صفحة جزء
[ ص: 310 ] قال المصنف - رحمه الله تعالى - ولا يجوز بيع المعدوم كالثمرة التي لم تخلق لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن بيع الغرر } والغرر ما انطوى عنه أمره ، وخفي عليه عاقبته ، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها في وصف أبي بكر رضي الله عنه " فرد نشر الإسلام على غره " أي على طيه والمعدوم قد انطوى عنه أمره ، وخفي عليه عاقبته ، فلم يجز بيعه ، وروى جابر رضي الله عنه " { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المعاومة - وفي بعضها - عن بيع السنين }


( الشرح ) حديث أبي هريرة رواه مسلم وحديث جابر رواه مسلم أيضا ولفظه : { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين } وفي رواية أبي داود ذكر السنين والمعاومة ، كما ذكره المصنف وإسناده إسناد الصحيح ولفظ المعاومة في الترمذي أيضا ، وقال : هو حديث حسن صحيح ، وفي رواية لمسلم : بيع تمر سنتين . وهو مفسر لبيع السنين وبيع المعاومة . ( وأما ) الأثر المذكور عن عائشة فمشهور من جملة خطبتها المشهورة التي ذكرت فيها أحوال أبيها وفضائله ، و ( قولها : ) نشر الإسلام هو بفتح النون والشين ، والإسلام مجرور بالإضافة أي رد ما انتشر من الإسلام ودخله من الاختلاف وتفرق الكلمة إلى ما كان عليه في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وهو المراد بقولها : على غره والله تعالى أعلم .

( أما حكم المسألة ) فبيع المعدوم باطل بالإجماع ونقل ابن المنذر وغيره إجماع المسلمين على بطلان بيع الثمرة سنتين ونحو ذلك .

[ ص: 311 ] فرع ) الأصل أن بيع الغرر باطل لهذا الحديث ، والمراد ما كان فيه غرر ظاهر يمكن الاحتراز عنه ( فأما ) ما تدعو إليه الحاجة ولا يمكن الاحتراز عنه كأساس الدار وشراء الحامل مع احتمال أن الحمل واحد أو أكثر وذكر أو أنثى ، وكامل الأعضاء أو ناقصها ، وكشراء الشاة في ضرعها لبن ، ونحو ذلك فهذا يصح بيعه بالإجماع ونقل العلماء الإجماع أيضا في أشياء غررها حقير ( منها ) أن الأمة أجمعت على صحة بيع الجبة المحشوة ، وإن لم ير ; حشوها ولو باع حشوها منفردا لم يصح . وأجمعوا على جواز إجارة الدار وغيرها شهرا ، مع أنه قد يكون ثلاثين يوما ، وقد يكون تسعة وعشرين . وأجمعوا على جواز دخول الحمام بأجرة وعلى جواز الشرب من ماء السقاء بعوض مع اختلاف أحوال الناس في استعمال الماء أو مكثهم في الحمام . قال العلماء : مدار البطلان بسبب الغرر ، والصحة مع وجوده على ما ذكرناه ، وهو أنه إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة ، أو كان الغرر حقيرا جاز البيع ، وإلا فلا ، وقد تختلف العلماء في بعض المسائل كبيع العين الغائبة ، وبيع الحنطة في سنبلها ، ويكون اختلافهم مبنيا على هذه القاعدة ، فبعضهم يرى الغرر يسيرا لا يؤثر ، وبعضهم يراه مؤثرا ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية