صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( ويجب أن يرتب الوضوء فيغسل وجهه ثم يديه ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه ، وحكى أبو العباس بن القاص قولا آخر أنه إن نسي الترتيب جاز والمشهور هو الأول والدليل عليه قوله تعالى { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } الآية فأدخل المسح بين ( الغسلين ) وقطع حكم النظير عن النظير ، فدل على أنه قصد إيجاب الترتيب ، ولأنه عبادة يشتمل على أفعال متغايرة يرتبط بعضها ببعض فوجب فيها الترتيب كالصلاة والحج ) .


( الشرح ) هذا الذي نقله ابن القاص قول قديم كذا ذكره في كتابه التلخيص ، قال إمام الحرمين : هذا القول إن صح فهو مرجوع عنه فلا يعد من المذهب قال أصحابنا : إن ترك الترتيب عمدا لم يصح وضوءه بلا خلاف [ ص: 470 ] وإن نسيه فطريقان المشهور القطع ببطلان وضوئه ( والثاني ) على قولين الجديد بطلانه والقديم صحته وسنوضح دليلهما في فرع في مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . وقوله : ( ولأنه عبادة تشتمل على أفعال ) فيه احتراز من الخطبة فإنها أقوال ولا يشترط ترتيب أركانها عند أصحابنا العراقيين . وقوله : ( متغايرة ) يعني : فرضا ونفلا ، وفيه احتراز من الطواف وقيل قوله أفعال متغايرة كلاهما احتراز من الغسل ، والأول أصح ، وهو الذي ذكره الشيخ أبو حامد الإسفراييني وغيره . وقوله : ( يرتبط بعضها ببعض ) معناه إذا غسل وجهه ويديه لا يستبيح شيئا مما حرم على المحدث حتى يتم وضوءه ، وفيه احتراز من الزكاة فإن كل جزء من المخرج عبادة تحتاج إلى نية عند الدفع ولا تقف صحة بعضها على بعض .

وأورد المصنف في تعليقه على هذه العلة ما إذا كان في بعض بدن الجنب جبيرة فإن طهارته تشتمل على أفعال متغايرة مسحا وغسلا ، ولا يجب فيها الترتيب وأجاب عنه بأن الغسل هو الأصل وهو غير مشتمل على أفعال متغايرة . وقوله : ( فدل على أنه قصد إيجاب الترتيب ) معنى قصد أراد فأطلق القصد على الإرادة وقد سبق إيضاح هذا وبسط الكلام فيه في باب نية الوضوء والله أعلم .

( فرع ) قد ذكر المصنف رحمه الله قولين في أن نسيان ترتيب الوضوء هل يكون ويصح الوضوء أم لا ؟ والأصح أنه ليس بعذر ومثله لو نسي الماء في رحله وصلى بالتيمم وكذا لو صلى أو صام أو توضأ بالاجتهاد فصادف قبل الوقت ، أو الإناء النجس ، أو تيقن الخطأ في القبلة ، أو صلى بنجاسة ناسيا أو جاهلا أو نسي القراءة في الصلاة أو رأوا سوادا فظنوه عدوا فصلوا صلاة شدة الخوف فبان شجرا ، أو دفع الزكاة إلى من ظنه فقيرا فبان غنيا ، أو مرض وقال أهل الخبرة : إنه معضوب فأحج عن نفسه فبرئ أو غلطوا في الوقوف بعرفة فوقفوا في اليوم الثامن ، أو باعه حيوانا على أنه بغل فبان حمارا أو عكسه .

ففي كل هذه المسائل خلاف ، فالأصح أنه لا يعذر في شيء منها . والخلاف في بعضها أقوى منه في بعضها ، والخلاف في كلها قولان إلا مسألة الوقوف والبيع فهو وجهان ، ومثله مسائل [ ص: 471 ] من هذا النوع مختلف فيها لكن الأصح فيها أنه يصح ويعذر . منها : لو نوى الصلاة خلف زيد هذا فكان عمرا أو على هذا الميت زيد فكان عمرا ، أو صلى على هذا الرجل فكان امرأة وعكسه أو باع مال مورثه وهو يظنه حيا فكان ميتا أو شرط في الزوج أو الزوجة نسبا أو وصفا فبان خلافه سواء كان أعلى من المشروط أم لا ، وأشباه هذا كثيرة ، وسنوضحها في مواضعها إن شاء الله تعالى ، ومقصودي بهذا الفرع وشبهه جمع النظائر والتنبيه على الضوابط وبالله التوفيق .

( فرع ) في مذاهب العلماء في ترتيب الوضوء قد ذكرنا أن مذهبنا أنه واجب وحكاه أصحابنا عن عثمان بن عفان وابن عباس ورواية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، وبه قال قتادة وأبو ثور وأبو عبيد وإسحاق بن راهويه وهو المشهور عن أحمد ، وقالت طائفة : لا يجب حكاه البغوي عن أكثر العلماء وحكاه ابن المنذر عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعطاء ومكحول والنخعي والزهري وربيعة والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك وأصحابهما والمزني وداود واختاره ابن المنذر ، وقال صاحب البيان : واختاره أبو نصر البندنيجي من أصحابنا ، واحتج لهم بآية الوضوء ، والواو لا تقتضي ترتيبا فكيفما غسل المتوضئ أعضاءه كان ممتثلا للأمر ، قالوا : روى ابن عباس رضي الله عنهما : { أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل وجهه ثم يديه ثم رجليه ثم مسح رأسه } ولأنها طهارة فلم يجب فيها ترتيب كالجنابة وكتقديم اليمين على الشمال والمرفق على الكعب ، ولأنه لو اغتسل المحدث دفعة واحدة ارتفع حدثه فدل على أن الترتيب لا يجب .

واحتج أصحابنا بالآية قالوا : وفيها دلالتان ( إحداهما ) التي ذكرها المصنف وهي أن الله تعالى ذكر ممسوحا بين مغسولات ، وعادة العرب إذا ذكرت أشياء متجانسة وغير متجانسة جمعت المتجانسة على نسق ثم عطفت غيرها لا يخالفون ذلك إلا لفائدة ، فلو لم يكن الترتيب واجبا لما قطع النظير عن نظيره . فإن قيل فائدته استحباب الترتيب فالجواب من وجهين ( أحدهما ) [ ص: 472 ] أن الأمر للوجوب على المختار وهو مذهب جمهور الفقهاء ( والثاني ) أن الآية بيان للوضوء الواجب لا للمسنون فليس فيها شيء من سنن الوضوء ( الدلالة الثانية ) أن مذهب العرب إذا ذكرت أشياء وعطفت بعضها على بعض تبتدئ الأقرب فالأقرب ، لا يخالف ذلك إلا لمقصود ، فلما بدأ سبحانه بالوجه ثم اليدين ثم الرأس ثم الرجلين دل على الأمر بالترتيب وإلا لقال فاغسلوا وجوهكم وامسحوا برءوسكم واغسلوا أيديكم وأرجلكم ، وذكر أصحابنا من الآية دليلين آخرين ضعيفين لا فائدة في ذكرهما إلا للتنبيه على ضعفهما لئلا يعول عليهما ( أحدهما ) أن الواو للترتيب ونقلوه عن الفراء وثعلب وزعم الماوردي أنه قول أكثر أصحابنا واستشهدوا عليه بأشياء وكلها ضعيفة الدلالة ، وكذلك القول بأن الواو للترتيب ضعيف .

قال إمام الحرمين في كتابه الأساليب : صار علماؤنا إلى أن الواو للترتيب وتكلفوا نقل ذلك عن بعض أئمة العربية واستشهدوا بأمثلة فاسدة قال : والذي نقطع به أنها لا تقتضي ترتيبا ومن ادعاه فهو مكابر ، فلو اقتضت لما صح قولهم : تقاتل زيد وعمرو . كما لا يصح تقاتل : زيد ثم عمرو . وهذا الذي قاله الإمام هو الصواب المعروف لأهل العربية وغيرهم .

( الدليل الثاني ) نقله أصحابنا عن أبي علي بن أبي هريرة ونقله إمام الحرمين عن علماء أصحابنا أن الله تعالى قال : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } فعقب القيام بغسل الوجه بالفاء ، والفاء للترتيب بلا خلاف ، ومتى وجب تقديم الوجه تعين الترتيب إذ لا قائل بالترتيب في البعض ، وهذا استدلال باطل وكأن قائله حصل له ذهول واشتباه فاخترعه وتوبع عليه تقليدا . ووجه بطلانه أن الفاء وإن اقتضت الترتيب لكن المعطوف على ما دخلت عليه بالواو مع ما دخلت عليه كشيء واحد كما هو مقتضى الواو ، فمعنى الآية : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا الأعضاء فأفادت الفاء ترتيب غسل الأعضاء على القيام إلى الصلاة لا ترتيب بعضها على بعض وهذا مما يعلم بالبديهة ولا شك أن السيد لو قال لعبده إذا دخلت السوق فاشتر خبزا وتمرا لم يلزمه تقديم الخبز بل كيف اشتراهما كان ممتثلا بشرط [ ص: 473 ] كون الشراء بعد دخول السوق كما أنه هنا يغسل الأعضاء بعد القيام إلى الصلاة . واحتج الأصحاب من السنة بالأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وكلهم وصفوه مرتبا مع كثرتهم وكثرة المواطن التي رأوه فيها وكثرة اختلافهم في صفاته في مرة ومرتين وثلاث وغير ذلك ، ولم يثبت فيه مع اختلاف أنواعه صفة غير مرتبة وفعله صلى الله عليه وسلم بيان للوضوء المأمور به . ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز كما ترك التكرار في أوقات . واحتجوا بحديث فيه ذكر الترتيب صريحا بحرف ثم لكنه ضعيف غير معروف واحتجوا من القياس بما ذكره المصنف رحمه الله : عبادة تشتمل على أفعال متغايرة إلخ ولأنه عبادة تشتمل على أفعال يبطلها الحدث فوجب ترتيبها كالصلاة ، وفيه احتراز من الغسل فإن قالوا : الوضوء ليس عبادة فقد سبق تقرير كونه عبادة في أول باب نية الوضوء .

وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية فهو أنها دليل لنا كما سبق . وعن حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه ضعيف لا يعرف ، وعن قياسهم على غسل الجنابة أن جميع بدن الجنب شيء واحد فلم يجب ترتيبه كالوجه بخلاف أعضاء الوضوء فإنها متغايرة متفاصلة . والدليل على أن بدن الجنب شيء واحد أنه لو جرى الماء من موضع منه إلى غيره أجزأه كالعضو الواحد في الوضوء ، بخلاف الوضوء فإنه لو انتقل من الوجه إلى اليد لم يجزئه . وأما الجواب عن تقديم اليمين فمن وجهين ( أحدهما ) أن الله تعالى رتب الأعضاء الأربعة وأطلق الأيدي والأرجل ولو وجب ترتيبهما لقال : وأيمانكم ( والثاني ) أن اليدين كعضو لانطلاق اسم اليد عليهما فلم يجب فيهما ترتيب كالخدين بخلاف الأعضاء الأربعة . وأما الجواب عن قولهم المحدث إذا انغمس ارتفع حدثه ، فهو أن من أصحابنا من قال : يرتفع ومن أصحابنا من [ ص: 474 ] منع كما سنوضح المسألة قريبا إن شاء الله تعالى ، فإن منعنا فذاك ، وإلا فالترتيب يحصل في لحظات لطيفة ، ولأن الغسل يرفع الحدث الأكبر فالأصغر أولى . وذكر إمام الحرمين في الأساليب الأدلة من الطرفين ثم قال الوضوء يغلب فيه التعبد والاتباع لأنا إذا أوجبنا الترتيب في الصلاة للاتباع مع أنا نعلم أن المقصود منها الخشوع والابتهال إلى الله تعالى فلم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه تنكيس الوضوء ولا التخيير فيه ولا التنبيه على جوازه ، ولم يؤثر عن فعل علماء المسلمين وعامتهم إلا الترتيب كما لم ينقل في أركان الصلاة إلا الترتيب وطريقهما الاتباع ، واستثنى منه تقديم اليمين بالإجماع والله أعلم . .

التالي السابق


الخدمات العلمية