صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولا يجوز بيع حيوان يؤكل لحمه بلحمه ، لما روى سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا يباع حي بميت } وروى ابن عباس " أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر رضي الله عنه فجاء رجل بعناق فقال : أعطوني بها لحما فقال أبو بكر : لا يصلح هذا " ; ولأنه جنس فيه الربا بيع بأصله الذي فيه مثله فلم يجز ، كبيع الشيرج بالسمسم ) .


[ ص: 464 ] الشرح ) حديث سعيد بن المسيب رواه أبو داود من طريق الزهري عن سعيد كما ذكره المصنف ، ورواه مالك في الموطأ والشافعي عنه في المختصر والأم وأبو داود أيضا من طريق زيد بن أسلم عن سعيد { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان } هذا لفظ للشافعي عن مالك وأبي داود عن القعنبي عن مالك ، وكذلك هو في موطأ ابن وهب ، ورأيت في موطأ القعنبي عن بيع الحيوان باللحم ، والمعنى واحد ، وكلا الحديثين أعني روايتي الزهري وزيد بن أسلم مرسل ولم يسنده واحد عن سعيد ، وقد روي من طرق أخر . ( منها ) عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن أن تباع الشاة باللحم } رواه الحاكم في المستدرك وقال : رواته عن آخرهم أئمة حفاظ ثقات ، وقد احتج البخاري بالحسن عن سمرة وله شاهد مرسل في الموطأ . هذا كلام الحاكم ورواه البيهقي في سننه الكبير وقال : هذا إسناد صحيح ومن أثبت سماع الحسن عن سمرة عده موصولا ، ومن لم يثبته فهو مرسل جيد انضم إلى مرسل سعيد ومن سيذكر .

( ومنها ) عن سهل بن سعد قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع اللحم بالحيوان } رواه الدارقطني وقال : تفرد به ابن مروان عن مالك بهذا الإسناد ولم يتابع عليه ، وصوابه في الموطأ عن ابن المسيب مرسلا ، وذكره البيهقي أيضا في سننه الصغير وحكم بأن ذلك من غلط يزيد بن مروان ويزيد المذكور تكلم فيه يحيى بن معين ، وقال ابن عدي : وليس هذا بذلك المعروف . ( ومنها ) عن ابن عمر رضي الله عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان باللحم } قال عبد الحق : خرجه البزار في مسنده من رواية ثابت بن زهير عن نافع ، وثابت رجل من أهل البصرة منكر الحديث لا يستقل به ، ذكره أبو حاتم الرازي ( قلت : ) وفي الأولين غنية عنه ، وأما سماع الحسن من سمرة فقد قال الترمذي : إنه صحيح ، ونقل ذلك في جامعه عن علي بن المديني وغيره عند حديثه في { النهي عن بيع الحيوان بالحيوان [ ص: 465 ] نسيئة } ، وغيره من الأحاديث ، وقال في بعض المواضع : وقد تكلم بعض أهل الحديث في رواية الحسن عن سمرة ، وقالوا : إنما تحدث عن صحيفة سمرة وقال الخطابي : والحسن عن سمرة مختلف في اتصاله عند أهل الحديث ، وروى بسنده عن يحيى بن معين قال : الحسن عن سمرة صحيفة ، وقال في باب الشفعة : وقال غير يحيى بن معين قال الحسن عن سمرة حديث العقبة حسن . وعن البيهقي أن أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن من سمرة من غير حديث العقبة .

وقال ابن عبد البر : لا أعلم حديث النهي عن بيع الحيوان باللحم يتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت ، وأحسن أسانيده مرسل سعيد بن المسيب ، وكأن ابن عبد البر لم يطلع على حديث سمرة هذا ، وكذلك ابن المنذر فإنه قال : وأخذ الشافعي - رحمه الله - بحديث مرسل لا يثبت . ( فإن قلت ) قد روى الحسن عن سمرة حديث { النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة } ، ولم يقل به الشافعي ، فإن كان يصحح سماع الحسن من سمرة فيلزمه القول بهما ( قلت : ) { النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة } عارضه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص " أنه كان يأخذ البعير بالبعير إلى أجل " فلذلك لم يقل به الشافعي ، وهذا الحديث في { النهي عن بيع الحيوان باللحم } لم يعارضه معارض ، بل عضده مراسيل وآثار ، وعمل أكثر أهل العلم ، ومع ثبوت حديث سمرة لا يحتاج إلى تكلف تقدير التمسك بالمرسل ، ولكن الشافعي رضي الله عنه لما ذكر المرسل في ذلك توجه اعتراض من الخصم بسبب ما اشتهر عن الشافعي أنه لا يحتج بالمرسل فلذلك تكلم الأصحاب في ذلك في هذا الموضع . وملخص القول في ذلك أنه لا خلاف في مذهب الشافعي - رحمه الله - أن المرسل غير محتج به في الجملة ، وحديث ابن عباس عن أبي بكر رواه الشافعي أيضا في المختصر ، وقال في الأم : أنا ابن أبي يحيى عن صالح مولى التوأمة [ ص: 466 ] عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أنه { كره بيع الحيوان باللحم } نقلت ذلك من نسخة معتمدة من الأم بخط كاتب الوزير .

وروى الشافعي في الأم في باب بيع الآجال عن مسلم ; وهو ابن خالد عن ابن جريج عن القاسم بن أبي بزة قال : { قدمت المدينة فوجدت جزورا قد جزرت فجزئت أجزاء كل جزء منها بعناق فأردت أن أبتاع منها جزءا فقال لي رجل من أهل المدينة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع حي بميت فسألت عن ذلك الرجل فأخبرت عنه خيرا } السائل عن الرجل هو القاسم بن أبي بزة فيما أظن . أما حكم المسألة فقول المصنف مفروض في بيع الحيوان المأكول بجنسه كالبقر بلحم البقر ، والغنم بلحم الغنم ، وما أشبه ذلك ، ولا خلاف عندنا في منعه نقدا ونسئا للآثار المتقدمة ، وهو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأربعة من الفقهاء السبعة كما سيأتي ، ومذهب مالك والأوزاعي والليث بن سعد وأحمد ونقله الروياني عن الثلاثة الباقين من الفقهاء السبعة أيضا ، وهم سليمان بن يسار وخارجة وعبيد الله بن عبد الله ، فإن صح ذلك فالسبعة قائلون به ، وكذلك نقله العبدري عن الفقهاء السبعة ، خلافا لأبي حنيفة وأبي يوسف مطلقا ولمحمد بن الحسن في قوله : يجوز إذا كان اللحم أكثر من اللحم الذي في الحيوان ، فيكون فاضل اللحم في مقابلة الجلد والعظم ، وإلى مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - مال المزني ، وأطلق جماعة من الأصحاب منهم القاضي أبو الطيب نسبة الخلاف إليه ، وكذلك الروياني في الحلية ، ونقله عن الماوردي وقال : إنه القياس والاختيار ، وفي اختياره مخالفة لما عليه الأصحاب والشافعي رضي الله عنه وقال : إن الخبر محمول على التنزيه والإرشاد ، وهذا مخالف لما حكيناه أنهم كانوا يعدون ذلك من تيسير الجاهلية .

[ ص: 467 ] فإن قلت ) إما أن يتمسكوا في ذلك بحديث الحسن عن سمرة أو بمرسل سعيد بن المسيب ، فإن تمسكتم بحديث سمرة فما روي عن سمرة فليس حجة عند الشافعي ، وإن تمسكتم بالمرسل فكذلك الأثر عن أبي بكر ( قلت : ) أما حديث سمرة في النهي عن بيع الحيوان بالحيوان فله معارض ، وهو حديث عبد الله بن عمرو مع ما فيه من الكلام ، وكون جماعة رووه موقوفا ، فلذلك لم يقل به الشافعي ، وحمله إن صح على النسيئة من الجانبين جمعا بينه وبين حديث عبد الله بن عمرو ، وأما النهي عن بيع الحيوان باللحم هنا فليس له معارض . بل له ما يعضده من المراسيل والآثار وقول أكثر أهل العلم ، وأما الاعتراض بأن المرسل ليس بحجة فقد روي ذلك عن الشافعي قوله في المختصر . قال الشافعي رضي الله عنه في المختصر : وكان القاسم وابن المسيب وعروة بن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن يحرمون بيع اللحم بالحيوان عاجلا وآجلا ، يعظمون ذلك ولا يرخصون فيه ، قال : وبهذا نأخذ ، كان اللحم مختلفا أو غير مختلف ، وإرسال ابن المسيب عندنا حسن فهذا قول الشافعي في المراسيل على الإطلاق .

وأما مراسيل سعيد بن المسيب فالمنقول عن الشافعي أنه كان في القديم يحتج بها ، فأما في الأم فإنه لم يقل بها ، ولكنه قال ما قال في المختصر في هذا الموضع : وإرسال ابن المسيب عندنا حسن ، ونقل بعض الناس عنه أنه قال : تتبعتها فوجدتها مسندة . قال الخطيب البغدادي في الكفاية : ومذهب كثير من الفقهاء بخلاف ذلك حتى قال محمد بن جرير الطبري : إن التابعين بأسرهم أجمعوا على قبول المرسل ، ولم يأت عنهم إنكاره ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين فإنه تعريض بأن الشافعي رضي الله عنه أول من أبى قبول المراسيل ، وقال أبو داود السجستاني قريبا من ذلك في رسالته التي ، كتبها إلى أهل الأمصار في سبب كتابة السنن ، وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم فيه وتابعه أحمد بن حنبل وغيره ، فيحتاج إلى أن يذكر تحرير مذهب الشافعي في ذلك فاعلم أن المشهور عن الشافعي - رحمه الله - عدم قبول المرسل ، وهو قول أكثر الأئمة من حفاظ الحديث ونقاد الأثر على [ ص: 468 ] ما قاله الخطيب البغدادي ، بل كلهم مما يشير إليه كلام أبي عمر بن عبد البر في التمهيد .

وممن وافق الشافعي على ذلك أحمد بن حنبل في أحد قوليه وأبو زرعة الرازي وأبو حاتم وابنه عبد الرحمن ، وممن قال به مع الشافعي يحيى بن سعيد القطان ، ووفاته مقدمة على وفاة الشافعي ، وأما قول أبي بكر رضي الله عنه فقد أشار الشافعي إلى وجه الاحتجاج به بقوله في المختصر : ولا نعلم أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خالف في ذلك أبا بكر ، وقال الشيخ أبو حامد : والظاهر إذا نحرت جزور وحضرها إمام الوقت أن يكون هناك أناس كثيرون ، وقد قال هذا ولم ينكر عليه أحد ; فقد اعتضد هذا المرسل بحديث أسند من وجه ، وقول أبي بكر مع عدم مخالفة بقية الصحابة ، وفتيا أكثر أهل العلم ممن بعدهم ، فإن مالكا - رحمه الله - روى في الموطأ عن أبي الزناد وقال : كل من أدركت من الناس ينهون عن بيع الحيوان باللحم ، قال أبو الزناد : وكان ذلك يكتب في عهود العمال في زمان أبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل ينهون عن ذلك ، وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب قال : كان ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين . وقال الشافعي رضي الله عنه في المختصر في هذا الموضع : وإرسال ابن المسيب عندنا حسن .

وقال الإمام الجليل عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب المراسيل في قول الشافعي رضي الله عنه : ( ليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب فلا بأس أن يعتبر به ) وكذلك الشيخ أبو حامد حمل قول الشافعي في المختصر على ذلك ، وأنه يعتبر بها ، ولا تكون حجة . وقال الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب الكفاية في معرفة أصول الرواية ونقلته من خطه ( واختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي في قوله هذا ، فمنهم من قال : أراد الشافعي به أن مرسل سعيد بن المسيب حجة ، وإنما فعل ذلك ; لأن مراسيل سعيد تتبعت فوجدت كلها مسانيد عن الصحابة من جهة غيره ، ومنهم من قال : لا فرق بين مرسل سعيد ومرسل غيره من التابعين ، وإنما رجح الشافعي والترجيح بالمرسل صحيح وإن كان لا يجوز أن يحتج به على إثبات الحكم [ ص: 469 ] قال الخطيب : وهذا هو الصحيح من القولين عندنا ; لأن في مراسيل سعيد ما لم يوجد مسندا بحال من وجه يصح ) .

( قلت ) وهذا القول هو الصحيح كما قال الخطيب ، وإنما يفعل الشافعي ذلك في كتاب الرسالة ، وتلخيص ما قاله فيها أن المنقطع مختلف ، فمن شاهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من التابعين فحدث حديثا منقطعا عن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر عليه بأمور ، أن يسنده غيره من الحفاظ المأمونين بمثل معنى ما روى ، أو موافقة مرسل غيره ، وهي أضعف من الأولى أو موافقة قول صحابي أو أقوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روى ، فإذا وجدت الدلائل لصحة حديثه بما وصفت أحببت أن يقبل مرسله ، ولا يستطيع أن يزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالمتصل ، فأما من يعد من كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أعلم واحدا منهم يقبل مرسله . واعلم أن في قول الشافعي : أحببت أن يقبل ، فيه إشكال ; لأنه لا تخيير في إثبات الأحكام ، بل إما أن يظهر موجبها فيجب ، أو لا فيحرم ، فإن كان المرسل إذا اقترن به شيء من ذلك حجة ، وجب العمل به ، وإن لم يكن حجة حرم العمل به ، فيحتمل أن يكون مراده أنه لا تثبت الحجة به ثبوتها بالمتصل ، أي لا يكون مثل المتصل وإن كانت الحجة به ثابتة ، وتظهر فائدة ذلك فيما إذا عارضه متصل ، فيقدم المتصل عليه ، ويحتمل أن يكون مراده أنه لا يجب العمل به لمجرد اقترانه بمرسل آخر ، أو قول صحابي ، أو فتيا أكثر أهل العلم ، ولا يرد معها ، ويطلب دليل آخر مجرد ، كما لو لم يرد أصلا ، بل يجب النظر في ذلك وفيما يعارضه أو يوافقه من بقية الأدلة كالقياس وشبهه ، والعمل بما يترجح من الظن والله أعلم .

وقال الماوردي : إنه حكي عن الشافعي أنه أخذ بمراسيل سعيد في القديم ، وجعلها بانفرادها حجة ; لأنه لم يرسل حديثا إلا وجد مسندا ، ولا يروي أخبار الآحاد ولا يحدث إلا بما سمعه من جماعة أو عضده قول الصحابة أو رواه منتشرا عند الكافة ، أو وافقه فعل أهل العصر ، وكونه إنما أخذ عن أكابر [ ص: 470 ] الصحابة ومراسيله سبرت فكانت مأخوذة عن أبي هريرة ومذهب الشافعي في الجديد أن مرسل سعيد وغيره ليس بحجة . ( قلت ) وهذه الأمور التي ذكرها الماوردي - رحمه الله - من كون سعيد لا يروي أخبار الآحاد ، ووجدت مراسيله كلها مسانيد ، فلا يحدث إلا بما سمعه من جماعة ، أو معتضدا أو منتشرا أو موافقا فعل أهل العصر ، وكون مراسيله كلها عرف أنها عن أبي هريرة رضي الله عنه لا دليل على شيء من ذلك بل هي أمور ضعيفة لم يثبت شيء منها فلا يعرف ، بل قد روى سعيد في الصحيح عن أبيه المسيب ; فالصحيح ما قاله الخطيب كما تقدم ، وهو الذي نسبه الماوردي إلى الجديد ، ثم ذكر الماوردي أن المرجحات للمرسل التي إذا اعتضد به واحد منها صار هو مع الذي اعتضد به حجة على الجديد ، أحد سبعة أشياء : قياس ، أو قول صحابي ، أو فعل صحابي أو قول للأكثرين ، أو ينشر في الناس من غير دافع له ، أو يعمل به أهل العصر ، أو لا توجد دلالة سواه .

( قلت ) وقد تقدم في كلام الشافعي المنقول من الرسالة أربعة مرجحات ( منها ) موافقة قول صحابي أو أقوال من أهل العلم ، وهما في كلام الماوردي ( ومنها ) اعتضاده بمسند أو مرسل آخر ، وليسا في كلام الماوردي ، فإذا جمعت بين الكلامين كانت المرجحات تسعة . ثم في بعضها أو أكثرها مشاحة ( منها ) قول الماوردي : أنه لا يوجد دليل سواه ، كأن المرسل إذا لم يكن في نفسه دليلا - ولم يوجد دليل سواه - كانت المسألة لا دليل فيها أصلا ، ولا يجوز إثبات حكم بشيء لا يعتقده دليلا ، ; لأنا لم نجد غيره . وإن قيل : إنه في هذه الحالة دليل وفي غيرها ليس بدليل ، فيقول : إنه في غير هذه الحالة إذا كان هناك دليل غيره فإما أن يكون موافقا أو مخالفا ، إن كان موافقا فالحكم ثابت بلا إشكال ولا غرض في إسناده إلى المرسل مع ذلك الدليل وحده أو إليه مع المرسل ، وإن كان مخالفا فإما أن يكون راجحا عليه أو مرجوحا ، فإن كان راجحا قدم على المرسل مع القول بأنه حجة ، وإن كان مرجوحا لم يقدم عليه ، وحينئذ ينبغي لمن يعمل به عند عدم الدليل [ ص: 471 ] مطلقا أن يعمل به هاهنا لرجحانه ; وهو يصير إلى أن المرسل حجة ، والتفريع على خلافه ولا ينفع التعلل بأنه حجة ضعيفة في أن يدفع بأدنى معارض وإن كان مرجوحا ; لأن ذلك بحث جدلي لا طائل تحته ( وأما ) اعتضاده بمسند فإذا كان المسند صحيحا كان العمل به لا بالمرسل ( وأما ) اعتضاده بمرسل آخر فإذا لم يكن المرسل حجة لم يفد اقترانه بما ليس بحجة ، وكذلك قول الصحابي وفعله وقول الأكثرين والانتشار .

( وأما ) القياس فإن كان قياسا صحيحا فهو حجة في نفسه غير مفتقر إلى المرسل ، ولا يصير المرسل به حجة كما لو اقترن بالقياس الصحيح قياس فاسد ، وإن كان ذلك القياس لا يجوز التمثيل به لو انفرد فقد انضم ما ليس بحجة ، وغاية ما يتخيل أن الشافعي لم يلاحظ في ذلك إلا قوة الظن ، فإن المرسل يثير ظنا ضعيفا ، وليس كالقياس الفاسد وما لا يثير ظنا أصلا فإذا اقترن المرسل المثير للظن بأمر مقوم للظن جاز أن ينتهي إلى حد يتمسك به ، ثم ذلك الحد ليس مما يضبط بعبارة شاملة بل هو موكول إلى نظر المجتهد وها هنا تتفاوت رتب العلماء وتفارق المجتهدين من سواهم من الجامدين على أمور كلية يطردونها في كل ورد وصدر .

وإنما جمد على ذلك أكثر المتأخرين لبعدهم عن التكيف بفهم نفس الشريعة ، والتمييز بين مراتب الظنون ، وما يقتضي نفس الشارع في اعتباره ، والغاية ، وهذه رتبة عزيزة سبق إليها المتقدمون ، ولو حاول محاول ضبط ما يحصل من اجتماع تلك الأمور بالموازنة بينه وبين الظن المستفاد من قياس صحيح واحد من أول درجات القياس ، أو خبر - لذلك قياسا - واه ، اعتبر ، وما نقص عنه المعنى لم يكن مبعدا لكنه ليس كمال المعنى المشار إليه بل هو غاية ما تحيط به العبارة لمن يبغي ضبط ذلك بقواعد كلية ، ويؤتي الله تعالى وراء ذلك لبعض عباده من الفهم ما يقصر عنه الوهم ، ومن جد وجد ، ومن ذاق اعتقد { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } . واحتج الأصحاب من جهة القياس بأنه جنس فيه الربا بيع بأصله الذي فيه منه ، فلم يجز كما لو بيع الشيرج بالسمسم ، وكان الشيرج المفرد أقل من الذي [ ص: 472 ] في السمسم أو مثله ، فإن الحنفية سلموا امتناعه في هذه الصورة ، وهذا الاحتجاج إنما يستمر في بيع اللحم بحيوان من جنسه ، إذا فرعنا على أن اللحوم جنس واحد ، أما إذا فرعنا على الصحيح أنها أجناس ، وباعه بغير جنسه ، فلا يستمر هذا الاحتجاج ، واحتجوا أيضا بأن اللحم جنس فيه الربا ، وهو على غير حالة كمال الادخار ، فلم يجز بيعه بأصله الذي فيه منه ، أصله بيع الدقيق بالحنطة ، وليس الامتناع فيه لكون الدقيق الذي يحصل من الحنطة مجهول القدر ، بدليل أن الحنطة بالحنطة وإحداهما أجود وأكثر دقيقا من الأخرى جائز وإن كان يؤدي في الثاني إلى عدم التساوي .

وهذا كله على ما قررناه أن المرسل يعتبر به ، فلا يكون حجة بمجرده ، وقد قال الروياني : إن الشافعي قال في كتاب الرهن الصغير من الأم : ( وإرسال ابن المسيب عندنا حجة ) وقد نظرت في كتاب الرهون الصغير من الأم فلم أجد ذلك صريحا ، ولكن فيه ما يدل عليه دلالة قوية ، ويمكن تأويله بتعسف على القول الأول ، فإنه ذكر حديث سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا يغلق الرهن من صاحبه الذي له غنمه وعليه غرمه } ثم ذكر من اعترض عليه فقال ( كيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعا ولم تقبلوه عن غيره ؟ فأجاب فقال : قلنا : لا يحفظ أن ابن المسيب رواه منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده ولا أثره عن أحد فيما عرفنا عنه إلا ثقة معروف فمن كان بمثل حاله قبلنا منقطعه ، ورأينا غيره يسمي المجهول ، ويسمي من يرغب عن الرواية عنه ، ويرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن بعض من لم يلق من أصحابه المستنكر الذي لا يوجد له شيء يسدده ففرقنا بينهم لافتراق أحاديثهم ، ولم نحاب أحدا ولكنا قلنا في ذلك بالدلالة البينة على ما وصفنا من صحة روايته ) ثم ذكر الشافعي رواية من جهة يحيى بن أبي أنيسة إلى سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك .

ثم قال الشافعي بعد ذلك : ( فالسنة ثابتة عندنا - والله أعلم - بما قلنا ، وليس مع السنة حجة ولا [ ص: 473 ] فيها إلا اتباعا مع أنها أصح الأقاويل مبتدأ ومخرجا ) فهذا ما رأيته في كتاب الرهن الصغير وهو قوي الدلالة على أن الحجة قائمة بذلك ، وتأويله ممكن على بعد وليس كما يتوهمه بعض الضعفاء من أنه تتبعها فوجدها مسندة ، فيكون الاحتجاج بالمسند ، فإن ذلك توهم أن الإسناد حاصل عنده في هذا المرسل بعينه ، وليس كذلك ، بل لما كان حال صاحبها أنه لا يروي إلا مسندا عن ثقة حمل هذا المرسل على ما عرف من عادته ، فيحتج به لذلك ، وأشار ابن الرفعة إلى أن الرهن الصغير من القديم ، وإن كان من كتب الأم ، وتعلق في ذلك بأن الماوردي وغيره قالوا عند الكلام في آجال الراهن وعتقه : أنه من القديم قال : وكذلك نسب الماوردي هنا قبول رواية ابن المسيب إلى القديم . قال المزني : إذا لم يثبت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالقياس عندي أنه جائز ، وذلك أنه إذا كان فصيلا بجزور قائمين جاز ، ولا يجوز مذبوحين ; لأنهما طعامان لا يحلان إلا مثلا بمثل ، وهذا لحم وهذا حيوان ، فهما مختلفان فلا بأس به في القياس إن كان فيه قول متقدم ممن يكون لقوله اختلاف إلا أن يكون الحديث ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنأخذ به وندع القياس .

وقد مال المزني في هذا الكلام إلى الجواز بشرطين ( أحدهما ) ألا يكون الحديث ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( والثاني ) أن يكون فيه قول متقدم ، يعني - مخالف لأبي بكر ، وقد احتج المجوزون أيضا بأنه لو كان فيها الربا لعسر كالدراهم مع الطعام جاز بلا خلاف ، فينبغي أن تكون مسألتنا - وليس في الحيوان ربا - أجوز ، ويقاس ذلك على بيع اللحم بالثوب وبالجلد ، وبأنه لا اعتبار باللحم الذي في الحيوان بدليل جواز بيع الحيوان بالحيوان ، ولو اعتبر لما جاز ، ولكان لا يجوز بيعه بالدراهم أيضا ; لأنه غير مذكى فيكون في معنى الميتة ، فلما أجمعوا على جواز بيعه دل على عدم اعتباره . وقول المزني : بمن يكون لقوله اختلاف ، قال ابن داود : يكون معناه ممن يعد خلافه خلافا حتى يثبت الاختلاف بقوله . والجواب عن الأول أن الحديث قد ثبت اعتمادا على تصحيح الحاكم والبيهقي ، وعن القياس على [ ص: 474 ] الثوب أن الثوب والجلد كل منهما ليس بربوي ولا فيه ربوي ، والحيوان فيه ربوي وهو الملح والجلد ، فيشبه قشر الفستق يجوز بيعه بلب الفستق ، ولا يجوز بيع الفستق في قشره بلبه ، وعن قولهم : إن اللحم في الحيوان لا يعتبر أن ذاك إذا بيع بغير اللحم ، أما إذا بيع باللحم فإنه يعتبر ، كالسمسم بالشيرج وذكر الأصحاب أسئلة يمكن أن نوردها من جهة الخصم وأجوبتها .

( منها ) حمل النهي على الكراهة ، وأجاب عنه بأن أبا حنيفة رضي الله عنه لا يقول بالكراهة على أن النهي المطلق للتحريم ( ومنها ) لعل المراد بالحيوان الذي ذبح ولم يسلخ جلده ، وحينئذ لا يجوز بيعه باللحم ، وأجاب الشيخ أبو حامد بأنه لا ينطبق عليه اسم الحيوان . ( ومنها ) على أثر أبي بكر رضي الله عنه حمل العناق على المذبوحة وقد تقدم جوابه .

( ومنها ) حمله على أن الجزور كانت للمساكين ، فنحرت لتفرق عليهم فلا يجوز بيعها ، وأجابوا عنه بأنه خلاف الظاهر من قول ابن عباس ، فإنه يقتضي تعليق الحكم على ذلك الوصف المذكور ، وعن قول أبي بكر : هذا لا يصلح ، ولم يقل : لا يجوز بيع هذا اللحم ، ولو كانت من إبل الصدقة لم يخف أمرها على الناس ، وأنه لا يجوز بيعها ، وقد اعترض القاضي حسين على الخصم بأن المرسل عنده حجة ، وعندنا هل المرسل عنده حجة ؟ فقد اتفقنا على قبول هذا الحديث والعمل به .

( تنبيه ) قول المصنف : بلحم ، ظاهره ليس بمراد ، وإنما المراد بلحم مثله . فالمماثلة إما أن تكون مطلقا ، فيكون المراد بلحم حيوان من جنسه ، وإما أن يكون المراد المماثلة في الوصف الذي ذكره ، وهو كونه يؤكل ، فيكون المراد بلحم حيوان مأكول وهذا هو الظاهر من مراد المصنف ، فإنه لم يذكر بعد ذلك إلا بيعه بغير المأكول ، وحينئذ يندرج في قول المصنف صورتان . [ ص: 475 ] إحداهما ) بيعه بحيوان يؤكل من جنسه ; وهو ممتنع بلا خلاف عندنا ، كلحم الجزور بجزور ، ولحم شاة بشاة ، وما أشبه ذلك .

( الصورة الثانية ) بيعه بجنس آخر من الحيوانات المأكولة ، مثل لحم الجزور بالشاة ( إن قلنا ) اللحمان صنف واحد لم يجز قولا واحدا ( وإن قلنا : ) أصناف فطريقان ( إحداهما ) لا يجوز قولا واحدا ، وإلى ذلك ذهب صاحب الإفصاح فيما حكاه الروياني ، وهي الصواب لما سنذكره ( والثانية ) فيها قولان حكاهما القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والفوراني والرافعي ( أصحهما ) لا يجوز لعموم السنة ( والثاني ) يجوز لعدم الربا فيه ، وقاسه الرافعي على بيع اللحم باللحم ، وذكر أن ذلك مذهب مالك وأحمد ، قال الروياني في البحر : وهو الصحيح ، وليس كما قال .

( تنبيه ) قال صاحب الذخائر : إن هذا التفصيل لا يصح ; لأنه لا خلاف أن الحيوان أجناس ، وإنما الخلاف فيه إذا صار لحما لشمول اسم اللحم للجميع ، وإذا كان لحم وحيوان يختلف أصل الجنس فلا يجوز أن يقال : الجميع جنس واحد ، فيكون على قولين من غير تفصيل . والشيخ أبو حامد جزم بالجواز قال فيما علق عنه سليم ، وينبغي أن يكون غير جائز ، ; لأن الإجماع الذي ذكرنا هو في هذا ، يعني أثر أبي بكر رضي الله عنه وسكوت الباقين والله أعلم بالصواب .

وهذا الذي قاله الشيخ أبو حامد متعين ، وهو الذي جزم به في التهذيب ، وهو نص الشافعي صريحا في الأم ، قال : ولا يباع اللحم بالحيوان على أي حال كان ، من صنفه أو من غير صنفه ، ولا ينبغي التردد في ذلك على أصل الشافعي فيه ، فإن المرسل على أصل الشافعي لا يعمل به وحده ، وإنما عمل به لاعتضاده بأثر أبي بكر رضي الله عنه وإنما اعتضد به في بيع اللحم في المأكول من غير جنسه ، لكنا نعديه إلى منعه بالحيوان من جنسه بطريق الأولى ، فلا يحسن أن يخرج مورد الأثر الذي يقويه الاعتضاد .

( فرع ) بيع اللحم بالسمك الحي فيه وجهان في الحاوي وغيره ( أحدهما ) لا يجوز ; لأنه بيع اللحم بالحيوان ( قلت . وهو قول ابن أبي هريرة ) [ ص: 476 ] والثاني ( يجوز ; لأن حي السمك في حكم ميته ) قلت : ( فإذا كان في حكم ميته فينبغي أن يكون في حكم بيع اللحم باللحم ) إن قلنا : إنه من جنسه لم يجز ، وإلا جاز ، والروياني جعل الوجهين تفريعا على قوله : السمك ليس من جنس اللحم ( فإن قلنا ) من جنسه ( والثاني ) أنه يجوز لعدم الربا ، وقال الماوردي في جواز بيع الحيوان بالسمك وجهان من اختلاف أصحابنا في السمك ، هل هو صنف من اللحم أو لا ؟ .

( فرع ) بيع الحيوان بالسمك يجوز ; لأنه لا يسمى لحما على الإطلاق ، قال الماوردي : فيه وجهان من اختلاف أصحابنا في السمك هل هو صنف من اللحم أو لا ؟ قال الروياني . اختيار الماسرجسي ( إن قلنا ) السمك من جنسه لم يجز وقال القاضي أبو الطيب . إن قلنا : من جنس سائر اللحوم لم يجز ( وإن قلنا ) جنس آخر فقولان ( قلت ) ومرادهما بذلك والله أعلم السمك الميت ، فلو باع حيوانا بسمك حي فينبغي أن يبنى على الوجهين السابقين إن راعينا أن حي السمك في حكم ميته فيكون كما لو باع حيوانا بلحم سمك ، فيجرى فيه الخلاف الذي حكاه أبو الطيب والماوردي ، وإن جعلنا السمك الحي كالحيوان صار ذلك كبيع حيوان بحيوان ، وهو جائز ، وصورها الرافعي والقاضي حسين في لحم السمك بالشاة وهو أبين ، فإنه قد يتوقف اللحم على السمكة الكاملة ، وإن كانت ميتة ، والأقرب إطلاقه عليه كالحيوان المذبوح ، وقال : إن الأصح البطلان . قال القاضي حسين في ذلك : ( إن قلنا : ) إن السمك يسمى لحما فإن راعينا الخبر لم يجز ، وإن راعينا المعنى يخرج على وجهين ، يعني في اختلاف الجنس ( وإن قلنا : ) السمك لا يسمى لحما جاز ، سواء راعينا الخبر أو المعنى ، وهذا ترتيب حسن ، أعني ما سلكه القاضي حسين ، وحينئذ فإن القول بالجواز قول ابن أبي هريرة ، قال : ; لأنه لا يطلق عليه لحم ، أي لا يدخل السمك في اسم اللحم على ما تقدم ، والمراد بذلك والله أعلم ما قاله أبو الطيب ، وقال ابن الصباغ : إن باع لحما بسمكة حية أو لحم السمك [ ص: 477 ] بحيوان حي ( فإن قلنا : ) إنه من جملة اللحوم كان كلحم غنم ببقر ، وإلا فقولان ، لوقوع اسم اللحم والحيوان عليه .

( فرع ) بيع اللحم بالعظم جائز ، قاله الماوردي ، وكذلك اللبن بالحيوان قاله الماوردي ، وأيضا قال في اللباب : وأورد الماوردي على نفسه بأن اللبن يسمى لحما ، روي أن نبيا شكا إلى الله تعالى الضعف فأوحى إليه أن كل اللحم باللحم يعني اللحم باللبن . وقال الشاعر :

يطعمها اللحم إذا عز الشجر والخيل في إطعامها اللحم ضرر

يعني أنه يطعمها اللبن عند عزة المرعى ، وأجاب بأن تسمية العرب اللبن لحما استعارة ومجاز ، لا حقيقة ، ألا ترى أنه يجوز بيع اللحم باللبن متفاضلا ؟ ولا يحنث باللبن إذا حلف على اللحم .

التالي السابق


الخدمات العلمية