فوجب تقديم المباشرة كما في قتل الآدمي وغيره ، ( والثاني ) يجب الجزاء بينهما نصفين لأنهما من أهل ضمانه ، وهذا ينتقض بضمان الآدمي ، وبهذا الوجه قطع المصنف في التنبيه ، ( والثالث ) قاله القاضي أبو الطيب وصححه أبو المكارم ، يجب الضمان على كل واحد منهما ، فإن أخرجه الممسك رجع به على القاتل ، وإن أخرجه القاتل لم يرجع به على الممسك ، كما لو غصب شيئا فأتلفه آخر في يده ، وقال صاحب الشامل : هذا الوجه أقيس عندي ; لأن ما ذكره الأول ينتقض بمن غصب شيئا وأتلفه غيره في يده ، وما ذكره الثاني فاسد ; لأن الضمان لا ينقسم على المباشرة والسبب الذي لا يلجئ في شيء من الأصول ، والله أعلم

( فرع ) قال الماوردي وغيره لو جرح الحلال صيدا في الحل ثم دخل الصيد الحرم فجرحه فيه فمات منهما لزمه نصف الجزاء ; لأنه مات من جرحين وجرح أحدهما مضمون دون الآخر .

( فرع ) القارن والمفرد والمتمتع في جزاء الصيد ، وفي جميع كفارات الإحرام سواء ، فإذا قتل القارن صيدا لزمه كفارة واحدة ، وإن ارتكب محظورا آخر لزمه فدية واحدة . بلا خلاف عندنا . وقال أبو حنيفة : يلزمه جزاءان ، وقد سبقت المسألة بدلائلها في الباب السابق والله أعلم

[ ص: 439 ] فرع ) الصوم الواجب هنا يجوز متفرقا ومتتابعا ، نص عليه الشافعي ونقله عن ابن المنذر ، ولا نعلم فيه خلافا لقوله تعالى : { أو عدل ذلك صياما } .

( فرع ) في مذاهب العلماء في مسائل من جزاء الصيد ( إحداها ) إذا قتل المحرم صيدا أو قتله الحلال في الحرم ، فإن كان له مثل من النعم وجب فيه الجزاء بالإجماع ، ومذهبنا أنه مخير بين ذبح المثل ، والإطعام بقيمته والصيام عن كل مد يوما . وبه قال مالك وأحمد في أصح الروايتين عنه وداود ، إلا أن مالكا قال : يقوم الصيد ولا يقوم المثل ، وقال أبو حنيفة لا يلزمه المثل من النعم . وإنما يلزمه قيمة الصيد ، وله صرف تلك القيمة في المثل من النعم . وقال ابن المنذر : قال ابن عباس : إن وجد المثل ذبحه وتصدق به ، فإن فقده قومه دراهم ، والدراهم طعاما ، وصام ولا يطعم . قال : وإنما أريد بالطعام الصيام ووافقه الحسن البصري والنخعي وأبو عياض وزفر . وقال الثوري : يلزمه المثل ، فإن فقده فالإطعام ، فإن فقده صام . دليلنا قوله تعالى - : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل } إلى آخر الآية . واحتج المخالفون بأن المتلف يجب مثله من جنسه أو قيمته ، وليست النعم واحدا منها فلم يضمن به كالصيد الذي لا مثل له من النعم ، وكما لو أتلف الحلال صيدا مملوكا وكضمان المحرم للصيد المملوك لمالكه . قال أصحابنا : هذا قياس منابذ لنص القرآن فلا يلتفت إليه ، ثم ما ذكروه منتقض للآدمي الحر ، فإنه يضمن بالإبل ويضمن في حق الله - تعالى - بما لا يضمن به في حق الآدمي ، فإنه يضمن للآدمي بقصاص أو إبل ، ويضمن لله تعالى بالكفارة ، وهي عتق ، وإلا فصيام ، وبهذا يحصل الجواب عن قياسهم . قال أصحابنا : والفرق بينه وبين صيد لا مثل له أنه لا يمكن فيه المثل فتعذر فوجب اعتبار القيمة بخلاف المثل .

[ ص: 440 ] الثانية ) إذا عدل عن مثل الصيد إلى الصيام ، فمذهبنا أنه يصوم عن كل مد يوما وبه قال عطاء ومالك . وحكى ابن المنذر عن ابن عباس والحسن البصري والثوري وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق وأبي ثور أنه يصوم عن كل مدين يوما . قال ابن المنذر : وبه أقول .

( قال : ) وقال سعيد بن جبير الصوم في جزاء الصيد ثلاثة أيام إلى عشرة ، وعن أبي عياض أن أكثر الصوم أحد وعشرون يوما ، قال : ومال أبو ثور إلى أن الجزاء في هذا ككفارة الحلق دليلنا أن الله - تعالى - قال : { أو عدل ذلك صياما } وقد قابل سبحانه وتعالى صيام كل يوم بإطعام مسكين في كفارة الظهار ، وقد ثبت بالأدلة المعروفة أن إطعام كل مسكين هناك مد ، فكذا هنا يكون كل يوم مقابل مد ، واحتجوا بحديث كعب بن عجرة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعله مخيرا بين صوم ثلاثة أيام وإطعام ستة مساكين ، كل مسكين نصف صاع ، فدل على أن اليوم مقابل بأكثر من مد ( والجواب ) أن حديث كعب إنما ورد في فدية الحلق ، ولا يلزم طرده في كل فدية ، ولو طرد لكان ينبغي أن يقابل كل صاع بصوم يوم وهذا لا يقول به المخالفون ، ولا نحن ولا أحد ، والله أعلم .

( الثالثة ) قال أصحابنا : مذهبنا أن ما حكمت الصحابة رضي الله عنهم فيه بمثل فهو مثله ، ولا يدخله بعدهم اجتهاد ولا حكم ، وبه قال عطاء وأحمد وإسحاق وداود ( وأما ) أبو حنيفة فجرى على أصله السابق أن الواجب القيمة ، وقال مالك : يجب الحكم في كل صيد ، وإن حكمت فيه الصحابة . دليلنا أن الله تعالى قال : { يحكم به ذوا عدل منكم } وقد حكما ، فلا يجب تكرار الحكم .

( الرابعة ) الواجب في الصغير من الصيد المثلي صغير مثله من النعم ، وبه قال ابن عمر وعطاء والثوري وأحمد وأبو ثور ، وقال مالك : يجب فيه كبير لقوله تعالى - : { هديا بالغ الكعبة } والصغير لا يكون هديا وإنما [ ص: 441 ] يجزئ من الهدي ما يجزئ في الأضحية وبالقياس على قتل الآدمي ، فإنه يقتل الكبير بالصغير . دليلنا قوله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } . مثل الصغير صغير ، ودليل آخر وهو ما قدمناه عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم حكموا في الأرنب بعناق ، وفي اليربوع بجفرة ، وفي أم حبين بحلان ، فدل على أن الصغير يجزئ . وأن الواجب يختلف باختلاف الصغير والكبير ، وقياسا على سائر المضمونات فإنها تختلف مقادير الواجب فيها .

( والواجب ) عن الآية التي احتج بها أنها مطلقة وهنا مقيدة بالمثل ، وعن قياسهم على قتل الآدمي أن تلك الكفارة لا تختلف باختلاف أنواع الآدميين من حر وعبد ومسلم وذمي ، لم تختلف في قدرها بخلاف ما نحن فيه والله أعلم .

( وأما ) الصيد المعيب فمذهبنا أنه يفديه بمعيب ، وعن مالك يفديه بصحيح ، ودليلنا ما سبق في الصغير

( الخامسة ) إذا اشترك جماعة في قتل صيد وهم محرمون ، لزمهم جزاء واحد عندنا ، وبه قال عمر وعبد الرحمن بن عوف وابن عمر وعطاء والزهري وحماد وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود ، وقال الحسن والشعبي والنخعي والثوري ومالك وأبو حنيفة : يجب على كل واحد جزاء كامل ، ككفارة قتل الآدمي ، دليلنا أن المقتول واحد فوجب ضمانه موزعا ، كقتل العبد وإتلاف سائر الأموال .

( السادسة ) إذا قتل القارن صيدا لزمه جزاء واحد ، وإذا تطيب ولبس لزمه فدية واحدة . هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه وابن المنذر وداود ، وقال أبو حنيفة : يلزمه جزاءان وكفارتان ، وسبقت المسألة مع دليلنا عليهم

[ ص: 442 ] السابعة ) في النعامة بدنة عندنا وعند العلماء كافة ، منهم عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية وعطاء ومجاهد ومالك ، وآخرون إلا النخعي ، فحكى ابن المنذر عنه أن في النعامة وشبهها ثمنها ، دليلنا الآية .

( الثامنة ) مذهبنا أن الثعلب صيد يؤكل ويحرم على المحرم قتله ، فإن قتله لزمه الجزاء ، وبه قال طاوس والحسن وقتادة ومالك ، وهو إحدى الروايتين عن عطاء ، وقال عمرو بن دينار والزهري وابن المنذر . لا يحل أكله ولا يحرم على المحرم ، ولا فدية فيه ، وهو عندهم من السباع ، وقال أحمد أمره مشتبه .

( التاسعة ) مذهبنا أن في الضب جديا نص عليه الشافعي والأصحاب وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن جابر وعطاء أن فيه شاة وعن مجاهد حفنة من طعام ، وعن مالك قبضة من طعام ، فإن شاء أطعم وإن شاء صام ، وعن قتادة صاع من طعام وعن أبي حنيفة قيمته .

( العاشرة ) مذهبنا أن في الحمامة شاة ، سواء قتلها محرم أو قتلها حلال في الحرم وبه قال عثمان بن عفان وابن عباس وابن عمر ونافع بن عبد الحارث وعطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير وقتادة وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وقال مالك في حمامة الحرم شاة ، وحمام الحل القيمة ، وعن ابن عباس في حمامة الحل ثمنها وعن النخعي والزهري وأبي حنيفة ثمنها ، وعن قتادة درهم . دليلنا ما روى الشافعي والبيهقي بالإسناد الصحيح عن عثمان ونافع بن الحارث وابن عباس أنهم أوجبوا في الحمامة شاة .

( الحادية عشرة ) العصفور فيه قيمته عندنا ، وبه قال أبو ثور ، وقال الأوزاعي : مد طعام وعن عطاء نصف درهم ، وفي رواية عنه ثمنها عدلان . [ ص: 443 ] الثانية عشرة ) ما دون الحمام من العصافير ونحوها من الطيور تجب فيه قيمته عندنا ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والجمهور ، وهو الصحيح في مذهب داود ، وقال بعض أصحاب داود : لا شيء فيه لقوله تعالى - : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } فدل على أنه لا شيء فيما لا مثل له . واحتج أصحابنا بأن عمر وابن عباس وغيرهما أوجبوا الجزاء في الجرادة ، فالعصفور أولى .

وروى البيهقي بإسناده عن ابن عباس قال : في كل طير دون الحمام قيمته .

( الثالثة عشرة ) كل صيد يحرم قتله تجب القيمة في إتلاف بيضه ، سواء بيض الدواب والطيور ، ثم هو مخير بين الطعام والصيام ، وبه قال جماعة ، وقال مالك : يضمنه بعشر بدنة ، وقال المزني وبعض أصحاب داود : لا جزاء في البيض وسبقت .

( المسألة الرابعة عشرة ) إذا قتل الصيد على وجه لا يفسق به فالأصح عندنا أنه يجوز أن يكون القاتل أحد الحكمين كما سبق ، وبه قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما سبق عنه في قصة أربد ، وبه قال إسحاق بن راهويه وابن المنذر ، وقال النخعي ومالك : لا يجوز ، دليلنا فعل عمر مع عموم قول الله - تعالى - { يحكم به ذوا عدل } ولم يفرق بين القاتل وغيره

التالي السابق


الخدمات العلمية