صفحة جزء
قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( وإن تلف المبيع في يد المشتري في مدة الخيار ، فلمن له الخيار الفسخ والإمضاء ، لأن الحاجة التي دعت إلى الخيار باقية بعد تلف المبيع ، فإن فسخ وجبت القيمة على المشتري ، لأنه تعذر رد العين فوجب رد القيمة ، وإن أمضينا العقد ( فإن قلنا ) : إنه يملك بنفس العقد أو موقوف فقد هلك من ملكه ( وإن قلنا ) : يملك بالعقد وانقضاء الخيار وجب على المشتري قيمته ، والله أعلم )


[ ص: 262 ] الشرح ) قوله : ( وجبت قيمته ) قال : وجب بدله ، كان أحسن وأعم ليدخل فيه المثل فيما له مثل قال أصحابنا : إذا تلف المبيع في مدة الخيار في يد المشتري لم ينقطع الخيار ، بل يبقى الخيار في الفسخ والإمضاء لمن كان له ، لما ذكره المصنف وقال الخراسانيون : إذا تلف في يد المشتري ( فإن قلنا : ) الملك للبائع انفسخ البيع كالتلف ( وإن قلنا : ) للمشتري أو موقوف نظر إن أتلفه أجنبي بني على ما لو تلف بآفة سماوية ، وفيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى ( فإن قلنا : ) ينفسخ العقد هناك فهو كإتلاف الأجنبي المبيع قبل القبض ، وسيأتي حكمه إن شاء تعالى .

( وإن قلنا ) لا ينفسخ وهو الأصح فكذا هنا ، وعلى الأجنبي البدل وهو المثل إن كان مثليا وإلا فالقيمة ويبقى الخيار بحاله ، فإن تم البيع فالبدل للمشتري وإلا فللبائع ، وإن أتلفه المشتري استقر عليه الثمن ، فإن أتلفه في يد البائع ، وجعلنا إتلافه قبضا فهو كما لو تلف في يده ، وإن أتلفه البائع في يد المشتري قال المتولي : يبنى على إتلافه كإتلاف الأجنبي ؟ أم كالتلف بآفة سماوية ؟ وفيه خلاف مشهور فقال القاضي حسين : إن أتلفه البائع في يد نفسه وقلنا : الملك له انفسخ العقد له ( وإن قلنا : ) للمشتري ففي انفساخه قولان ( إن قلنا : ) لا ينفسخ بطل خيار البائع ، وفي خيار المشتري وجهان ( وإن قلنا : ) لا يبطل ففسخ فذاك فإن أجاز أخذ من البائع القيمة ، ورجع إليه بالثمن .

( فرع ) قال أصحابنا : إذا تلف المبيع بآفة سماوية في زمن الخيار - فإن كان قبل القبض - انفسخ البيع ، وإن كان بعده ( وقلنا ) الملك للبائع انفسخ أيضا ، فيسترد الثمن ويغرم المشتري للبائع البدل ، وهو المثل أو القيمة ، وفي كيفية القيمة الخلاف المشهور في كيفية غرامة المقبوض بالسوم ( وإن قلنا : ) الملك للمشتري أو موقوف فوجهان أو قولان ( أحدهما ) ينفسخ أيضا لحصول الهلاك قبل استقرار العقد ( وأصحهما ) لا ينفسخ [ ص: 263 ] لدخوله في ضمان المشتري بالقبض ، ولا أثر لولاية الفسخ كما في خيار العيب ، فإن قلنا بالانفساخ فعلى المشتري القيمة . قال إمام الحرمين : وهنا نقطع باعتبار قيمة يوم التلف لأن الملك قبل ذلك للمشتري .

( فإن قلنا : ) بعدم الانفساخ ففي انقطاع الخيار وجهان ( أحدهما ) ينقطع كما ينقطع خيار الرد بالعيب بتلف المبيع ( وأصحهما ) لا كما لا يمتنع التخالف بثمن المبيع ، ويخالف الرد بالعيب لأن الضرر هناك يندفع بالأرش ( فإن قلنا ) بالأول استقر العقد ولزم الثمن ( وإن قلنا ) بالثاني فإن تم العقد وجب الثمن وإلا وجبت القيمة على المشتري ، ويرد الثمن ، وإن تنازعا في قدر القيمة فالقول قول المشتري بيمينه ، وقطعت طائفة من الأصحاب بعدم الانفساخ ( وإن قلنا : ) الملك للبائع وهو ظاهر كلام المصنف قال الإمام : وذكروا تفريعا أنه لو لم ينفسخ حتى انقضى زمن الخيار فعلى البائع رد الثمن ، وعلى المشتري القيمة ، قال الإمام : وهذا تخليط ظاهر ، والله أعلم .

( فرع ) لو تلف بعض المبيع في زمن الخيار بعد أن قبض المشتري بأن اشترى عبدين فقبضهما فتلف أحدهما ففي الانفساخ في التالف الخلاف للسابق ، فإن انفسخ جاء في الآخر قولا تفريق الصفقة ، وإن لم ينفسخ بقي خياره في الباقي إن قلنا : يجوز رد أحد العبدين إذا اشتراهما بشرط الخيار ، وإلا ففي بقاء الخيار في الباقي الوجهان وإذا بقي الخيار فيه ففسخ رده مع قيمة التالف .

( فرع ) لو قبض المبيع في زمن الخيار ثم أودعه عند البائع فتلف في يده فهو كما لو تلف في يد المشتري ، حتى إذا فرعنا على أن الملك للبائع : ينفسخ البيع ويسترد الثمن ويغرم القيمة ، هكذا جزم به الدارمي وآخرون وحكاه إمام الحرمين عن الصيدلاني ثم أبدى احتمالا لنفسه في سقوط القيمة لحصول التلف بعد العود إلى يد المالك . ونقل القاضي حسين [ ص: 264 ] عن نص الشافعي أن المشتري يلزمه القيمة قال القاضي : وهذا تفريع على أن الملك للمشتري ، وقد تلف في يده لأن يد المستودع يد المودع حكما ( قال ) وفيه قول آخر إنه لا ينفسخ العقد والله أعلم .

( فرع ) قال أصحابنا : لا يجب على البائع تسليم المبيع ، وعلى المشتري تسليمه الثمن في مدة الخيار ، فلو تبرع أحدهما بالتسليم لم يبطل خياره ولا يجبر الآخر على تسليم ما عنده ، وله استرداد المدفوع ، هذا هو المذهب وفيه وجه ضعيف أنه ليس له استرداده ، وله أخذ ما عند صاحبه بغير رضاه ، وممن حكى هذا الوجه الرافعي .

( فرع ) قال : لو اشترى زوجته بشرط الخيار ثم خاطبها بالطلاق في زمن الخيار فإن تم العقد وقلنا : الملك للمشتري أو موقوف لم يقع الطلاق ( وإن قلنا ) للبائع وقع على أصح الوجهين وإن فسخ ( وقلنا ) هو للبائع أو موقوف وقع ( وإن قلنا : ) للمشتري فوجهان ، وليس له الوطء في زمن الخيار لأنه لا يدري أيطأ بالملك أو بالزوجية ؟ هذا هو الصحيح المنصوص وفيه وجه ضعيف أن له الوطء . قال الروياني : فإن تم البيع فهل يلزمه استبراؤها ؟ فيه وجهان بناء على جواز الوطء ( إن حرمناه ) وجب الاستبراء وإلا فلا . قال : وإن انفسخ البيع ( فإن قلنا ) الملك للبائع أو موقوف فالنكاح بحاله ( وإن قلنا ) الملك للمشتري فوجهان أحدهما ينفسخ لحصوله في ملكه ( والثاني ) قال وهو ظاهر مذهب الشافعي - رحمه الله - أن النكاح بحاله ، لأن ملكه غير مستقر ، قال الروياني : ولو طلقها ثم استبرأها ثم راجعها في مدة الخيار ، فإن تم البيع فالرجعة باطلة ، وإن فسخ فإن قلنا : لا يملك بالعقد أو قلنا موقوف صحت الرجعة ( وإن قلنا ) يملك بنفس العقد ففي صحة الرجعة وجهان .

[ ص: 265 ] فصل ) في مسائل وفروع تتعلق بباب الخيار في البيع ( منها ) ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ، ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار } وفي رواية { إلا أن يكون البيع خيارا } وفي رواية : { أو يخير أحدهما صاحبه } وفي رواية : { أو يقول لصاحبه اختر } واختلف العلماء من أصحابنا وغيرهم في معنى قوله صلى الله عليه وسلم " إلا بيع الخيار " على ثلاثة أقوال جمعها القاضي حسين في تعليقه والروياني وآخرون من أصحابنا ( أصحها ) المراد التخيير بعد تمام العقد ، وقبل مفارقة المجلس ، وتقديره : لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس ، فيلزمه البيع بنفس التخاير ، ولا يدوم إلى المفارقة ( والثاني ) معناه إلا بيعا شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام أو دونها ، فلا ينقضي الخيار فيه بالمفارقة بل يبقى حتى تنقضي المدة المشروطة ( والثالث ) معناه إلا بيعا شرط فيه أن لا خيار لهما في المجلس ، فيلزمه البيع بمجرد العقد ، ولا يكون فيه خيار ، وهذا على الوجه الضعيف السابق لأصحابنا فيما إذا تبايعا على أن لا خيار ، وقلنا : يصح البيع ولا خيار ، فهذا ينفسخ على الأقوال المذكورة في تفسيره واتفق أصحابنا على ترجيح القول الأول ، وهو المنصوص للشافعي ونقلوه عنه ، وأبطل كثير من أصحابنا ما سواه ، وغلطوا قائله ، وممن رجحه من المحدثين البيهقي فقال : الروايتان الأخيرتان من الروايات التي ذكرتها تدل على أن المراد بالقول الأول الأولى ثم بسط دلائله وضعف ما يعارضها ثم قال : وذهب كثيرون من أهل العلم إلى تضعيف الأثر المنقول عن عمر رضي الله عنه " البيع صفقة أو الخيار وأن البيع لا يجوز فيه شرط قطع الخيار ، وأن المراد ببيع الخيار التخيير بعد البيع ، أو بيع شرط فيه خيار ثلاثة أيام ، فلا ينقطع خيارهما بالتفرق " ثم قال : والصحيح أن المراد التخيير بعد البيع لأن نافعا ربما عبر عنه ببيع الخيار وربما فسره ، قال : والذي يبين هذا رواية أبي داود عن نافع عن ابن عمر قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 266 ] { البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يكون بيع خيار ، قال : وربما قال نافع أو يقول أحدهما للآخر : اختر } رواه مسلم في صحيحه " هذا كلام البيهقي .

وممن قال بالقول الأول أيضا من المحدثين الترمذي فقال في جامعه المشهور : معناه إلا أن يخير البائع المشتري بعد إيجاب البيع ، فإذا أحضره فاختار البيع ، وليس لهما خيار بعد ذلك في فسخ البيع ، وإن لم يتفرقا ، قال : هكذا فسره الشافعي وغيره ، وهكذا نقل الشيخ أبو حامد والأصحاب هذا التفسير عن الشافعي ، وجزم به كثيرون ومن ذكر منهم خلافا صححه ، ونقل ابن المنذر في الإشراف هذا التفسير عن سفيان الثوري والأوزاعي وسفيان بن عيينة وعبيد الله بن الحسن العنبري والشافعي وإسحاق بن راهويه ، والله أعلم .

( فرع ) قال المزني في المختصر : قال الشافعي : وكل متبايعين في سلعة وعين وصرف وغيره فلكل واحد منهما الخيار حتى يتفرقا تفرق الأبدان إلى آخره ، قال القاضي حسين والروياني وغيرهما : غلط المزني في قوله : سلعة وعين ، فإنهما شيء واحد ، وإنما قال الشافعي : في سلف بالفاء أو عين وأراد بالسلف السلم ، وأما قوله : " تفرق الأبدان " فاحتراز من تأويل أبي حنيفة فإنه يقول : المراد بالحديث حتى يتفرقا بالقول ، وهو تمام عقد البيع ، والله سبحانه أعلم

( فرع ) قال الشافعي في مختصر المزني : ولا بأس بنقد الثمن في بيع الخيار . قال أصحابنا : أراد بنقد الثمن تسليمه إلى البائع ، قال أصحابنا : فلا يكره تسليم الثمن في مدة الخيار إلى البائع ، وتسليمه المبيع إلى المشتري في مدة الخيار . هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة ، وقال مالك : يكره تسليم الثمن في مدة الخيار ، وإنما يسلم بعدها ، قال : لأن قبضه تصرف ، ولا يجوز التصرف فيه قبل انقضاء الخيار ، ولأنه يصير بيعا [ ص: 267 ] وسلفا ، فإنه إذا سلم إليه الثمن ثم فسخا البيع استرجع الثمن منه ، فيصير كأنه أقرضه الثمن واسترجعه منه قبل التصرف ، وقد نهي عن بيع وسلف .

واحتج أصحابنا بأن القبض حكم من أحكام العقد ، فكان في مدة الخيار كالفسخ والإمضاء ولأنه لا ضرر في قبضه في مدة الخيار ، وما لا ضرر فيه لا يمنع منه ، لأن امتناع التسليم قبل انقضاء الخيار لحق المتعاقدين ، فإذا تراضيا عليه جاز كالإقالة وغيره ( وأما ) قوله : القبض تصرف فلا يسلمه أصحابنا ، وكذا لا يسلمون أن هذا بيع وسلف ، ولا يؤدي إليه ولا ما في معناه ، والله أعلم . قال أصحابنا : وإذا سلم المشتري الثمن إلى البائع في مدة الخيار أو سلم البائع المبيع إلى المشتري لا يسقط خيارهما بلا خلاف عندنا . ونقل القاضي حسين عن مالك إسقاط الخيار لأنه يتضمن الرضى ، واحتج أصحابنا بأن مقصوده بالتسليم الخلاص من عهدة ضمانه ، قال القاضي حسين : وهل له بعد ذلك أن ينزعه من يد صاحبه عند استيفاء العوض الآخر ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) له ، لأن هذا التسليم لا يسقط الخيار فلا يسقط حق الحبس ( والثاني ) ليس به ، لتضمنه إسقاط حق الحبس .

( فرع ) إذا ألحقنا بالحبس في مدة خيار المجلس أو خيار الشرط زيادة في الثمن أو نقصا أو زيادة خيار أو أجازا وشرطا نقدا أو نحو ذلك ، فهل يلحق ؟ فيه ثلاثة أوجه سنذكرها بفروعها مبسوطة إن شاء الله تعالى في باب ما يفسد البيع من الشرط ( أصحها ) أنه كالمقارن للعقد ( والثاني ) أنه لغو ( والثالث ) إن كان في خيار المجلس فكالمقارن وإن كان في خيار الشرط فلغو والله أعلم .

( فرع ) قال صاحب البحر : إذا تقابضا الثمن والمثمن في مدة الخيار ثم تفاسخا لزمهما ترداد العوضين ، وليس لواحد منهما حبس ما في يده [ ص: 268 ] بعد طلب صاحبه ، فليس له إذا طلب صاحبه أن يقول : لا أرد حتى ترد أنت ، بل إذا بدأ أحدهما بالمطالبة لزم الآخر الدفع إليه ، ثم يرد ما كان في يده قال : بخلاف ما لو قال البائع : لا أسلم المبيع حتى يسلم الثمن ، وقال المشتري : لا أسلم الثمن حتى يسلم المبيع ، فإن كل واحد حبس ما في يده حتى يدفع صاحبه على الخلاف المشهور فيه ، والفرق أن الفسخ هنا رفع حكم العقد وبقي التسليم بحكم اليد دون العقد ، واليد توجب الرد ، وهناك التسليم بالعقد والعقد يوجب التسليم من الجانبين .

( فرع ) في مذاهب العلماء في شرط الخيار ، وهو جائز بالإجماع واختلفوا في ضبطه ، فمذهبنا أنه يجوز ثلاثة أيام فما دونها ولا يجوز أكثر ، وبه قال أبو حنيفة وعبد الله بن شبرمة وزفر والأوزاعي في رواية عنه وقال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وعبيد الله بن الحسن العنبري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد وابن المنذر وداود وفقهاء المحدثين يجوز في كل شيء بقدر الحاجة فيه ، فيجوز في الثوب ونحوه اليوم واليومان ، وفي الجارية ونحوها ستة أيام وسبعة ، وفي الدار نحو الشهر .

( فرع ) في مذاهبهم إذا تبايعا بشرط الخيار غير مؤقت ، مذهبنا بطلان البيع لأن فيه غررا وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه ، وقال أحمد وإسحاق : البيع صحيح ، وأن الخيار باطل ، وقال الأوزاعي وابن أبي ليلى : البيع صحيح والشرط باطل ، لقوله صلى الله عليه وسلم : { كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل } قالا : وهذا ظاهر في إبطال الشرط وصحة البيع ، وقال مالك : البيع صحيح ويثبت لهما الخيار مدة تليق بذلك البيع والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية