صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( الربا محرم ، والأصل فيه قوله تعالى : { وأحل الله البيع وحرم الربا } وقوله تعالى { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } روي في التفسير حين يقوم من قبره ، وروى ابن مسعود رضي الله عنه قال : " { لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه } ) .


( الشرح ) المس الجنون قال العلماء من المفسرين وغيرهم : قوله تعالى { الذين يأكلون الربا } معناه يتعاملون به بيعا أو شراء ، وإنما خص الأكل بالذكر لأنه معظم المقصود ، كما قال تعالى : ( { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } ) وقوله تعالى : ( { لا يقومون } أي يوم القيامة من قبورهم ( { إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان } ) قال أهل التفسير واللغة : [ ص: 487 ] التخبط هو الضرب على غير الاستواء ، ويقال : خبط البعير إذا ضرب بأخفافه ، ويقال للرجل الذي يتصرف تصرفا رديئا ولا يهتدي فيه : هو يخبط خبط عشواء ، وهي الناقة الضعيفة البصر ، قالوا : فمعنى الآية أن الشيطان يصيبه بالجنون حين يقوم من قبره فيبعث مجنونا ، فيعرف أهل الموقف أنه من أكلة الربا .

( وأما ) حديث ابن مسعود المذكور في الكتاب فصحيح رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وآخرون بأسانيد صحيحة ، قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح ، وهو من رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ، وقد قال يحيى بن معين : إنه لم يسمع أباه ، ولكن قال علي بن المديني والأكثرون المحققون : سمعه ، وهي زيادة علم ورواه مسلم في صحيحه من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، ووقع في المهذب وسنن أبي داود : ( وشاهده ) بالإفراد وفي الترمذي ( وشاهديه ) بالتثنية .

أما الأحكام فقد أجمع المسلمون على تحريم الربا ، وعلى أنه من الكبائر ، وقيل : إنه كان محرما في جميع الشرائع ، وممن حكاه الماوردي والله سبحانه وتعالى أعلم .

( فرع ) قال الماوردي : اختلف أصحابنا فيما جاء به القرآن من تحريم الربا على وجهين ( أحدهما ) أنه مجمل فسرته السنة ، وكل ما جاءت به السنة من أحكام الربا فهو بيان لمجمل القرآن ، نقدا كان أو نسيئة ( والثاني ) أن التحريم الذي في القرآن إنما تناول ما كان معهودا للجاهلية من ربا النساء ، وطلب الزيادة في المال بزيادة الأجل ، وكان أحدهم إذا حل أجل دينه ولم يوفه الغريم أضعف له المال وأضعف الأجل ، ثم يفعل كذلك عند الأجل الآخر ، وهو معنى قوله تعالى : [ ص: 488 ] { لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } ) قال : ثم وردت السنة بزيادة الربا في النقد مضافا إلى ما جاء به القرآن ، قال : وهذا قول أبي حامد المروذي .

( فرع ) يستوي في تحريم الربا الرجل والمرأة ، والعبد والمكاتب بالإجماع ، ولا فرق في تحريمه بين دار الإسلام ودار الحرب ، فما كان حراما في دار الإسلام كان حراما في دار الحرب ، سواء جرى بين مسلمين ، أو مسلم وحربي ، سواء دخلها بأمان أم بغيره هذا مذهبنا ، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف والجمهور . قال أبو حنيفة : لا يحرم الربا في دار الحرب بين المسلم وأهل الحرب ، ولا بين مسلمين لم يهاجرا منها ، وإذا باع مسلم لحربي في دار الحرب درهما بدرهمين أو أسلم رجلان فيها ولم يهاجرا فتبايعا درهما بدرهمين جاز ، واحتج له بما روي عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب } ولأن أموال أهل الحرب مباحة بغير عقد ، فالعقد الفاسد أولى . واحتج أصحابنا بعموم القرآن والسنة في تحريم الربا من غير فرق ، ولأن ما كان ربا في دار الإسلام كان ربا محرما في دار الحرب ، كما لو تبايعه مسلمان مهاجران ، وكما لو تبايعه مسلم وحربي في دار الإسلام ، ولأن ما حرم في دار الإسلام حرم هناك ، كالخمر وسائر المعاصي ، ولأنه عقد على ما لا يجوز في دار الإسلام ، فلم يصح كالنكاح الفاسد هناك ( والجواب ) عن حديث مكحول أنه مرسل ضعيف فلا حجة فيه ، ولو صح لتأولنا على أن معناه لا يباح الربا في دار الحرب جمعا بين الأدلة . [ ص: 489 ] وأما ) قولهم : إن أموال الحربي مباحة بلا عقد ، فلا نسلم هذه الدعوى إن دخلها المسلم بأمان ، فإن دخلها بغير أمان فالعلة منتقضة كما إذا دخل الحربي دار الإسلام فبايعه المسلم فيها درهما بدرهمين ، وأنه لا يلزم من كون أموالهم تباح بالاغتنام استباحتها بالعقد الفاسد ولهذا تباح أيضا على نسائهم بالسبي دون العقد الفاسد .

التالي السابق


الخدمات العلمية