صفحة جزء
قال المصنف - رحمه الله تعالى - وإن مر ببستان لغيره وهو غير مضطر لم يجز أن يأخذ منه شيئا بغير إذن صاحبه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : { لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه }


( الشرح ) هذا الحديث رواه البيهقي في كتاب الغصب من رواية علي بن زيد بن جدعان عن أبي حرة الرقاشي عن أبيه عن عمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه } وإسناده ضعيف ، علي بن زيد ضعيف .

وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فذكر الحديث وفيه : { لا يحل لامرئ من [ ص: 59 ] مال أخيه إلا ما أعطاه من طيب نفس } رواه البيهقي في كتاب الغصب بإسناد صحيح ، قال أصحابنا : إذا مر الإنسان بثمر غيره أو زرعه لم يجز أن يأخذ منه ، ولا أن يأكل منه بغير إذن صاحبه إلا أن يكون مضطرا فيأكل حينئذ ويضمن كما سبق ، قال أصحابنا : وحكم الثمار الساقطة من الأشجار حكم الثمار التي على الشجر ، إن كانت الساقطة داخل الجدار ، وإن كانت خارجة فكذلك إن لم تجر عادتهم بإباحتها فإن جرت فوجهان ( أحدهما ) لا يحل كالداخلة ، وكما إذا لم تجر عادتهم لاحتمال أن هذا المالك لا يبيح ( وأصحهما ) يحل لاطراد العادة المستمرة بذلك ، وحصول الظن بإباحته ، كما يحصل تحمل الصبي المميز الهدية ، ويحل أكلها والله أعلم .

( فرع ) هذا الذي ذكره الأصحاب حكم مال الأجنبي . أما القريب والصديق فإن تشكك في رضاه بالأكل من ثمره وزرعه وبيته لم يحل الأكل منه بلا خلاف وإن غلب على ظنه رضاه به ، وأنه لا يكره أكله منه جاز أن يأكل القدر الذي يظن رضاه به ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال والأموال ولهذا تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وفعل سلف الأمة وخلفها ، قال الله تعالى : { ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم } إلى قوله تعالى : { أو صديقكم } وبينت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من هذا ، والله أعلم .

( فرع ) في مذاهب العلماء فيمن مر ببستان غيره ، وفيه ثمار أو مر بزرع غيره ، فذهبنا أنه لا يجوز أن يأكل منه شيئا إلا أن يكون في حال الضرورة التي يباح فيها الميتة وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وداود والجمهور . وقال أحمد : إذا اجتاز به وفيه فاكهة رطبة وليس عليه حائط جاز له الأكل [ ص: 60 ] منه من غير ضرورة ولا ضمان عليه عنده في أصح الروايتين ، وفي الرواية الأخرى يباح له ذلك عند الضرورة ولا ضمان ، واحتج بما روى مجاهد عن أبي عياض أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ( من مر منكم بحائط فليأكل في بطنه ولا يتخذ خبنة ) وعن زيد بن وهب قال ( قال عمر رضي الله عنه : إذا كنتم ثلاثة فأمروا عليكم واحدا منكم فإذا مررتم براعي الإبل فنادوا يا راعي الإبل ، فإن أجابكم فاستسقوه ، وإن لم يجبكم فأتوها فحلوها واشربوا ثم صروها ) رواهما البيهقي ، وقال : هذا صحيح عن عمر بإسناديه جميعا ، قال : وهو محمول عندنا على حال الضرورة .

واحتج أصحابنا بالحديث الذي ذكره المصنف مع ما ذكرته مما سبق منه وبحديث ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا يحلبن أحدكم ماشية غيره إلا بإذنه ، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينتقل طعامه ؟ فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه } رواه البخاري ومسلم . وفي المسألة أحاديث كثيرة بمعنى ما ذكرته ، قال الشافعي - رحمه الله - : ومن مر لرجل بزرع أو ثمر أو ماشية أو غير ذلك من ماله لم يكن له أخذ شيء منه إلا بإذنه ، لأن هذا مما لم يأت فيه كتاب ولا سنة ثابتة بإباحته فهو ممنوع إلا بإذن مالكه قال : وقد قيل : من مر بحائط فليأكل ولا يتخذ خبنة ، وروي فيه حديث لو كان ثبت عندنا لم نخالفه ، والكتاب والحديث الثابت أنه لا يجوز أكل مال أحد إلا بإذنه ، قال البيهقي : فالحديث الذي أشار إليه الشافعي هو حديث يحيى بن سليم الطائفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من دخل حائطا فليأكل ولا يتخذ خبنة } " قال البيهقي : وقد أخبرنا أبو محمد السكري فذكر إسناده إلى يحيى بن معين قال : حديث يحيى بن سليم هذا عن عبيد الله في الرجل يمر بالحائط فيأكل منه ، قال : هذا غلط وقال أبو عيسى الترمذي : سألت [ ص: 61 ] محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال : يحيى بن سليم يروي أحاديث عن عبيد الله يهم فيها ، قال البيهقي : وقد جاء من أوجه أخر وليست بقوية ( منها ) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : سمعت { رجلا من مزينة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أسمع عن الضالة فذكر الحديث قال : ثم سأله عن الثمار يصيبها الرجل فقال : ما أخذ في أكمامه يعني رءوس النخل فاحتمله فثمنه ومثله معه وضرب نكال ، وما كان في أجرانه فأخذه ففيه القطع إذا بلغ ذلك ثمن المجن ، وإن أكل بفيه ولم يأخذ خبنة فليس عليه شيء } .

قال البيهقي : وهذا إن صح فمحمول عليه أنه ليس فيه قطع حين لم يخرجه من الحرز ، ( ومنها ) ما رواه أبو داود في سننه عن الحسن عن سمرة بن جندب { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه ، فإن أذن له فليحلب وليشرب ، وإن لم يكن ما فليصوت ثلاثا ، فإن أجابه فليستأذنه وإلا فليحلب وليشرب ولا يحمل . } قال البيهقي : أحاديث الحسن عن أصب لا يثبتها بعض الحفاظ ، ويزعم أنها من كتاب غير حديث العقيقة الذي ذكر فيه السماع ، فإن صح فهو محمول على حال الضرورة ( ومنها ) حديث يزيد بن هارون عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا أتى أحدكم على راع فليناد يا راعي الإبل ثلاثا ، فإن أجابه ، وإلا فليحلب وليشرب ، لا يحملن وإذا أتى أحدكم على حائط فليناد ثلاثا يا صاحب الحائط ، فإن أجابه فليأكل ولا يحملن } قال البيهقي : تفرد به سعيد الجريري وهو ثقة ، إلا أنه اختلط في آخر عمره ، وسماع يزيد بن هارون منه بعد اختلاطه فلا يصح ، قال : وقد [ ص: 62 ] روي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه ، ثم ذكره بإسناده عن شريك عن عبد الله بن عاصم قال : سمعت أبا سعيد الخدري يقول : { لا يحل لأحد أن يحل صرار ناقة إلا بإذن أهلها ، فإن خاتم أهلها عليها } ، فقيل لشريك : أرفعه ؟ قال : نعم " قال البيهقي : وهذا يوافق حديث ابن عمر الصحيح السابق ، ثم روى البيهقي بإسناده عن أبي عبيد القاسم بن سلام ، قال : إنما هذا الحديث يعني حديث عمر ، وحديث عمرو بن شعيب في الرخصة أنه أرخص فيه للجائع المضطر ، الذي لا شيء معه يشتري به وهو معسر ، وفي حديث ابن جريج عن عطاء قال : { رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للجائع المضطر إذا مر بالحائط أن يأكل منه ولا يتخذ خبنة } وعن الحجاج بن أرطاة عن سليط بن عبد الله التميمي عن ذهيل بن عوف بن أصب عن أبي هريرة قال : { كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ناس : يا رسول الله ما يحل للرجل من مال أخيه ؟ قال : أن يأكل ولا يحمل ، ويشرب ولا يحمل } قال البيهقي : هذا إسناده مجهول لا يقوم به حجة والحجاج بن أرطاة لا يحتج به ، قال : وقد روي من وجه آخر عن الحجاج ما دل على أنه في المضطر ، والله تعالى أعلم .

( فرع ) الضيافة سنة ، فإذا استضاف مسلم لا اضطرار به مسلما استحب له ضيافته ، ولا تجب ، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة ، وقال الليث بن سعد وأحمد بن حنبل : هي واجبة يوما وليلة ، قال أحمد : هي واجبة يوما وليلة على أهل البادية وأهل القرى دون أهل المدن ، واحتجوا بحديث أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه عليه جائزته ، قال : وما جائزته يا رسول الله ؟ قال : يومه وليلته ، والضيافة ثلاثة أيام ، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه ، ولا يحل لرجل مسلم يقيم عند أخيه حتى يؤثمه ، قالوا : يا رسول الله [ ص: 63 ] وكيف يؤثمه ؟ قال : يقيم عنده ولا شيء له يقريه به } رواه البخاري ومسلم ، وروى أبو داود في سننه عن أشهب قال : " سئل مالك رضي الله عنه عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : جائزته يوم وليلة فقال : يكرمه ويتحفه ويحفظه يوما وليلة وثلاثة أيام ضيافة " .

قال الخطابي : معناه أنه يتكلف له في اليوم الأول ما اتسع له من بر وإلطاف ، وأما في اليوم الثاني والثالث فيقدم له ما كان بحضرته ، ولا يزيد على عادته ، وما كان بعد الثلاث فهو صدقة ومعروف ، إن شاء فعل وإن شاء ترك ، قال : وقوله صلى الله عليه وسلم : " ولا يحل أن يقيم عنده حتى يؤثمه ، معناه لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد الثلاث من غير استدعاء منه حتى يوقعه في الإثم " وعن أبي كريمة المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ليلة الضيف حق على كل مسلم ، فمن أصبح بفنائه فهو عليه دين إن شاء اقتص ، وإن شاء ترك } رواه أبو داود بإسناد صحيح ، وعنه قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيما رجل أضاف قوما فأصبح الضيف محروما ، فإن نصره حق على كل مسلم ، حتى يأخذ بقرى ليلة من زرعه وماله } رواه أبو داود بإسناد حسن . وعن عقبة بن عامر قال : { قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا ، فما ترى ؟ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم } رواه مسلم في صحيحه ، ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه بأسانيد صحيحة .

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الضيافة ثلاثة أيام ، فما سوى ذلك فهو صدقة } رواه أبو داود بإسناد جيد ، واحتج أصحابنا والجمهور بالأحاديث السابقة في مسألة ثمار الإنسان وزرعه ( وأجابوا ) عن هذه الأحاديث الواردة في الضيافة بأنها محمولة على الاستحباب [ ص: 64 ] ومكارم الأخلاق ، وتأكد حق الضيف كحديث : { غسل الجمعة واجب على كل محتلم } أي متأكد الاستحباب وتأول بعض هذه الأحاديث الخطابي وغيره على المضطر ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية