صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( وما سوى الذهب والفضة والمأكول والمشروب لا يحرم فيها الربا ، فيجوز بيع بعضها ببعض متفاضلا ونسيئة ، ويجوز فيها التفرق قبل التقابض ، [ ص: 500 ] لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال : { أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أجهز جيشا فنفدت الإبل فأمرني أن آخذ على قلاص الصدقة ، فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة } وعن علي كرم الله وجهه " أنه باع جملا إلى أجل بعشرين بعيرا " وباع ابن عباس رضي الله عنه بعيرا بأربعة أبعرة " واشترى ابن عمر رضي الله عنه " راحلة بأربع رواحل ، ورواحله بالربذة " " واشترى رافع بن خديج رضي الله عنه بعيرا ببعيرين فأعطاه أحدهما ، وقال آتيك بالآخر غدا " ولا يجوز بيع نسيئة بنسيئة ، لما روى ابن عمر رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ } قال أبو عبيدة : هو النسيئة بالنسيئة )


( الشرح ) حديث ابن عمرو بن العاص رواه أبو داود وسكت عليه ، فيقتضي أنه عنده حسن كما سبق تقريره ، وإن كان في إسناده نظر ، لكن قال البيهقي : له شاهد صحيح فذكره بإسناده الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص " { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشا ، قال عبد الله : وليس عندنا ظهر ، قال : فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبتاع ظهرا إلى خروج التصدق ، فابتاع عبد الله البعير بالبعيرين وبالأبعرة إلى خروج التصدق بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم } " وهذه الرواية رواها أيضا الدارقطني بإسناد صحيح .

( وأما ) الأثر المذكور عن علي رضي الله عنه فرواه مالك في الموطأ والشافعي في مسنده ، وفي الأم بإسناد صحيح عن حسين بن محمد بن علي " أن عليا بن أبي طالب رضي الله عنه باع جملا له عصيفير بعشرين بعيرا إلى أجل " لكن في إسناده انقطاع من طريق حسين بن محمد بن علي فلم يدركه ( وأما ) الأثر عن ابن عمر فصحيح رواه مالك في الموطأ والشافعي عن مالك عن نافع ، ذكره البخاري في صحيحه تعليقا ( وأما الأثر ) عن رافع بن خديج فصحيح ذكره البخاري في صحيحه تعليقا ( وأما ) حديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ فرواه الدارقطني والبيهقي بإسناد ضعيف ، مداره على موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف .

( أما ) ألفاظ الفصل : القلاص - بكسر القاف - جمع قلص والقلص جمع قلوص وهي الناقة الشابة ذكره الجوهري وغيره ( وقوله : ) أخذ من [ ص: 501 ] قلاص الصدقة هكذا هو في المهذب ( من ) والذي في سنن أبي داود والبيهقي وغيرهما ( في ) ، ومنعاهما السلف على إبل الصدقة إلى أجل معلوم ( وأما ) الراحلة فالبعير النجيب والربذة - بفتح الراء والباء الموحدة والذال معجمة - موضع على ثلاث مراحل من المدينة ، والكالئ بالهمز .

( أما الأحكام ) ففي الفصل مسألتان : ( أحدهما ) أن ما سوى الذهب والفضة والمطعوم لا يحرم فيه الربا ، فيجوز بيع بعير بأبعرة ، وشاة بشياه وثوب بثياب . وصاع نورة أو جص أو أشتان بصيعان ورطل غزل بأرطال من جنسه وأشباهه وكل هذا مما سبق بيانه .

( المسألة الثانية ) لا يجوز بيع نسيئة بنسيئة بأن يقول : بعني ثوبا في ذمتي بصفته كذا إلى شهر كذا بدينار مؤجل إلى وقت كذا فيقول : قبلت ، وهذا فاسد بلا خلاف .

( فرع ) في مذاهب العلماء في بيان علة الربا في الأجناس الأربعة ، وهي البر والشعير والتمر والملح ، ولهم فيها عشرة مذاهب : ( أحدها ) مذهب أهل الظاهر ، ومن وافقهم أنه لا ربا في غير الأجناس الستة كما سبق .

( الثاني ) مذهب أبي بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم أن العلة في كونها منتفعا به حكاه عنه القاضي حسين .

( والثالث ) مذهب ابن سيرين وأبي بكر الأودني من أصحابنا أن العلة الجنسية تحرم الربا في كل شيء بيع بجنسه كالتراب بالتراب متفاضلا والثوب بالثوبين والشاة بالشاتين .

( الرابع ) مذهب الحسن البصري أن العلة المنفعة في الجنس ، فيجوز عنده بيع ثوب قيمته دينار بثوبين قيمتهما دينار ، ويحرم بيع ثوب قيمته دينار بثوب قيمته ديناران .

( الخامس ) مذهب سعيد بن جبير أن العلة تقارب المنفعة في الجنس فحرم التفاضل في الحنطة بالشعير ولأن العلة تقارب المنفعة في الجنس ، فحرم التفاضل في منافعها ، وكذلك الباقلاء بالحمص والدخن بالذرة . [ ص: 502 ] السادس ) مذهب ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن العلة كونه جنسا ، تجب فيه الزكاة ، فحرم الربا في جنس تجب فيه الزكاة من المواشي والزروع وغيرها ، ونفاه عما لا زكاة فيه .

( السابع ) مذهب مالك كونه مقتاتا مدخر جنس فحرم الربا في كل ما كان قوتا مدخرا ، ونفاه عما ليس بقوت كالفواكه ، وعما هو قوت لا يدخر كاللحم .

( الثامن ) مذهب أبي حنيفة أن العلة كونه مكيل جنس فحرم الربا في كل مكيل ، وإن لم يؤكل كالجص والنورة والأشنان ونفاه عما لا يكال ولا يوزن وإن كان مأكولا كالسفرجل والرمان .

( التاسع ) مذهب سعيد بن المسيب وقول الشافعي في القديم أن العلة كونه مطعوما يكال أو يوزن ، فحرمه في كل مطعوم يكال أو يوزن ، ونفاه عما سواه وهو كل ما لا يؤكل ولا يشرب ، أو يؤكل ولا يكال ولا يوزن كالسفرجل والبطيخ .

( العاشر ) أن العلة كونه مطعوما فقط سواء كان مكيلا أو موزونا أم لا ، ولا ربا فيما سوى المطعوم غير الذهب والفضة ، وهذا مذهب الشافعي الجديد الصحيح وهو مذهب أحمد وابن المنذر وغيرهما .

( فأما ) أهل الظاهر فسبق دليلهم والدليل عليهم ، وأما الباقون فدليلنا على جميعهم قوله صلى الله عليه وسلم : " { الطعام بالطعام مثلا بمثل } " وهو صحيح سبق بيانه ، ووجه الدلالة فيه ما ذكره المصنف . وأيضا هذه الآثار مع الحديث المذكور في الكتاب وعن جابر " { أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى عبدا بعبدين أسودين } " رواه مسلم . وعن أنس " { أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى صفية من دحية الكلبي بسبعة أرؤس } رواه مسلم وغيره . واحتج لابن كيسان بأن المقصود بتحريم الربا الرفق بالناس ، وهذا المعنى [ ص: 503 ] موجود في الجميع ، واحتج أصحابنا عليه بما ذكره المصنف من الآثار والمعنى ، وبحديث العبد بالعبدين والبعير بالبعيرين وغير ذلك ، وأفسدوا علته بأنها تؤدي إلى تحريم التجارات والأرباح .

واحتج لابن سيرين بحديث عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح ، مثلا بمثل ، سواء بسواء ، يدا بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد } رواه مسلم ، وموضع الدلالة أنه شرط في جواز التفاضل اختلاف الأصناف ، وهي الأجناس . واحتج أصحابنا بالأحاديث والآثار السابقة في بيع عبدين بعبد وأبعرة ببعير فدل على أن الجنس ليس بعلة .

( والجواب ) عن حديث { فإذا اختلفت هذه الأصناف } " فالمراد جواز التفاضل في هذه الأصناف إذا اختلفت ، ومنعه فيها إذا اتفقت لا منعه في غيرها . واحتج للحسن بأن المقصود بتحريم الربا في القدر موجود في القيمة فيمتنع التفاضل في القيمة ، كما امتنع في القدر واحتج الأصحاب بما سبق ، ولا نسلم إلحاق القيمة بالقدر . واحتج لابن جبير بأن المنفعة كالقدر ، قال الأصحاب : هذا مردود بالمنصوص على جواز التفاضل في الحنطة بالشعير ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " { فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم } واحتج لربيعة بأن تحريم الربا في هذه الأجناس إنما كان حثا على المواساة بالتماثل وأموال المواساة هي أموال الزكاة ، قال أصحابنا : هذا فاسد منابذ للأحاديث والآثار السابقة في جواز التفاضل في الحيوان ، وفاسد أيضا بالملح ، فإنه ربوي بالنص ، وعلى مقتضى مذهبه لا ربا فيه ، لأنه ليس ربويا . واحتج لمالك بأن علته أكثر شبها بالأصل ، فهي أولى ، واحتج أصحابنا بقوله صلى الله عليه وسلم : " { فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم } " وما قاله مالك منتقض بالرطب ، فإنه ربوي بالنص ، وليس مدخرا [ ص: 504 ] فإن قيل ) الرطب يئول إلى الادخار ( قلنا ) الربا جار في الرطب الذي لا يصير تمرا أو العنب الذي لا يصير زبيبا . واحتج لأبي حنيفة بأن الكيل هو المعتبر في التساوي ، فكان علته ، واحتج أصحابنا بما سبق ، ولا يلزم من كون الكيل معيارا كونه علة والله سبحانه أعلم .

( فرع ) مذهبنا جواز بيع ثوب بثوبين ، وثياب من جنسه حالا ومؤجلا وبه قال أبو ثور وابن المنذر ومنعه مالك وأبو حنيفة [ وقال ] لا ربا في القليل من الحنطة والشعير ونحوهما ، كالحفنة والحفنتين ونحوهما مما لا يكال في العادة ، قال : وكذا لا ربا في البطيخ والباذنجان والبيض والسفرجل والرمان وسائر الفواكه التي تباع عددا بناء على قاعدته السابقة أنه لا ربا في غير المكيل والموزون ، ومذهبنا ومذهب الجمهور ثبوت الربا في كل ذلك لعموم النصوص في تحريم الربا .

( فرع ) يجوز بيع الحيوان بالحيوان من جنسه متفاضلا كبعير ببعيرين وشاة بشاتين حالا ومؤجلا ، سواء كان يصلح للحمل والركوب والأكل والنتاج أم للأكل خاصة . هذا مذهبنا ، وبه قال جماهير العلماء ، وقال مالك : لا يجوز بيع بعير ببعيرين ، ولا ببعير ، إذا كانا جميعا أو أحدهما لا يصلح إلا للذبح كالكسير والحطيم ونحوهما ، لأنه لا يقصد به إلا اللحم ، فهو كبيع لحم جزافا أو لحم بحيوان ، دليلنا الأحاديث والآثار السابقة في بيع بعير ببعيرين وأبعرة .

( فرع ) قد ذكرنا أن مذهبنا جواز بيع كل ما ليس مطعوما ولا ذهبا ولا فضة بعضه ببعض متفاضلا ومؤجلا ، وبه قال جمهور العلماء ، وقال أبو حنيفة يحرم التأجيل في بيع الجنس بعضه ببعض من أي مال كان ، لحديث الحسن عن سمرة رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان نسيئة } " رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه قال الترمذي حديث حسن صحيح . وعن ابن عباس قال { : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة . } [ ص: 505 ] واحتج أصحابنا بالأحاديث والآثار السابقة في بيع الإبل بالإبل مؤجلة ، ولأنها عوضان لا تجمعهما علة واحدة ، فلا يحرم فيهما النساء كما لو باع ثوب قطن بثوب حرير إلى أجل ، ولأنه لا ربا فيه نقدا فكذا النسيئة ( والجواب ) عن حديث سمرة من وجهين : ( أحدهما ) جواب الشافعي أنه حديث ضعيف ، قال البيهقي : أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة .

( والثاني ) أنه محمول على أن الأجل في العوضين ، فيكون بيع دين بدين وذلك فاسد كما سبق .

( والجواب ) عن حديث ابن عباس من الوجهين ، فقد اتفق الحفاظ على ضعفه ، وأن الصحيح أنه مرسل عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم وممن قال ذلك البخاري وابن خزيمة والبيهقي وغيرهم ، قال ابن خزيمة : الصحيح عند أهل العلم بالحديث أنه مرسل .

التالي السابق


الخدمات العلمية