صفحة جزء
قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( ثم يغسل يديه وهو فرض لقوله تعالى - { وأيديكم إلى المرافق } ويستحب أن يبدأ باليمنى ثم اليسرى ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم } فإن بدأ باليسرى جاز لقوله تعالى - { وأيديكم } ولو وجب الترتيب فيهما لما جمع بينهما )


( الشرح ) أما حديث أبي هريرة هذا فحديث حسن رواه أبو داود والترمذي وغيرهما في كتاب اللباس من سننهما بإسناد جيد ولفظه في أكثر كتب الحديث : { إذا لبستم وإذا توضأتم فابدءوا بأيامنكم وفي بعضها بميامنكم } كما هو في المهذب وكلاهما صحيح " الأيامن " جمع أيمن ، والميامن جمع ميمنة ، وقول المصنف : يبدأ باليمنى ثم باليسرى هو من باب التأكيد ولا حاجة إلى قوله : ثم باليسرى ، لأنه قد علم بقوله يغسل يديه ويبدأ باليمنى أن اليسرى بعدها ، وقد استعمل المصنف وغيره نظير هذه العبارة في مواضع كثيرة ويقال فيها كلها ما ذكرناه هنا . أما حكم المسألة : فغسل اليدين فرض بالكتاب والسنة والإجماع ، وتقديم اليمنى سنة بالإجماع وليس بواجب بالإجماع ، قال ابن المنذر : أجمعوا على أنه لا إعادة على من يبدأ بيساره ، وكذا نقل الإجماع فيه آخرون وحكى أصحابنا عن الشيعة أن تقديم اليمنى واجب ، لكن الشيعة لا يعتد بهم في الإجماع ، واحتج لهم بحديث أبي هريرة المذكور ولأصحابنا بما احتج [ ص: 418 ] به المصنف وهو قوله تعالى - { وأيديكم } ولو وجب الترتيب لبينه فقال " فاغسلوا وجوهكم وأيامنكم وشمائلكم " كما رتب في الأعضاء الأربعة . وروى البيهقي وغيره عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن تقديم اليمين فدعا بإناء فتوضأ وبدأ بالشمال ، وفي رواية : ما أبالي لو بدأت بالشمال . وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه رخص في تقديم الشمال ، وأما حديث أبي هريرة فمحمول على الاستحباب بدليل ما ذكرناه مع إجماع من يعتد به .

( فرع ) تقديم اليسار وإن كان مجزئا فهو مكروه كراهة تنزيه نص عليه الشافعي - رحمه الله تعالى - في الأم ومنه نقلته والله أعلم .

( فرع ) قال أصحابنا وغيرهم من العلماء : يستحب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء والغسل ولبس الثوب والنعل والخف والسراويل ودخول المسجد والسواك والاكتحال وتقليم الأظفار وقص الشارب ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة والخروج من الخلاء والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود والأخذ والعطاء وغير ذلك مما هو في معناه ، ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك كالامتخاط والاستنجاء ودخول الخلاء والخروج من المسجد وخلع الخف والسراويل والثوب والنعل وفعل المستقذرات وأشباه ذلك . ودليل هذه القاعدة أحاديث كثيرة في الصحيح ، منها حديث عائشة رضي الله عنها " قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في شأنه كله في طهوره وترجله وتنعله } رواه البخاري ومسلم ، وعن عائشة أيضا قالت : { كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه ، وكانت اليسرى لخلائه ، وما كان من أذى } ، حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح ، وعن حفصة رضي الله عنها : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه ، ويساره لما سوى ذلك } ، رواه أبو داود وغيره بإسناد جيد . وعن أم عطية رضي الله عنها { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهن في غسل ابنته رضي الله عنها : ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها } رواه البخاري ومسلم . [ ص: 419 ] وفي الباب حديث أبي هريرة المذكور في الكتاب { إذا لبستم وإذا توضأتم فابدءوا بأيامنكم } وثبت الابتداء في الوضوء باليمين من رواية عثمان وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم رضي الله عنهم وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا نزع بدأ بالشمال لتكون اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع } رواه البخاري ومسلم وعن أنس رضي الله عنه أنه قال : { من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى } رواه الحاكم في المستدرك في أوائل باب صفة الصلاة وقال : هو حديث صحيح على شرط مسلم

( فرع ) إنما يستحب تقديم اليمين في الوضوء في اليدين والرجلين وأما الكفان والخدان والأذنان فالسنة تطهيرهما معا فإن كان أقطع قدم اليمنى والله أعلم

التالي السابق


الخدمات العلمية