صفحة جزء
قال المصنف - رحمه الله تعالى ( والمستحب أن يغسل فوق المرفقين وفوق الكعبين لقوله صلى الله عليه وسلم : { تأتي أمتي يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء ، فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل } ) .


( الشرح ) هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة ، وفي رواية لمسلم عن نعيم قال : { رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ، ثم غسل اليسرى حتى أشرع في العضد ، ثم مسح رأسه ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ، ثم اليسرى حتى أشرع في الساق ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ } .

وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء ، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله } ، هذا لفظ رواية مسلم وعن أبي حازم قال : { كنت خلف أبي هريرة رضي الله عنه وهو يتوضأ للصلاة فكان يمر يده حتى تبلغ إبطيه فقلت : يا أبا هريرة ما هذا الوضوء ؟ فقال : سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء } رواه مسلم بلفظه هنا ، ورواه البخاري بمعناه في أواخر الكتاب في كتاب اللباس في إتلاف الصور ، وفيه التصريح ببلوغ أبي هريرة رضي الله عنه بالماء إبطيه وعن نعيم { أنه رأى أبا هريرة رضي الله عنه يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين ثم غسل رجليه حتى رفع إلى [ ص: 458 ] الساقين ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل } رواه مسلم ، والغرة بياض في وجه الفرس ، والتحجيل في يديه ورجليه ، ومعنى الحديث يأتون بيض الوجوه والأيدي والأرجل . أما حكم المسألة فاتفق أصحابنا على استحباب غسل ما فوق المرفقين والكعبين ، ثم إن جماعة منهم أطلقوا استحباب ذلك ولم يحدوا غاية الاستحباب بحد كما أطلقه المصنف - رحمه الله - ، وقال جماعة : يستحب إلى نصف الساق والعضد ، وقال القاضي حسين وآخرون : يبلغ به الإبط والركبة ، وقال البغوي : نصف العضد فما فوقه ونصف الساق فما فوقه والله أعلم .

( فرع ) اختلفت عبارات الأصحاب في المراد بتطويل الغرة ، فظاهر كلام المصنف - رحمه الله - أنها في اليدين والرجلين ، وكذا قاله إمام الحرمين رحمه الله في كتابه الأساليب في الخلاف في مسألة تكرار مسح الرأس ، ثم في مسألة مسح الأذنين ، وصاحب العدة وغيرهما ، وقال الغزالي - رحمه الله - : إذا قطعت يده فوق المرفق استحب إمساس الماء ما بقي من عضده ، فإن تطويل الغرة مستحب ، وهذا مما أنكر على الغزالي لتصريحه بأن الغرة تكون في اليد ، ولا خلاف عند أهل اللغة وغيرهم في أن الغرة مختصة بالوجه .

وقال القاضي حسين في تعليقه : إسباغ الوضوء سنة وإطالة للغرة ، وهو أن يستوعب جميع الوجه بالغسلة حتى يغسل جزءا من رأسه ، ويغسل اليدين إلى المنكبين ، والرجلين إلى الركبتين .

وقال المتولي : تطويل الغرة سنة ، وهو أن يغسل بعض مقدم رأسه مع الوجه ، وتطويل التحجيل سنة ، وهو أن يغسل بعض العضد مع المرفق وبعض الساق مع القدم .

وقال الرافعي - رحمه الله - : اختلف الأصحاب في ذلك ففرق بعضهم بين الغرة والتحجيل فقالوا : تطويل الغرة غسل مقدمات الرأس مع الوجه وكذا صفحة العنق ، وتطويل التحجيل غسل بعض العضد والساق وغايته استيعاب العضد والساق ، قال : وفسر كثيرون تطويل الغرة بغسل شيء من العضد والساق ، وأعرضوا عما حوالي الوجه ، قال : والأول أولى وأوفق لظاهر [ ص: 459 ] الحديث .

وقال الرافعي في موضع آخر عند استحباب غسل باقي العضد بعد القطع : إن قيل : كيف قال الغزالي يغسل الباقي لتطويل الغرة ، والغرة إنما هي في الوجه والذي في اليد التحجيل ؟ قلنا : تطويل الغرة والتحجيل نوع واحد من السنن ، فيجوز أن يكون قوله لتطويل الغرة إشارة إلى النوع ، على أن أكثرهم لا يفرقون بينهما ويطلقون تطويل الغرة في اليد ، قال : ورأيت بعضهم احتج عليه بقوله صلى الله عليه وسلم : { فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل } وإنما يمكن الإطالة في اليد ; لأن الوجه يجب استيعابه ، قال الرافعي : وهذا الاحتجاج ليس بشيء ; لأن الإطالة في الوجه أن يغسل إلى اللبة وصفحة العنق وهو مستحب نص عليه الأئمة ، هذا كلام الرافعي .

قلت : الصحيح أن الغرة غير التحجيل لقوله صلى الله عليه وسلم : { فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله } فهذا صريح في المغايرة بينهما ، ورواية الاقتصار على الغرة لا تخالف هذا ; لأن في هذا زيادة ، وزيادة الثقة مقبولة ، ولأنه قد يطلق أحد القرينين ويكون الآخر مرادا كقوله تعالى - : { سرابيل تقيكم الحر } أي : والبرد ، وإذا ثبت تغايرهما فأحسن ما فيه ما قدمناه عن المتولي والرافعي ، ومرادهما غسل جزء يسير من الرأس وما يلاصق الوجه من صفحة العنق ، وهذا غير الجزء الواجب الذي لا يتم غسل الوجه إلا به .

( فرع ) هذا الذي ذكرناه من استحباب غسل ما فوق المرفقين والكعبين هو مذهبنا لا خلاف فيه بين أصحابنا ، وهو مذهب أبي هريرة كما سبق .

وقال أبو الحسن بن بطال المالكي في شرح صحيح البخاري : هذا الذي قاله أبو هريرة لم يتابع عليه ، والمسلمون مجمعون على أن الوضوء لا يتعدى به ما حد الله ورسوله ولم يجاوز رسول الله صلى الله عليه وسلم قط مواضع الوضوء فيما بلغنا ، وهذا الذي قاله ابن بطال من الإنكار على أبي هريرة خطأ ; لأن أبا هريرة لم يفعله من تلقاء نفسه ، بل أخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك كما قدمناه عنه ، ولأن تفسير الراوي إذا لم يخالف الظاهر يجب قبوله على المذهب الصحيح لأهل الأصول ، وأما نقله الإجماع فلا يقبل مع خلاف أبي هريرة وأصحابنا ، وأما كون أكثر [ ص: 460 ] العلماء لم يذكروه ولم يقولوا به فلا يمنع كونه سنة بعد صحة الأحاديث فيه ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر : { فمن زاد على هذا فقد أساء } فالمراد زاد في العدد فغسل أكثر من ثلاث مرات ، كما سنوضحه قريبا إن شاء الله - تعالى - والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية