صفحة جزء
قال المصنف - رحمه الله تعالى - . وأما غير الحيوان فضربان طاهر ونجس ( فأما ) النجس فلا يؤكل لقوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبائث } والنجس خبيث ، وروي { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الفأرة تقع في السمن إن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فأريقوه } فلو حل أكله لم يأمر بإراقته ( وأما ) الطاهر فضربان ( ضرب ) يضر ( وضرب ) لا يضر ، فما يضر لا يحل أكله كالسم والزجاج والتراب والحجر ، والدليل عليه قوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } وقوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } وأكل هذه الأشياء تهلكة فوجب أن لا يحل ، وما لا يضر يحل أكله كالفواكه والحبوب ، والدليل عليه قوله تعالى : { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق }


[ ص: 38 ] الشرح ) أما حديث فأرة السمن فبعضه في الصحيح وبعضه في غيره فعن ابن عباس عن ميمونة { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة سقطت في سمن فماتت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم خذوها وما حولها وكلوا سمنكم } رواه البخاري .

وفي رواية له { ألقوها وما حولها وكلوه } وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه } رواه أبو داود بإسناد صحيح ولم يضعفه وذكره الترمذي بإسناد أبي داود ثم قال : وهذا حديث غير محفوظ ، قال سمعت البخاري يقول هو خطأ ، قال : والصحيح حديث ابن عباس عن ميمونة وذكره البيهقي من رواية أبي داود ولم يضعفه ، فهو وأبو داود متفقان على السكوت عليه ، مع صحة إسناده ، قال الخطابي وروي في بعض الأخبار { وإن كان مائعا فأريقوه } .

( وأما ) السم والزجاج ففيهما ثلاث لغات فتح السين والزاي وضمهما وكسرهما والفصيح فتح السين وضم الزاي .

( أما الأحكام ) ففيها مسائل : ( إحداها ) قال أصحابنا يحرم أكل نجس العين ، كالميتة ولبن الأتان والبول وغير ذلك ، وكذا يحرم أكل المتنجس كاللبن والخل والدبس والطبيخ والدهن وغيرها إذا تنجست ، وهذا لا خلاف فيه ، وقد سبق في باب إزالة النجاسة وجه ضعيف أن الدهن يطهر بالغسل ، فعلى هذا الوجه إذا غسل طهر وحل أكله ودليل المسألة ما ذكره المصنف واعلم أنه يستثنى من قولهم : لا يحل أكل شيء نجس مسألة وهي الدود المتولد من الفواكه والجبن والخل والباقلا ونحوها ، فإنه إذا مات فيما تولد منه نجس بالموت على المذهب ، وفي حل أكل هذا الدود ثلاثة أوجه ( أصحها ) يحل أكله مع ما تولد منه لا منفردا ( والثاني ) يحل مطلقا [ ص: 39 ] والثالث ) يحرم مطلقا ، فعلى الصحيح يكون نجسا لا ضرر في أكله ، ويحل أكله معه ، فيحتاج إلى استثنائه ، والله سبحانه أعلم . ولو تنجس فمه حرم عليه الأكل والشرب قبل غسله ، لأن ما يصل إليه ينجس فيكون أكل نجاسة ، وينبغي أن يبالغ في غسله ، وقد سبقت هذه المسألة في آخر باب إزالة النجاسة .

( الثانية ) لا يحل أكل ما فيه ضرر من الطاهرات كالسم القاتل والزجاج والتراب الذي يؤذي البدن ، وهذا هو الذي يأكله بعض النساء وبعض السفهاء ، وكذلك الحجر الذي يضر أكله ، وما أشبه ذلك ، ودليله في الكتاب ، قال إبراهيم المروذي : وردت أخبار في النهي عن أكل الطين ، ولم يثبت شيء منها ، قال : وينبغي أن يحكم بالتحريم إن ظهرت المضرة فيه ، وقد جزم المصنف وآخرون بتحريم أكل التراب ، وجزم به القاضي حسين في باب الربا ، قال أصحابنا : ويجوز شرب دواء فيه قليل سم إذا كان الغالب منه السلامة واحتيج إليه ، قال إمام الحرمين : ولو تصور شخص لا يضره أكل السموم الطاهرة لم يحرم عليه إذ لا ضرر ، قال الروياني : والنبات الذي يسكر وليس فيه شدة مطربة يحرم أكله ، ولا حد على آكله . قال : ويجوز استعماله في الدواء ، وإن أفضى إلى السكر ما لم يكن منه بد ، قال : وما يسكر مع غيره ولا يسكر بنفسه إن لم ينتفع به في دواء وغيره فهو حرام ، وإن كان ينتفع به في التداوي حل التداوي به ، والله أعلم .

( الثالثة ) كل طاهر لا ضرر فيه فهو حلال إلا ثلاثة أنواع ، وذلك كالخبز والماء واللبن والفواكه والحبوب واللحوم الطاهرة وغير ذلك ، لما ذكره المصنف والإجماع ( وأما ) الأنواع الثلاثة المستثناة ( فأحدها ) المستقذرات كالمخاط والمني ونحوهما وهي محرمة على الصحيح المشهور ، وفيه وجه ضعيف حكاه إمام الحرمين وغيره أنها حلال ، وممن قال به في [ ص: 40 ] المني أبو زيد المروذي وحكم العرق حكم المني والمخاط ، وقد جزم الشيخ أبو حامد في تعليقه عقب كتاب السلم في مسألة بيع لبن الآدميات بأنه يحرم شرب العرق .

( الثاني ) الحيوان الصغير كصغار العصافير ونحوها يحرم ابتلاعه حيا بلا خلاف ، لأنه لا يحل إلا بذكاة ، هذا في غير السمك والجراد ( أما ) السمك والجراد فيحل ابتلاعهما في الحياة على أصح الوجهين .

( الثالث ) جلد الميتة المدبوغ في أكله ثلاثة أقوال أو أوجه سبقت ، في باب الآنية ( أصحها ) أنه حرام ( والثاني ) حلال ( والثالث ) إن كان جلد حيوان مأكول فحلال وإلا فلا . وهذه الثلاثة ترد على المصنف حيث لم يستثنها ، والله سبحانه أعلم .

( فرع ) قال الخطابي : اختلف العلماء في الزيت إذا وقعت فيه نجاسة ، فقال جماعة من أصحاب الحديث : لا يجوز الانتفاع به بوجه من الوجوه لقوله صلى الله عليه وسلم ( فلا تقربوه ) وقال أبو حنيفة : هو نجس لا يجوز أكله ولا شربه ، ويجوز الاستصباح به وبيعه . وقال الشافعي : لا يجوز أكله ولا بيعه ، ويجوز الاستصباح به . وقال داود : إن كان هذا سمنا لم يجز بيعه ولا أكله وشربه ، وإن كان زيتا لم يحرم أكله ولا بيعه ، وزعم أن الحديث مختص بالسمن ، وهو لا يقاس ، والله أعلم .

هذا كلام الخطابي ، وقد سبق في باب ما يكره لبسه ، وأن المذهب الصحيح جواز الاستصباح بالدهن النجس والمتنجس ، سواء ودك الميتة وغيره ، وسبقت هناك مذاهب العلماء في الانتفاع بالنجاسات ، والله أعلم .

( فرع ) وقعت فأرة ميتة أو غيرها من النجاسات في سمن أو زيت أو دبس أو عجين أو طبيخ أو غير ذلك ، قال أصحابنا : حكمه ما في الحديث الذي ذكره المصنف أنه إن كان مائعا نجسته ، وإن كان جامدا ألقيت النجاسة وما حولها ، وبقي الباقي طاهرا ، قالوا : وضابط الجامد [ ص: 41 ] أنه إذا أخذت منه قطعة لم يراد إلى موضعها منه على القرب ما يملؤها فإن تراد فمائع ، وقد سبقت هذه المسألة في باب إزالة النجاسة في مسألة ولوغ الكلب ، والله أعلم .

( فرع ) قال العبدري : لو نصب قدرا على النار وفيها لحم فوقع فيها طائر فمات ، فأخرج الطائر ، صار ما في القدر نجسا فيراق المرق ولا يجوز أكل اللحم إلا بعد غسله . هذا مذهبنا ، وبه قال ابن عباس وعن مالك روايتان ( إحداهما ) كمذهبنا ( وأصحهما ) عنه أنه يراق المرق ويرمى اللحم فلا يؤكل ، والله أعلم .

( فرع ) قال الغزالي في إحياء علوم الدين ، في أول كتاب الحلال والحرام : لو وقعت ذبابة أو نحلة في قدر طبيخ وتهرأت أجزاؤها فيه ، لم يحرم أكل ذلك الطبيخ ، لأن تحريم أكل الذباب والنمل ونحوه إنما كان للاستقذار ، ولا يعد هذا مستقذرا قال : ولو وقع فيه جزء من لحم آدمي ميت لم يحل أكل شيء من ذلك الطبيخ ، حتى لو كان لحم الآدمي وزن دانق حرام الطبيخ ، لا لنجاسته ، فإن الآدمي الميت طاهر على الصحيح ، ولكن لأن أكل الآدمي حرام لحرمته لا لاستقذاره ، بخلاف الذباب ، هذا كلام الغزالي ، والمختار الصحيح أنه لا يحرم الطبيخ في مسألة لحم الآدمي ، لأنه صار مستهلكا فهو كالبول وغيره إذا وقع في قلتين من الماء فإنه يجوز استعمال جميعه ما لم يتغير لأن البول صار باستهلاكه كالمعدوم ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية