صفحة جزء
قال المصنف - رحمه الله تعالى وإن ذكى ما يؤكل لحمه ووجد في جوفه جنينا ميتا حل أكله لما روى أبو سعيد قال قلنا : يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة وفي بطنها الجنين أنلقيه ؟ أم نأكله ؟ فقال { كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه } ولأن الجنين لا يمكن ذبحه فجعل ذكاة الأم ذكاة له وإن خرج الجنين حيا وتمكن من ذبحه لم يحل من غير ذبح وإن مات قبل أن يتمكن من ذكاته حل


( الشرح ) حديث أبي سعيد الخدري هذا رواه أبو داود بلفظه ، ورواه أبو داود أيضا والترمذي وابن ماجه من رواية مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ذكاة الجنين ذكاة أمه } قال [ ص: 146 ] الترمذي : حديث حسن ، قال : وقد روي من غير هذا الوجه عن أبي سعيد قال : والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ، قال : وفي الباب عن جابر وأبي أمامة وأبي الدرداء وأبي هريرة : هذا كلام الترمذي ، وهذه الرواية مع رواية المصنف التي نقلها عن سنن أبي داود مدارها على مجالد وهو ضعيف لا يحتج ، وقد قال الترمذي : إنه حديث حسن فلعله روي من طريق آخر تقوي بعضها ببعض فيصير حسنا ، كما قال الترمذي ، فإنه قد ذكر أنه روي من طريق آخر عن أبي سعيد ، ورواه البيهقي من طريق جابر مرفوعا { ذكاة الجنين ذكاة أمه } بإسناد جيد إلا أن فيه رجلا جرحه الأكثرون ، واحتج به البخاري في صحيحه ، ثم قال البيهقي : في الباب عن علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبي أيوب وأبي هريرة وأبي الدرداء والبراء بن عازب رضي الله عنهم مرفوعا ، فقد تعاضدت طرقه كما ترى ، فلهذا صار حديثا حسنا يحتج به كما قاله الترمذي ، والله سبحانه وتعالى أعلم . وقوله : { ذكاة الجنين ذكاة أمه } هو بالرفع في ذكاة أمه تقديره ذكاة الجنين حاصلة بذكاة أمه " .

( أما الأحكام ) فقال الشافعي والأصحاب : إذا ذبح المأكولة فوجد في جوفها جنينا ميتا فهو حلال بلا خلاف ، سواء أشعر أم لا ، قال الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه الفروق : إنما يحل إذا سكن في البطن عقب ذبح الأم ، أما إذا بقي زمنا طويلا يضطرب ويتحرك ، ثم سكن فوجهان ( الصحيح ) أنه حرام ، قال أصحابنا : ولو جرح الجنين وبه حركة مذبوح ثم مات حل ، لأنه في معنى الذي مات في البطن قبل الذبح ، وإن جرح وفيه حياة مستقرة وأمكن ذبحه فلم يذبحه حتى مات فهو حرام ، وإن لم [ ص: 147 ] يتمكن من ذبحه حتى مات فهو حلال كما قاله المصنف والأصحاب ، قياسا على الصيد ، ولو أخرج رأسه وفيه حياة مستقرة ثم ذبحت الأم فمات قبل انفصاله فوجهان ( أصحهما ) وبه قطع القفال : يحل ، لأن خروج بعض الولد كعدم خروجه في العدة وسائر الأحكام ( والثاني ) وبه قطع القاضي حسين والبغوي لا يحل إلا بذبحه ، لأنه مقدور عليه . قال البغوي : ولو أخرج رجله فقياس ما قال القاضي حسين أنه يجرحه بسكين ونحوه ليحل كما لو تردى بعير في بئر ، ولو وجد في جوف المذكاة مضغة لم تتبين فيها الصورة ، ولا تشكلت الأعضاء ، ففي حلها وجهان ، بناء على وجوب الغرة فيها ، وثبوت حكم الاستيلاد . والله أعلم .

( فرع ) في مذاهب العلماء في المسألة . مذهبنا أن الحيوان المأكول إذا ذكي فخرج من جوفه جنين ميت حل ، وبه قال العلماء كافة من الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم من علماء الأمصار إلا أبا حنيفة وزفر ، فقالا : لا يحل حتى يخرج حيا فيذكى . وقال مالك : إن خرج ميتا تام الخلق وتم شعره فحلال بذكاة الأم . وإن لم يتم ولم ينبت شعره فحرام . قال ابن المنذر : كان الناس على إباحته لا نعلم أحدا خالف ما قالوه إلى أن جاء أبو حنيفة فحرمه ، وقال : ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين : ونقل الخطابي أن ابن المنذر قال في كتاب آخر له : إنه لم يقل بقول أبي حنيفة أحد من العلماء غيره . قال : ولا أحسب أصحابه وافقوه عليه قال الخطابي : وقد ذهب أكثر العلماء إلى إباحته لكن اشترط بعضهم فيه الإشعار . واحتج لأبي حنيفة بأن ذكاة حيوان لا تكون ذكاة حيوان آخر . قال : وتأولوا حديث : { ذكاة الجنين ذكاة أمه } أي ذكاته كذكاة أمه أي [ ص: 148 ] ذكوه كما تذكون أمه . واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف من الحديث ، والقياس على الصيد ، قال الخطابي والأصحاب : وهذا المنقول عن رواية أبي داود المذكورة في الكتاب صريح في الدلالة لمذهبنا ، ومبطل لتأويلهم المذكور ، ولأن حقيقة الجنين ما كان في البطن ، وذبحه في البطن لا يمكن ، فعلم أنه ليس المراد أنه يذكى كذكاة أمه ، بل ذكاة أمه كافية في حله ، ومما يؤيد هذا أن في رواية البيهقي : { ذكاة الجنين في ذكاة أمه } وفي رواية له أيضا : { ذكاة الجنين بذكاة أمه } ولأنه لو كان المراد ما قالوه لم يكن للجنين مزية ، ولأنه يتبعها في العتق فيتبعها في الذكاة كالأعضاء ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية