صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن باع نخلا وعليها طلع غير مؤبر دخل في بيع النخل ، وإن كان مؤبرا لم يدخل ، لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من باع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع [ ص: 23 ] إلا أن يشترطها المبتاع } " فجعلها للبائع بشرط أن تكون مؤبرة ، فدل على أنها إذا لم تكن مؤبرة فهي للمبتاع ; ولأن ثمرة النخل كالحمل ; لأنه نماء كامن لظهوره غاية كالحمل ، ثم الحمل الكامن يتبع الأصل في البيع ، والحمل الظاهر لا يتبع فكذلك الثمرة . قال الشافعي رحمه الله : وما شقق في معنى ما أبر ; لأنه نماء ظاهر فهو كالمؤبر ) .


( الشرح ) حديث ابن عمر رضي الله عنه رواه البخاري ومسلم رحمهما الله ولفظهما : " { من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع } " وفي لفظ لمسلم : " من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر " وفي لفظ آخر له : " { أيما نخل اشتري أصولها وقد أبرت فإن ثمرتها للذي أبرها إلا أن يشترط الذي اشتراها } " وفي لفظ له أيضا " { أيما امرئ أبر نخلا ثم باع أصلها فللذي أبر ثمر النخل إلا أن يشترط المبتاع } " ورواه الشافعي عن ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه ، وهذا من أصح الأسانيد وأحسنها ، كله أئمة علماء ، ولفظه كلفظ المصنف لكنه قال : أن يشترط المبتاع بغير هاء ، وكذلك في بقية الحديث من طريق سالم ، ومن باع عبدا وله مال فالمال للبائع إلا أن يشترط المبتاع ، وجماعة الحفاظ يقولون هكذا بغير هاء في الموضعين هكذا قال ابن عبد البر ، ونبه على أن المعنى : إلا أن يشترط المبتاع سائر ذلك ، فيدل على صحة اشتراط نصف الثمر أو جزء منها وكذلك في مال العبد ، وهو قول جمهور الفقهاء ، وسأتعرض لهذا في فرع آخر الكلام إن شاء الله تعالى والغرض التنبيه على إسقاط الهاء من لفظ الحديث ، ولم أقف عليها في شيء من طرق الحديث ، وقول المصنف : نماء احتراز من الكنز والحجارة المدفونة والبذور .

( وقوله ) كامن احتراز من الزرع ; لأنه ظاهر من غير المؤبر كذلك ، ومن التين والعنب ونحوه ( وقوله : ) لظهوره غاية ، احتراز من الجوز واللوز والرمان والرانج ; لأنه لا غاية لخروجه من قشره . وإنما يظهر بكسره ، فالرمان والموز للبائع قولا واحدا ، والجوز واللوز والرانج له على الصحيح المنصوص ، فالثمرة المقصودة من دون الأشياء لا تظهر إلا عند الأكل ، فهذا في معنى قولنا ليس لظهوره غاية ، وقد ورد في بعض الروايات : من باع ، وفي بعضها : من اشترى ، وكلها صحيح [ ص: 24 ] سندا ومعنى . قال ابن عبد البر : لا يختلف أهل العلم بالحديث في صحة هذا الحديث وهو عند جميعهم ثابت صحيح ( وقوله : ) أبرت يجوز تشديده وتخفيفه ، يقال أبر النخل مخففا يأبرها أبرا ، والتأبير هو التلقيح وهو أن ينتظر النخلة حتى إذا انشق طلعها وظهر ما في بطنه وضع فيه شيء من طلع الفحال ، وقال بعضهم : هو أن تشقق ويؤخذ شيء من طلع الذكر فيدخل بين ظهراني طلع الإناث فيكون ذلك بإذن الله تعالى صلاحا لها ، وهذه ( هي ) العبارة المحررة وقد يؤخذ سعف الفحال فيضرب في ناحية من نواحي البستان عند هبوب الرياح ، فيحمل الريح أجزاء الفحال إلى سائر النخل ، فيمنعه التساقط ، وفي عبارة جماعة ما يوهم أن التشقق داخل في مسمى التأبير ، وسنبين لك فيما سيأتي أنه ليس الأمر كذلك .

( أما الأحكام ) فبيع الشجر ، إن كان بشرط القطع جاز مطلقا ، رطبا ويابسا ، وإن كان بشرط القلع فإطلاق الأكثرين يقتضي الجواز أيضا ، وقال الصيمري : إن كان كالفجل لم يجز ; لأن أسفله غائب ، وإن كان كشجر العصفر وما حفر من التراب جاز ; لأن الغائب منه غير مقصود ، وأطلق الصيمري ذلك من غير تفصيل بين الرطب واليابس ، وغيره صرح بجواز شرط القلع ويجعل المجهول تبعا ، وإن باع بشرط التبقية ، فإن كانت الشجرة رطبة وليس الكلام فيما يشترط فيه القطع من الباب ، وإن كانت يابسة قال المتولي : فسد البيع ، وإن أطلق فالمشهور الجواز ، وعلى مقتضى قول الصيمري حيث لا يجوز شرط القطع ينبغي الحكم بالفساد إذا عرف ذلك فقال الأصحاب : يندرج في مطلق بيع الشجرة أغصانها ; لأنها معدودة من أجزاء الشجرة ، فإن كان الغصن يابسا والشجرة رطبة فالمشهور لا يدخل ; لأن العادة فيه القطع كما في الثمار قال في التهذيب : ويحتمل أن يدخل كالصوف على ظهر الغنم ، قال ابن الرفعة : أي إذا بيعت وقد استحق الجز ويدخل العرق أيضا في مطلق بيع الشجرة ، وكذا الأوراق ، وفي ورق التوت ونحوه خلاف [ ص: 25 ] سيأتي تفصيله في كلام المصنف ، وفي أغصان الخلاف التي تقطع أغصانه ويترك ساقه ، فإذا باع شجرته فالأغصان لا تدخل في العقد .

( أما ) الخلاف الذي يقطع في كل سنة من وجه الأرض فهو كالقصب ما ظهر منه للبائع ، وفي أصوله الخلاف الذي في أصول البقل قال ذلك القاضي حسين ، وعن الإمام أنه قال هنا : إنها تدخل أغصانها في البيع بلا خلاف ، وفي كتاب الرهن حكى فيها خلافا وفي كتاب الوقف قال : إنها بمنزلة الثمرة فتلخص أن الخلاف نوعان : ( نوع ) يقطع كل سنة من وجه الأرض فهو كالقصب ( ونوع ) يبقى وتقطع أغصانه ، ففي دخول أغصانه في بيعه خلاف ( الأصح ) الدخول ; لأنها جزء منه ، ولا يدخل في بيع الشجرة الكرم الذي عليها ، قاله القاضي حسين في الفتاوى ، ولو كانت الشجرة يابسة ثابتة فعلى المشتري تفريغ الأرض عنها للعادة ، ولا يدخل مغرسها في العقد وجها واحدا قاله القاضي حسين ، وحكمها حكم سائر المنقولات ، ولا يشترط فيه القطع قاله القاضي حسين قال في التتمة : فلو شرط إبقاءها فسد البيع كما لو اشترى الثمرة بعد التأبير ، وشرط عدم القطع عند الجذاذ ، ولو باعها بشرط القطع جاز وتدخل العروق في البيع عند شرط القطع ، وإن كانت مجهولة تبعا ، كذا قاله ، وقال الصيمري : لا يجوز بيع النخلة بشرط القلع ; لأن أسفلها غائب ، ولا يدخل عند شرط القطع ، بل تقطع عن وجه الأرض

وإن كانت الشجرة رطبة فباعها بشرط الإبقاء أو بشرط القلع أو بشرط القطع اتبع الشرط ، وفيه عند شرط القلع ما تقدم عن الصيمري ولا يجب تسوية الأرض ; لأنه شرط القلع ، قاله في الفتاوى ، ولو أطلق جاز الإبقاء أيضا للعادة كما لو اشترى بناء استحق إبقاءه ، وليس كالزرع حيث يشترط القطع ; لأن الشجرة تراد للبقاء ، ولا يجوز للبائع أن يقلعها على شرط أن يغرم ما ينقصه القلع ، قاله الإمام ، وهو بما لا خلاف فيه ، وكذلك إذا باع بناء مطلقا قاله الإمام ، وهل يدخل المغرس في البيع ؟ فيه وجهان ، وقيل قولان : ( أحدهما ) ويحكى عن أبي حنيفة نعم ; لأنه يستحق منفعته لا إلى غاية ، وذلك لا يكون [ ص: 26 ] إلا على سبيل الملك ، ولا وجه لتملكه إلا دخوله في البيع ( وأصحهما ) عند الإمام والرافعي وغيرهما : نعم ; لأن اسم الشجرة لا يتناوله . وقد يستحق غير المالك المنفعة لا إلى غاية ، كما لو أعار جداره لوضع الجذوع ، وكذا الوجهان في دخول الأس في بيع البناء كما تقدم ، قال الإمام : وليس هذا كالخلاف في استتباع الأرض أشجارها ، فإن الفرع لا يستتبع الأصل ، ولكنه من جهة استحقاق لا محمل له إلا الملك يعني أن ذلك لا يكون إجارة للتأبيد ولا عارية لعدم جواز الرجوع ، وإن بذل أرش النقص فلم يبق إلا جعله مبيعا تبعا ، فعلى الوجه الأول لو انقلعت الشجرة أو قلعها المالك ; كان له أن يغرس بدلها ، وله أن يبيع المغرس ، وعلى الثاني ليس له ذلك ، وهل يكون ملكه لذلك من باب الإجارة أو الإعارة ؟

قال ابن الرفعة : يخرج فيه من مقتضى كلام الأصحاب وجهان : ( أحدهما ) : إجارة كما قيل بمثله في الصلح ، ولا يخرج على الجمع بين بيع وإجارة ; لأن هذا يقع ضمنا مع أن الصحيح جواز الجمع ، وهذا الوجه يتخرج من قول جمهور الأصحاب أن البائع لا يتمكن من القلع وغرامة الأرش على ما يفرغ وقال بعض الأصحاب فيما حكاه الإمام في كتاب الرهن : إن له القلع وغرامة ما ينقصه القلع كما يغرم المستعير في مثل هذه الصورة ، وعلى المعير أن يكون استحقاق على سبيل العارية . قال ذلك ابن الرفعة ، قال : وبه يتم ما أبديته تخريجا ، وهل يلزمه تسوية الحفر أو يخرج على الخلاف في العارية ؟ وقال ابن الرفعة : يشبه أن يقال : ( إن قلنا : ) الإبقاء يستحق كالعارية فكالعارية ، وإلا فلا يلزمه وجها واحدا ، والخلاف في دخول المغرس والأس في البيع مثله مذكور في الإقرار بهما وإقامة البينة كما حكاه الإمام في كتاب الصلح ونقله ابن الرفعة عنه . ولو كانت الأرض غير مملوكة لبائع البناء والغراس فلا يتخيل فيها ملك الأرض فإن جهل المشتري الحال وقلنا بدخولها في البيع لو كانت للبائع ، قال ابن الرفعة : فيشبه أن يقال : يثبت الخيار ، كما إذا قلنا : الحمل يقابل بالثمن ، ثم بان أن لا حمل ، ولا يبطل البيع ; لأن ذلك إنما وقع تبعا لا مقصودا ، وهذا إذا كان الإبقاء مستحقا له بطريق ، بإجارة أو غيرها . [ ص: 27 ]

( أما ) إذا كان في أرض مغصوبة فحكى الماوردي في كتاب الغصب في صحته وجهين : ( أحدهما ) لا يصح ; لأن [ الإجارة تقتضي ] الإبقاء وهو لا يستحقه في هذه الحالة ( والثاني ) : يصح ويثبت الخيار وظاهر كلامه أن ذلك تفريع على أنه لا يملك عند الإطلاق وإنما يستحق الإبقاء ، وجريان مثل ذلك على قول المالك ، قال ابن الرفعة : والذي تعم به البلوى ولم نقف فيه على نقل أن يبيع البناء والأرض مستأجر معه ، ولم تنقض مدة إجارته وعلم المشتري منه ذلك فهل نقول يستحق الإبقاء في بقاء مدة إجارته بغير عوض ؟ كما لو كانت الأرض مملوكة له ولم يدخلها في العقد أو يستحق الأجرة كما يستحقها مالك المنفعة عليه بعد فراغ المدة ؟ فيه نظر واحتمال ، قال : والأشبه الثاني ، والعمل عليه في العرف ، ولو كانت الأرض قد أوصى له بمنفعتها دون رقبتها وجاز له البناء والغراس فيها ثم باع ذلك فيشبه أن تلحق هذه بما إذا كان مالكا للأرض حتى لا تستحق عليه أجرة ، لا في حال حياته ولا بعد وفاته ( إذا قلنا : ) لا تبطل الوصية بموته كما هو المذهب ( أما ) إذا قلنا : تنتهي بموته حتى لا تنتقل المنفعة لوارثه ، كما هو محكي في الإبانة والبحر فهو قريب من الإجارة ، والله أعلم . وهذه الأحكام كلها جارية في جميع الشجر ، لا فرق بين النخل وغيره ، وقد استشكل ابن أبي الدم دخول المغرس في بيع الشجر ، ورأى القول به في غاية البعد من جهة أن الأرض قد تكون كثيرة الشجر ، فتشتبك عروقها في جميع الأرض ، فلا يبقى للأرض بياض على ظاهرها لتقارب الأشجار ، ولا في بطنها لاشتباك العروق ، وإثباتها يفضي إلى أن يملك مشتري الغراس بشرائه جميع الأرض أو معظمها ، وأيضا فإما أن يملكه نازلا في طبقات الأرض على مسامتة العروق وفي جهة العلو إلى وجه الأرض على مسامتة العروق ، ولا نقول : إنه يملك من الأرض ما يستر العروق ، والبحث بها من الأرض .

والأول ظاهر البطلان لإفضائه إلى ملك الأرض بانتشار العروق ( والثاني ) باطل ; لأنه يؤدي إلى منع مالك من بيع أرضه من غير مالك الغراس ; لأن مالك الغراس قد ملك جملة من أجزائها وهي مجهولة [ ص: 28 ] وبيع المجهول باطل ، فقد أدى إلى فساده تفريعه على فاسد ، ويلزم عليه أيضا أنه إذا ملك شجرة صغيرة وملك مغرسها فلا شك في صغر المغرس الآن لصغر الشجرة وقلة عروقها ، فإذا ابتلت الشجرة وسقيت وانتشرت عروقها وامتدت إلى مواضع لم تكن ممتدة إليها وقت الشراء ولا بعده بأشهر ، فيؤدي إلى أنه لم يكن مالكا لمواضع من الأرض ، وكلما امتد عرق شبرا أو فترا في جزء من الأرض ملكه ملكا متجددا ، وهذا بدع في الشرع ، لا يصير إليه بجعل ، انتهى ما قاله ابن أبي الدم وهو بحث جيد

إذا عرفت هذه المقدمة فإذا باع نخلا دخل جريدها وسعفها وخوصها لا خلاف في ذلك ( وأما ) الطلع فإن كان غير مؤبر دخل ، وإن كان مؤبرا لم يدخل ; للحديث الذي استدل به المصنف ، وهو يدل على الحكم الثاني بمنطوقه ، وعلى الأول بمفهومه . وكلام المصنف يقتضي أنه جعله مفهوم الشرط ، وكذلك فهمه صاحب الانتصار ، ويحتمل أن يكون مفهوم الصفة فإنه جعل التأبير صفة للنخل ، وكذلك جعله الغزالي في المستصفى وغيره من الأصوليين من أمثلة مفهوم الصفة وكلاهما صحيح ، قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني : لنا من الحديث أدلة ثلاثة : ( أحدها ) دليل الخطاب وهو دليل الشافعي رحمه الله تعالى منه ، وذلك أن الطلع له وصفان مؤبر وغير مؤبر ، فلما جعله النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان مؤبرا للبائع ; دل على أن غير المؤبر للمشتري كما نقوله في سائمة الغنم زكاة ( والثاني ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من باع نخلا بعد أن يؤبر فثمرتها للبائع } " فجعلها للبائع بالشرط ، وهو أن تكون مؤبرة فعلم أنها إذا كانت غير مؤبرة فليست للبائع لعدم الشرط ، فمن قال : إنها للبائع في الحالين فقد خالف من وجهين : ( أحدهما ) أن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها للبائع إذا أبرت بهذا الشرط ، ولم يجعلها هو له بهذا الشرط . ( الثاني ) : أنه - أعني المخالف - جعل غير المؤبرة للبائع مع عدم الشرط .

[ ص: 29 ] والدليل الثالث ) من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون ذكر التأبير تنبيها على أن غير المؤبر أولى بأن يكون للبائع ، وإما أن يكون لتعيين أن غير المؤبر لا يكون للبائع ، لا سبيل إلى الأول ; لأن المؤبر بائن ظاهر ، وغير المؤبر كامن مستتر ، وما كان مستترا فهو أولى بالتبعية من الظاهر بدليل الحمل ، فتعين الثاني وهو أن يكون المقصود أن لا يكون للبائع عند عدم التأبير ، وذكر الشيخ أبو حامد عن الشافعي من الاستدلال [ ما هو ] موجود في الأم فإنه قال : لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حد قال : " { إذا أبر فثمره للبائع } " فقد أخبرنا بأن حكمه إذا لم يؤبر غير حكمه إذا أبر ولا يكون ما فيه إلا للبائع أو للمشتري لا لغيرهما ، ولا موقوفا فمن باع حائطا لم يؤبر فالثمرة للمشتري بغير شرط استدلالا موجودا بالسنة وقال قريبا من ذلك في الإملاء أيضا وقال في المختصر : إذا جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الإبار حد الملك للبائع فقد جعل ما قبله حد الملك للمشتري على أن كلام الشافعي في الأم يحتمل أن يكون جعله من مفهوم الشرط ، وكلا المفهومين حجة عندنا على أن كلام الشيخ أبي حامد ومن تبعه يقتضي أنهم لم يريدوا بالوجه الثاني جعله من مفهوم الشرط ، بل إنه يدل عليه باللفظ وبه صرح القاضي أبو الطيب وفيه بعد إلا أن يريدوا أن اللفظ دل على كونه شرطا ، والمخالف يقول : إنه ليس بشرط ، فهذا الذي أرادوه والله أعلم راجح ، وهو بهذا التقدير صحيح ، ولم يريدوا أن اللفظ يدل على عدم الحكم عند عدم الشرط ، ويمكن أن ينزل كلام المصنف على ما ذكروه وأن ذلك ليس من باب المفهوم .

( وأما ) الوجه الثالث الذي ذكره الشيخ أبو حامد فهو راجع إلى المفهوم وهو صالح لأن يستدل به في كل شرط أو صفة ، لكن القائلون بالمفهوم منهم من يجعله بمنزلة الملفوظ به وكأنه استقر في اللغة أنه إذا خص المذكور بالذكر اقتضى هذا قيام قول آخر له يتضمن نفي الحكم عما عداه انتفاء ظاهرا ، ومنهم من يجعل المفهوم مستندا إلى البحث عن طلب فوائد التخصيص ، فالوجه الأول ماش على الطريقة [ ص: 30 ] الأولى ، ولذلك نسب الدلالة إلى اللفظ وكلام الشافعي الذي حكيته يشعر بذلك ، لكن الأنباري في شرح البرهان نقل عن الشافعي أن اختياره الثاني ، والوجه الثاني مستمر على الطريقة الثانية . ( وأما ) الثاني فقد نبهت على مراد الأصحاب به ، وأنه ليس من باب المفهوم ولعل المصنف جعله من مفهوم الشرط ; لأنه أقوى عند كثير من أصحابنا من مفهوم الصفة ، وقال به جماعة من المنكرين لمفهوم الصفة ، واعلم أن هذا الاستدلال يتجه عند من يرى المفهوم حجة وهم الأكثرون ، فقال بمفهوم الصفة الشافعي ومالك وأكثر أصحابنا وأكثر المالكية ونسبه القاضي عبد الوهاب إلى مالك ، وممن قال به أبو الحسن الأشعري وأنكره ابن سريج والقفال هنا ، وقال ابن سريج بمفهوم الشرط .

( وأما ) الخصم المنكر لكل من المفهومين فلا يمكن الاحتجاج عليه بدفع مخالفيه في الأصل وكذلك بعض أصحابنا ممن أنكر المفهومين معا ، فكيف يمكنه التمسك في هذا الفرع به لكن الخصم في إلحاق غير المؤبرة بالمؤبرة يحتاج إلى قياس ، ولن يجده ومتى لم يثبت ذلك ولم يقم دليل على تبعية غير المؤبرة وجب كونها للمشتري تبعا للشجرة ، وكذلك قال بذلك من ينكر المفهوم والقياس كداود . ( فإن قلت : ) بل يجب كونها للبائع عملا بالأصل وبقاؤها على ملكه ( قلت : ) لا بد في إدراجها في البيع من قياس أو عرف عند من ينكر القياس ، واعتضد الأصحاب بما رواه الشافعي عن سعيد بن سالم عن ابن جريج أن عطاء أخبره { أن رجلا باع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطا مثمرا ، ولم يشترط المبتاع الثمر ولم يستثن البائع ولم يذكراه فلما ثبت البيع اختلفا في الثمر واحتكما فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى بالثمر للذي لقح النخل } - البائع - وهذا من مراسيل عطاء ففيه اعتضاد على أنه ليس أصرح من الأول بكثير فإن قوله - البائع - دليل على أنه أراد بالذي لقح المعهود لا العموم وحينئذ يعود إلى أن ذكر الصفة هل يدل على نفي الحكم عما عداه ؟ هذا بحسب هذه الرواية ، ولم أجد غيرها فيه عموم بحيث أثق بصحته ، وروى ابن ماجه وعبد الله بن أحمد بن حنبل في مسنده عن عبادة بن الصامت قال : " { قضى رسول الله [ ص: 31 ] صلى الله عليه وسلم بثمر النخل لمن أبرها إلا أن يشترط المبتاع وإن مال المملوك لمن باعه إلا أن يشترط البائع } " .

فأما رواية ابن ماجه ففي سندها الفضيل بن سليمان وليس بالقوي ، وقال ابن معين : ليس بثقة ، فالحديث سنده ضعيف من هذا الطريق وذكر القاضي أبو الطيب الحديث الذي ذكره الشافعي رضي الله عنه ولفظه " فجعل الثمر لمن أبرها " وقال : ذكر هذا الحديث أبو إسحاق في الشرح ، وأبو علي الطبري في المحرر ، ونقله الشيخ أبو حامد عن الساجي قال : وهذا نص ، وليست في هذه الروايات زيادة على رواية مسلم المتقدمة إلا أنه ليس في هذا الاستثناء اشتراط من المبتاع ، فالأولى أن يستدل برواية مسلم ، وتعليق الحكم فيها بالوصف ودلالته على أن ذلك [ حق البائع ] وقال الماوردي : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أنشد قول الأعرابي حين حرم عليه بعض ملوك الجاهلية ثمرة نخلة له :

جذذت جنى نخلتي ظالما وكان الثمار لمن قد أبر

فقال ( النبي صلى الله عليه وسلم ) : " { وكان الثمار لمن قد أبر } " . وكان ذلك منه إثباتا لهذا الحكم كما أنشد قول الأعشى :

وهو سر غالب لمن غلب

{ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وهو سر غالب لمن غلب } " . تثبيتا لهذا القول . وهذه الوجوه ذكرناها على جهة الاستئناس والاعتضاد لا أنه يقوم بها بمفردها حجة والحجة ما تقدم ، وله تتمة تأتي في فرع مذاهب العلماء ، والله أعلم .

فرع في مذاهب العلماء وافقنا على دخول الطلع والتفرقة بين ما قبل التأبير وبعده مالك وأحمد والليث بن سعد وداود بن علي والطبري . وقال ابن أبي ليلى : [ ص: 32 ] يدخل الطلع في بيع النخل بكل حال وقال أبو حنيفة والكوفيون والأوزاعي : لا يدخل بكل حال مؤبرا كان أو غير مؤبر إلا بالشرط فأخذ أبو حنيفة بالمنطوق دون المفهوم وأخذ الشافعي رضي الله عنه بالمنطوق والمفهوم معا ولم يأخذ ابن أبي ليلى بالمنطوق ولا بالمفهوم واحتج من نصر قوله بأنه متصل بأصل الخلقة فأشبه السقف والأغصان والصوف على ظهر الغنم . ( وأجاب ) أصحابنا رحمهم الله بأن هذه الأشياء إنما دخلت ; لأنها أجزاء وليست بنماء بدليل أن الحيوان يولد وعليه الصوف والنماء ما لا يكون أصلا . ( وأما ) الثمرة فإنها نماء ( وردوا ) هذا القول بما تقدم من السنة والاستدلال . ( واحتجت ) الحنفية ومن وافقهم بأنها ثمرة برزت عن شجرها ، وبأنها يجوز إفرادها بالعقد فلم تتبع الأصل كالمؤبرة ، وبالقياس على طلع الفحال ، وبأنها نماء لها حال إذا انتهت إليه أخذت فلم تتبع الأصل كالزرع في الأرض ، وبأن الزرع لا يتبع الأرض في حالة ظهوره ولا في حالة كمونه فكذلك الطلع ، وبأنه لا يختلف قول من شرط التأبير أنها إذا لم تؤبر حتى انتهت وصارت بلحا أو بسرا ثم بيع النخل أن الثمرة لا تدخل فيه ، قالوا : فعلمنا أن المعنى في ذكر التأبير ظهور الثمرة وبأن الطلع لا يتبع في الرهن فكذلك في البيع كالمؤبرة .

( وأجاب ) الأصحاب بعد التمسك بالحديث ( عن ) الأول بمنع كونها برزت عن الأصل فإنها في غلافها ( وعن ) الثاني بأنا لا نسلم جواز إفرادها بالعقد على رأي أبي إسحاق المروزي ; لأن المقصود مغيب فيما لا يدخر فيه فهو بمنزلة الجوز في القشرة العليا ، ولئن سلمنا فجواز الإفراد لا يدل على عدم التبعية ، ألا ترى أن من باع دارا فيها نخلة دخلت النخلة في البيع تبعا ويجوز إفرادها بالبيع ( وعن ) الثالث بأن الصحيح عندنا أن طلع الفحال كطلع الإناث ، ولو سلم فالفرق أن طلع الإناث المقصود منه ما في جوفه ، وطلع الفحال هو المقصود على وجهه ( وعن ) الرابع بأن الزرع بماء برز عن الأصل بخلاف الثمرة ( وعن ) الخامس بأن الزرع ليس من أصل [ ص: 33 ] الخلقة فلذلك لم يتبع بخلاف الثمرة فإنها مستترة في الشجرة من أصل الخلقة ( والجواب ) عن السادس أنها قبل التشقق غير ظاهرة ; لأن الثمرة المقصودة مستترة في الكمام ، فحيث ظهرت عن الكمام إما بالتأبير أو بغيره ; كانت للبائع فمن جعلها للبائع من غير تأبير ولا ظهور كان مخالفا للفظ الحديث ومعناه ( وعن ) السابع من وجوه : ( أحدها ) أن الشافعي رضي الله عنه قال في القديم : يدخل الطلع في الرهن تبعا للأصل ( والثاني ) أن الرهن لا يزيل الملك ، والبيع يزيل الملك . ( والثالث ) أن المعنى في المؤبرة أنها أخذت شبها من الولد المنفصل وشبها من الجنين فتعارضا ، وبقيت على حكم الأصل وهو ملك البائع ولا كذلك الكامنة .

( تتمة ) استدلال الأصحاب وقول المصنف رحمه الله : ولأن ثمرة النخل كالحمل إلى آخره هو من كلام القاضي أبي الطيب ، ولذلك الأصحاب قاسوه على الحمل - الشيخ أبو حامد والماوردي وغيرهم ، وتقدمت الاحترازات التي فيه ، لكن الشافعي رضي الله عنه في الأم في هذا الموضع قال : وتخالف الثمرة المؤبرة الجنين في أن لها حصة من الثمن ; لأنه ظاهر ، وليست للجنين ; لأنه غير ظاهر ، ولولا ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك لما كان الثمر مثل الجنين في بطن أمه ; لأنه يقدر على قطعه والتفريق بينه وبين شجره ، ويكون ذلك مباحا منه ، والجنين لا يقدر على إخراجه حتى يقدر الله تعالى له ولا يباح لأحد إخراجه ، وإنما جمعنا بينهما حيث اجتمعا في بعض حكمهما بأن السنة جاءت في الثمر لم يؤبر بمعنى الجنين في الإجماع فجمعنا بينهما خبرا لا قياسا ; إذ وجدنا حكم السنة في الثمر لم يؤبر كحكم الإجماع في جنين الأمة ، وإنما مثلنا فيه تمثيلا ليفقهه من سمعه من غير أن يكون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى أن يقاس على شيء بل الأشياء تكون تبعا له هذا كلام الشافعي رضي الله عنه وهو يقتضي الفرق بين الثمرة والحمل والاعتماد في ذلك على الحديث وحده ، وكما دل الإجماع في [ ص: 34 ] الحمل على الفرق بين ما قبل ظهوره وما بعده ، كذلك دلت السنة في الثمرة على الفرق بين ما قبل التأبير وما بعده ، وكلام الشافعي في هذا الموضوع صريح في أن الحمل لا يقابله قسط من الثمن على غير الأصح عند الأصحاب .

والأصحاب ذكروا في أن الثمرة هل يقابلها قسط من الثمن طريقين : ( إحداهما ) القطع بالمقابلة كما هو نص الشافعي ( والثانية ) تخريجها على قولين كالحمل وهي ضعيفة لمخالفتها النص ، ورجحها الرافعي في باب الرد بالعيب ، وقصد الشافعي رضي الله عنه بذلك تشبيهه قبل ظهوره بالثمرة غير المؤبرة ، ثم ذكر الفرق بينهما من جهة القدرة على فصل الثمرة عن الشجرة بخلاف الحمل ، والأصحاب قاسوا عليه ولم ينظروا إلى هذا الفرق ، وذكروا اعتراضات على القياس وانفصلوا عنها ( أما ) الاعتراضات فإن المعنى في الحمل لا يجوز إفراده بالعقد فلذلك كان تبعا ، وليس كذلك الثمرة ; لأنه يجوز إفرادها بالعقد على رأي ابن أبي هريرة وهو الصحيح عند طائفة ، وهذا قريب مما قاله الشافعي رضي الله عنه وليس إياه ، وبأنه لو كان الطلع كالحمل لوجب أن تكون الثمرة للمشتري وإن كانت قد ظهرت ; لأنها متصلة بالأصل . وبأنه لا يجوز للبائع استثناء الحمل لنفسه ويجوز له استثناء الطلع لنفسه ، وانفصلوا عن الأول بأبواب الدار فإنه يجوز إفرادها بالعقد ومع ذلك تتبع وإنما لم يجز العقد على الحمل وجاز على الثمرة ; لأن الحمل جار مجرى أبعاض الأم ، فلما لم يجز العقد على أبعاضها ; لم يجز على حملها والثمرة قبل التأبير تجري مجرى أغصان الشجرة ، فلما جاز العقد على أغصانها جاز على ثمرها ( وعن الثاني ) بأنها إذا كانت كامنة في الطلع فهي بمنزلة الحمل لا أصل لها غيره ، فأما إذا ظهرت من الطلع فقد أخذت شبها من الولد المنفصل عن الأم ; لأنها ظاهرة كالولد وأخذت شبها من الجنين ; لأنها متصلة بالأصل كاتصال الجنين بالأم ، وليس أحدهما أولى من الآخر ، فتعارضا وبقيت الثمرة على ملك البائع كما كانت ( وعن الثالث ) أنه يجوز للبائع استثناء السقف والأغصان ومع ذلك إذا لم يستثن دخلت في البيع

( فائدة ) كلام الشافعي رحمه الله المتقدم كالصريح في إفادة [ ص: 35 ] الإجماع على دخول الحمل في بيع الأم ، وقد روي عن محمد بن سيرين وغيره أنهم أجازوا بيع الأمة واستثناء ما في بطنها وليس مجرد ذلك مصادما للإجماع المذكور ولكن ابن المغلس الظاهري قال عن أصحابهم : إن تبعية الحمل للأم قول أكثر العلماء وإن النظر يوجب أن يكون الحمل للبائع ; لأنه غيرها وليس كعضو منها إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له ، فنسبة ابن المغلس ذلك إلى أكثر العلماء يشعر بخلاف ; إذ إنه رأى ذلك من كلامهم ولم يعلم في المسألة إجماعا ، ومحل الجزم في دخول الحمل إذا كان مملوكا لرب الحيوان بشرط أن يكون البيع قد وجد باختياره

قال ابن الرفعة : وفي معناه كل تمليك جرى بالاختيار من المالك إما بنفسه أو بوكيله وفي معنى ولي المحجور عليه لصغر أو سفه أو فلس ، وهل الاستتباع في هذا الأجل رضاء بانتقال الملك في الأم عنه القائم فيه مقامه وكيله أو وليه وكذا عند بيعه عليه قهرا أو لأجل أنه لم ينتقل الملك فيها عنه إلا بعوض ؟ فيه معنيان تخرج عليهما مسائل ذكرها الإمام في باب الخراج بالضمان ( منها ) لو وهبها حيث لا ثواب وهي حامل لا يتبعها الحمل الجديد كما قال : لا ، والقديم أنه يتبعها كما في البيع ، ومثلهما جار فيما لو رهن الجارية الحامل ; لأنه في المسألتين راض بخروج الملك في الأولى وبتعلق الحق في الثانية لكن لا بعوض أجريا أيضا فيما لو رهنها حائلا فحملت ( ومنها ) لو خرجت عن ملكه بعوض لكن لا برضاه ، كما إذا رد عليه عوضها بعيب وكانت قد حملت في يده أو رجع فيها بائعها عند فلسه وهي حامل وقد كانت حائلا عند ابتياعه لها هل يتبعها الحمل ؟ قولان :

( قلت ) : قضية المأخذين أن الأب لو رجع في الجارية التي وهبها لابنه وهي حامل ثم حملت أن لا يتبعها الحمل قولا واحدا ; لأنه لا عوض ولا رضاء مع ذلك فقد حكى الإمام في التبعية قولين ، قال الإمام : والفرق أن عقود الإجبار بالعوض تستدعي بعد المبيع عن الغير ، ولو نفذنا البيع ونحوه على الجارية دون الحمل لجر ذلك عسرا [ ص: 36 ] وما يجري من الارتداد فهذا ليس في حكم العقود ، فجرى الأمر في التبعية على التردد قال ابن الرفعة : وحيث نقول الحمل لا يتبع الأم في الرد بالعيب ونحوه ، ظاهر كلامهم أن الرد صحيح لا يمنع منه كما لم يمنع منه إفضاؤه في التفريق بين الأم والولد على رأي ولو كان الحمل حين البيع مملوكا لغير البائع بوصية أو غيرها ; فلا يندرج الحمل في البيع ، وهل يصح البيع ؟ قال ابن الرفعة : يشبه أن يرتب على استثناء الحمل ( إن قلنا ) يصح فهنا أولى وإلا فوجهان : قال القاضي حسين في كتاب أمهات الأولاد قال : إذا كان متزوجا بأمة فحملت منه وأوصى له بحملها جاز له أن يشتري الجارية على وجه يعني : لأنه صار جدا قال : ولا خلاف أنه لا يجوز بيعها من غيره ، ومثل الوجه في بيعها منه إذا أوصى له بحملها مذكور فيما إذا باعها من مالك الحمل ، والله أعلم .

( قاعدة ) العقود التي يملك بها النخل والثمر أربعة أضرب : ( أحدها ) : عقد معاوضة على وجه المراضاة كالبيع والصلح والصداق والخلع والإجارة كما إذا أجر داره مدة بنخلة مطلقة فهذه العقود تتبعها الثمرة غير المؤبرة ولا تتبعها المؤبرة ( والضرب الثاني ) ما ملك بمعاوضة على غير وجه المراضاة كما لو باعه نخلا فأطلعت في يد المشتري ثم فلس فرجع البائع في عين ماله فهل تكون الثمرة التي لم تؤبر تبعا له ؟ فيه وجهان : ( أصحهما ) عند الروياني التبعية ، وكما إذا رهن نخلا فأطلعت ، فحل الدين والطلع لم يؤبر ، فبيع المرهون جبرا من غير رضا الراهن هل يدخل الطلع في البيع أم لا ؟ فيه وجهان ، وقطع الروياني هنا بالتبعية ; لأنه وجد منه الرضا بهذا البيع عند الرهن ، وقد أطلقوا على هذين القسمين أنهما من عقود المعاوضات التي على غير وجه المراضاة ، وقد يتوقف في إطلاق العقد على الرجوع في الفلس ، والأمر في ذلك قريب ، ومن عد ذلك في عقود المعاوضات أراد به البيع الذي يرتب الرجوع عليه ، وحكى الجرجاني الوجهين أيضا في بيع نخيل المفلس في دينه . [ ص: 37 ]

( الضرب الثالث ) : عقد على سبيل المراضاة من غير معاوضة كالهبة والوصية هل تكون الثمرة التي لم تؤبر تبعا له ؟ على وجهين ، ومثل أن يهب نخلا لولده فيطلع فيرجع في هبته هل يتبع الطلع النخل ؟ على وجهين : ( الصحيح ) من المذهب ما قال الماوردي هنا أن الوالد لا يسترجع الثمرة ، وعد هذا القسم أيضا من هذا الضرب اعتبارا بالعقد المبني عليه كما تقدم ، وعد هذان الوجهان في كل هذه المسائل التي في الضربين ، قال الشيخ أبو حامد وغيره : أصلها مسألة واحدة ، وهي إذا رهنه نخلا عليها طلع لم يؤبر ، هل يدخل في الرهن بإطلاق العقد ؟ أم على قولين ؟ قال القاضي أبو الطيب : قال في الجديد : لا يدخل ; لأن الرهن لا يزيل الملك ، وكان يقول في القديم : يدخل على طريقة البيع ، ثم رجع عنه في الجديد .

( الضرب الرابع ) : ما لم يكن من عقود المعاوضات ولم يكن مأخوذا على وجه المراضاة كالطلاق قبل الدخول إذا استرجع به نصف المهر ، وكان قد أصدقها نخلا لا طلع عليها ، ثم أطلعت وطلقها قبل التأبير وقبل الدخول ، فههنا لا تتبع الثمرة الشجرة ولا ترجع إلى الزوج قولا واحدا ، قال الماوردي : لا يختلف المذهب فيه وقال الشيخ أبو حامد : إنه ليس لنا موضع لا يتبع الطلع قبل الإبار الأصل إلا في هذه المسألة يعني قولا واحدا ، وتعليله أن الصداق إذا كان زائدا زيادة متصلة غير متميزة كالسمن والكبر والصنعة لا يرجع به وإنما يرجع بنصف قيمته يوم أصدقها فإذا لم يرجع بالزيادة التي لا تتميز فلأن لا يرجع بالطلع أولى فإن أراد أن يرجع بنصف النخلة دون الطلع فإن له ذلك ويترك الطلع إلى أوان الجذاذ وجعل الماوردي من هذا القسم الوالد إذا رجع فيما وهبه لولده ولم يكن للوالد استرجاع الثمرة معه على الصحيح من المذهب وفهم عنه الروياني القطع بذلك فقال : وفي الحاوي : وعلى هذا الوالد لا يسترجع في الهبة من الولد غير المؤبرة قولا واحدا ; لأنه لا معاوضة ولا تراض . ( فرع ) قال صاحب التلخيص فيما شذ عن أصول الكوفيين يعني الحنفية : إنه إن رهن أرضا أو أقر بها دخلت الثمار يعني عندهم وهذا يرد عليهم في كونهم يقولون : لا يدخل في البيع ولا في غيره إلا في هاتين المسألتين

[ ص: 38 ] فرع ) وأما قول المصنف رحمه الله : قال الشافعي رحمه الله : وما تشقق في معنى ما أبر ; لأنه نماء ظاهر فهو كالمؤبرة ، فهو كذلك في الأم والمختصر ، وإن لم يكن بلفظه ، والقياس الجلي ظاهر في ذلك ; لأن الاعتبار بظهور الثمرة ، فلا فرق بين أن تظهر بعلاج أو بغير علاج أو تشقق بالرياح اللواقح ، وهو أن يكون محول النخل في ناحية الصبا ، فتهب في وقت الإبار ، فإن الإبار تتأثر بروائح طلع الفحول ، قال الشيخ أبو حامد : بل ظهورها بنفسها أولى ، قال الشافعي رحمة الله عليه في البويطي : الإبار في النخل إذا انشق الخف وبدت الثمرة فهو وقت الإبار ، أبر أو لم يؤبر ، قال الماوردي : وقد يكون من أنواع النخل ما يكون ترك تلقيحه أصح للثمرة . ومن كلام الشافعي والبويطي المذكور يستفاد أن التأبير اسم لوضع طلع الفحال في الإناث بعد تشققها لا لنفس التشقق ولا التشقق ، وهو معنى قول الأصحاب : إن وقت التأبير قائم مقام التأبير ، وإن وضع الكش بعد تشقق الثمرة ليس بشرط في سلامة ذلك للبائع ، والتبعية في المبيع وعدمها منوطة بالتشقق ، لا بوضع طلع الفحال فيها ، فيكون ذكر التأبير غالبا والنخل تارة يتشقق بنفسه فيلقح بعد ذلك ، وتارة يبلغ أوان التشقق ولم يتشقق بعد ويشقق ويفعل ذلك به ، وقال ابن الرفعة ما معناه : إنا إنما اتبعنا المعنى هنا ، ولم نتبع اللفظ ، ولا أجرينا فيه خلافا ; لأن المعنى قوي بأصل بقاء ملك البائع ، ولا يعارض ذلك بأن تركه التأبير عند إمكانه كالأعراض فتجعل تابعة لمقتضى مفهوم الحديث لضعف عموم المفهوم وقال ابن عبد البر في التمهيد : لم يختلف العلماء أن الحائط إذا تشقق طلع إناثه فأخر إباره وقد أبر غيره ممن حاله مثل حاله ، أن حكمه حكم ما أبر ; لأنه قد جاء عليه وقت الإبار وظهرت ثمرته بعد تغيبها في الخف ، وما ذكره هؤلاء الأئمة هو المعول عليه وقال ابن حزم الظاهري : إنه لو ظهرت ثمرة النخل بغير إبار لم يحل اشتراطها أصلا وجمد جمودا عجيبا ، فقال : لا يجوز في ثمرة النخل إلا الاشتراط فقط .

( وأما ) البيع فلا ، حتى يصير زهوا فإذا هو صار زهوا [ ص: 39 ] جاز فيه الاشتراط والبيع مع الأصول ودونها وليس هذا الحكم إلا في النخل المأبور خاصة ، ولم يطرده في غير النخل من الشجر ولا في النخلة الواحدة والنخلتين ، وهذا جمود عجيب ينكره الفهم ، وعدم طرده إياه في النخلة والنخلتين بناء منه على أن النخل اسم جمع ، ولمخالفيه أن يقولوا : إنه اسم جنس ، فإن العرب لم تلزمه تاء التأنيث قال الله تعالى : " { أعجاز نخل منقعر } " وإذا كان اسم جنس شمل القليل والكثير كتمر ، وسائر ما مؤنثه بالتاء مما لم تلزمه العرب كالتخم والبهم بخلاف الرطب ، فإنهم قالوا فيه هو الرطب كما لم تلتزم فيه العرب التأنيث يصح أن يكون اسم جنس ، والنخل من هذا القبيل ، والله أعلم .

( فرع ) دل الحديث على أن الثمرة المؤبرة للبائع إلا أن يشترط المبتاع أي كل الثمرة للبائع إلا أن يشترط المبتاع كلها أو شيئا منها ، كالنصف والثلث ، وأي جزء كان معلوما فلا تكون كلها للبائع ، بل على حسب الشرط ، والعموم في الأول مأخوذ من الإضافة من قوله : فثمرتها ، والإطلاق في الثاني مأخوذ من عدم الهاء كما تقدم التنبيه عليه في لفظ الحديث ، وبه يقول جمهور العلماء ، ومنهم أشهب من المالكية ، وقال مالك وابن القاسم : لا يجوز أن يشترط بعضها ، وكذلك قال مالك وداود : وفي مال العبد لا يجوز إلا أن يشترطه كله أو يدعه كله ( فرع ) هذا الاشتراط هل حكمه حكم البيع أو لا ؟ قد تقدم كلام الشافعي أنه يقابله قسط من الثمن فذلك يدل على أن حكمه حكم البيع عنده ، ومشهور مذهب مالك أن الثمرة إذا اشترطها مشتري الأصل أو اشتراها بيد أنها لا حصة لها من الثمن ، ولو أجيحت كلها كانت من المشتري ، وتمسك ابن حزم في أن هذا الاشتراط ليس ببيع بنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى تزهي ، وحمل هذا على عمومه ، والقائلون بأن الاشتراط بيع يحتاجون إلى تخصيص هذا الحديث أو تأويله على بيعها وحدها .

( فرع ) قال أصحابنا : يحصل تسليم الشجرة مع كون الثمار المؤبرة عليها للبائع ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يحصل إلا بعد [ ص: 40 ] قطع الثمار ، وممن صرح بهذا الفرع القاضي حسين ، وفرقوا بينها وبين الأرض المشغولة بالزرع على وجه بأن منفعة الشجرة تافهة .

( فرع ) فأما غير المؤبرة فقد علم أنها عند الإطلاق تكون للمشتري ، فلو اشترطها البائع فلا خلاف في الجواز ، وإن اختلفوا في جواز إفرادها في البيع ، فإن ذاك بيع حقيقي وهذا استجد فيصح ، قال القاضي أبو الطيب : قال في كتاب الصرف فذلك جائز ; لأن صاحب النخل نزل عليه تسوية الثمرة في نخله حين باعها إياه إذا كان استثناها على أن يقطعها ، فإن استثنى على أن يقرها فلا خير في البيع ; لأنه باعه ثمرة لم يبد صلاحها على أن تكون مفردة إلى وقت قد تأتي عليها الآفة قبله ، قال القاضي أبو الطيب : وهذا الكلام يقتضي أن من باع نخلا قبل التأبير واستثنى الثمرة لنفسه لم يجز إلا بشرط القطع ، وليس يقول بهذا أحد من أصحابنا ; لأنه يجوز أن يشترط مطلقا ، وإنما شرط القطع في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها . ( قلت : ) قد قال به بعض الأصحاب تخريجا على أن المشرف على الزوال هل يجعل كالزائل ؟ فإن الثمرة بالبيع قد أشرفت على زوالها عن البائع وبالاستثناء كأنها رجعت إليه فأشبهت الداخلة في ملكه ابتداء ، فلذلك شرط شرط قلعها ، والوجهان مشهوران في طريقة المراوزة حكاهما القاضي حسين وغيره ، وجعلوا هذه قاعدة أن ما أشرف على الزوال هل يعطى حكم الزائل ؟ وخرجوا على ذلك مسائل : ( منها ) إذا باع دارا واستثنى منفعتها لنفسه سنة هل يصح ؟ كما لو باعها ثم استأجرها أو لا يصح ؟ فيه الوجهان ، فإن قلنا هناك : يصح ، فههنا يجب القطع في الحال ، وإن قلنا هناك : لا يصح ، فههنا يصح ، ولكن لا يجب القطع في الحال ، هكذا قال القاضي حسين .

( ومنها ) إذا جنى المدبر جناية تستغرق قيمته ، ثم مات السيد ، ولم يخلف غيره ففداه الورثة حكمنا بنفوذ العتق ، وفي الولاء قولان : ( إن قلنا ) المشرف كالزائل العائد فالولاء للورثة ، وإلا فللمتوفى ، ومنهم من يؤول نص الشافعي على ما إذا باع الشجرة مطلقا ثم اشترى من المشتري الطلع ، فإنه يجوز بشرط القطع ، هكذا قال القاضي حسين وغيره ، وممن جزم بظاهر النص الماوردي على ما حكى الروياني عنه ، [ ص: 41 ] لكن أكثر العراقيين جازمون بإنكار ذلك ، وأن ما نقل عن كتاب الصرف خطأ في النقل ; لأن حرملة نقل إذا كان اشتراها على أن يقطعها فإن اشتراها على أن يقرها فلا خير في البيع ، فوقع الخطأ في النقل من قوله : اشترى إلى قوله استثنى ، ووافقهم القفال على هذا . والقاضي حسين أيضا صحح خلاف ظاهر النص ، وحمله تأويله أنه أراد به إذا باع النخل قبل التأبير فكانت الأصول والثمرة للمشتري ثم اشترى البائع الثمرة منه قبل بدو الصلاح لم يجز الشراء إلا بشرط القطع ، ولكنا نعود إلى الكلام في ذلك عند بيع الثمار ( وأما ) الحديث فليس فيه تعرض لذلك ، نعم قد يقال : إذا كان مقتضاه أن يكون للمشتري فينبغي إذا شرطت للبائع لا يصح كالحمل ، كما لا يصح استثناؤه لا يصح ههنا ، فما وجه جزم الأصحاب بصحته ؟ ونظرهم بعد ذلك في أنه هل يشترط شرط القطع أم لا ؟ ( والجواب ) عن هذا أنها ليست كالحمل من كل وجه كما تقدم ، وقد تقدم خلاف في جواز إفرادها بالبيع ، فإن قلنا به فلا إشكال في جواز استثنائها ، وإن قلنا بقول أبي إسحاق المروزي وهو أنه لا يجوز إفرادها بالبيع فذلك ; لأن المقصود فيها مغيب ، ولا يلزم من ذلك أن لا يجوز استثناؤها ، فإنه لا يشترط في المستثنى ما يشترط في المبيع . وقال المالكية : إن شرطها البائع لم يجز ، وكأن المشتري باعها قبل بدو صلاحها .

( فرع ) إذا قلنا بأنه إذا استثنى الثمرة يشترط شرط القطع فأطلق ، قال الإمام : دل كلام الأئمة أن الاستثناء باطل والثمرة للمشتري ، قال : وهذا مشكل جدا ، وأن صرف الثمرة إليه مع التصريح باستثنائه محال عندي ، فالوجه عد الاستثناء المطلق شرطا فاسدا مفسدا للعقد في الأشجار ، ويكون كاستثناء الحمل . وهذا الذي ذكره الإمام هو الذي جزم به الماوردي ، وأنه يفسد البيع تفريعا على هذا القول ولم يذكر غير ذلك وذكر الماوردي أيضا تفريعا عليه أنه لو استثنى نصف الثمرة فسد العقد لتعذر اشتراط القطع

( فرع ) إذا بقيت الثمار غير المؤبرة للبائع بالاستثناء قال الإمام : فإن لم يشترط التقييد يعني بشرط القطع رأينا الإبقاء ، وإن شرطنا أوجبنا الوفاء ، ولا خلاف أن الثمار المؤبرة إذا بقيت ولم يبد الصلاح فيها لا يستحق عليه قطعها وإن كان يشترط في صحة [ ص: 42 ] بيعها إذا أفردت شرط قطعها ( قلت : ) لأنها لم تشرف على الزوال ، فإن العقد المطلق والحالة هذه لا يقتضي دخولها ، بخلاف ما قبل التأبير ، وكيفما قدر فظاهر المذهب أنه لا يشترط في الاستثناء شرط القطع ، والله أعلم .

( فرع ) قال الماوردي : إنه لو استثنى البائع نصف الثمرة بطل العقد ، لتعذر اشتراط القطع به ، وهذا منه بناء على أمرين : ( أحدهما ) : وجوب اشتراط القطع ( والأصح ) خلافه ، وقد تقدم الكلام فيه قريبا ( والثاني ) أن امتناع القطع مبني على منع القسمة : وسيأتي الكلام فيه في بيع نصف الثمرة شائعا قبل بدو الصلاح ، والله أعلم .

( فرع ) قد علمت أن هذه المؤبرة عند الإطلاق للمشتري ، فلو تلفت في يد البائع قبل القبض ثبت للمشتري الخيار ، إن شاء فسخ البيع لتلف بعض المبيع قبل القبض ، وإن شاء أجاز في الأصول بجميع الثمن أو بحصته على القولين في تفريق الصفقة ، وليس كما إذا قطعت يد العبد ، فإنه إن أجاز يجيز بجميع الثمن قولا واحدا على المشهور ; لأن الثمن لا يتقسط على الأطراف ، ويتقسط على الثمرة كما تقدم من نص الشافعي رضي الله عنه وممن صرح بهذه المسألة القاضي أبو الطيب والمحاملي والروياني ، وكذلك لو كانت مؤبرة واشترطها المشتري لنفسه ثم تلفت ، وعن البويطي قول آخر في مسألة العبد أنه يأخذه بحصته من الثمن ، وعن القاضي أبي حامد أن هذا لا يصح على مذهب الشافعي رضي الله عنه ومن أصحابنا من خرج تلف الثمرة غير المؤبرة على القولين في أن الحمل هل يقابل بقسط من الثمن ؟ وهو مردود لنص الشافعي رضي الله عنه على خلافه .

( فرع ) باع نخلة مطلعة ولم يقل للمشتري : إنها مؤبرة ، ولم يعلم المشتري بتأبيرها ، ثم علم كان الخيار ، قاله الشافعي رضي الله عنه والأصحاب القاضي أبو الطيب والروياني والمتولي وعللوه بأن بقاء الثمرة ربما أضر بالشجرة في سنة أخرى ، فإن من الأشجار ما يحمل سنة ولا يحمل سنة ، أو يقل في سنة ويكثر في سنة ، وأيضا فإنه يحتاج إلى الدخول في ملكه ، وربما يتأذى به ، قال [ ص: 43 ] ابن الرفعة : ولا يقدح ذلك في البيع قولا واحدا ، وإن قدح في الزرع على وجه ; لأن هذه المنفعة تافهة بخلاف منفعة الأرض .

( فرع ) بيع الطلع في قشره مفردا مقطوعا على الأرض ، أو على النخل بشرط القطع ، فيه وجهان ( قال ) أبو إسحاق : لا يصح ; لأن المقصود من الطلع ما في نفسه وهو مستور بما لا مصلحة له فيه ( وقال ) ابن أبي هريرة : يصح ; لأن الجميع مأكول ، والمأكول إذا استتر بعضه جاز بيعه ، والأول أصح عند المحاملي وصاحب العدة والشيخ أبي حامد فيما نقل عنه ، والثاني أصح عند الشيخ أبي حامد والماوردي والقاضي الطبري والروياني والجرجاني ، وقال الإمام : إن معظم الأصحاب ذهبوا إليه ، وإن صاحب التقريب حكى فيه قولين ، وبناهما على بيع الحنطة في سنبلها ، ونقل ابن الصباغ عن أبي حامد أنه اختار قول أبي إسحاق ثم المجوزون لذلك إنما يجوزونه بشرط القطع إذا كان على النخل ، كما دل عليه كلام ابن الصباغ والروياني وغيرهما ، وهو ظاهر ، والمسألة مذكورة في الكتاب في باب النهي عن بيع الغرر وشرحها النووي هناك ولا خلاف أن وقت التأبير لا يكون لوجود التأبير ، قال صاحب التتمة : كما أن الاعتبار بولادة الجارية لا بوقت الولادة ، وسيأتي ، في كلام الإمام ما قد يتوهم منه خلاف ذلك ، ونذكر تأويله هناك إن شاء الله تعالى وقال ابن الرفعة : إذا شقق الطلع قبل أوان تشققه فهو للمشتري ، وإن شقق في أوانه فهو للبائع ، وإن لم يتشقق بنفسه ولا شقق في أوانه فهل يكون للبائع إقامة لوقت التشقق مقام التشقق أو لا ؟ فيه نظر واحتمال ( قلت : ) وهذا الاحتمال باطل ، والحكم كما مر مع الظهور وجودا أو عدما .

( فرع ) قال الشيخ أبو محمد : إذا أبر الطلع وحكمنا ببقائه للبائع فحرم الكمام للمشتري فإنه يترك على النخلة نقله عنه في النهاية ، وجزم به في الروضة نقلا عن البسيط عند الكلام فيما يدخل تحت اسم الشجرة .

( فرع ) باع نخلة لم يخرج طلعها فإنه يخرج طلعها على ملك المشتري ، فلو استثناه البائع ; بطل البيع قاله الخوارزمي في الكافي .

[ ص: 44 ] فرع ) لو شرط غير المؤبرة للمشتري قال في التتمة : كان تأكيدا ولك أن تقول : يصير كشرط الحمل إذا صرح به ، وفيه خلاف ، وسيأتي نظيره فيما إذا باع الثمرة مع الشجرة قبل بدو الصلاح ، قالوا فيها : يصح ، وسيأتي البحث المذكور فيها وهو هنا أقوى ; لأن المؤبرة التي لم يبد صلاحها يجوز بيعها بمفردها قولا واحدا ، ولكن يشترط فيه شرط القطع ، وغير المؤبرة لنا في بيعها مفردة خلاف ، فمن يقول بعدم الصحة يوجب إلحاقها بالحمل ، فإذا صرح بدخولها كان كما لو صرح بدخول الحمل ، وفيه خلاف ( والأصح ) عند الرافعي بطلانه ، والله أعلم .

( فرعان ) ذكرهما أبو العباس بن سريج ، ونقلهما الشيخ أبو حامد في تعليقه عنه . ( أحدهما ) اشترى نخلة فأثمرت في يد البائع فالثمرة للمشتري ، ولا يكون شيء من الثمن مقابلا لها ، وهي أمانة في يد البائع فإن سلمها استقر البيع في النخلة ، وخرجت الثمرة من أمانته ، وإن تلفتا انفسخ البيع في النخلة ، وعليه رد ثمنها ، ولا شيء عليه لأجل الثمرة ، وإن تلفت الثمرة سلم النخلة وأخذ جميع الثمن ، وإن سلمت الثمرة وتلفت النخلة سقط جميع الثمن عن المشتري ، وأخذ الثمرة ولا شيء للبائع .

( الثاني ) اشترى أرضا عليها نخيل مؤبرة ، واشترط كل ذلك ، وكانت قيمة الجميع متساوية فحدثت ثمرة أخرى قبل أن يتسلمها فالثمرة الحادثة في ملك المشتري ، فإن أكل البائع الثمرتين جميعا كان عاصيا فيهما ، وعليه بدل الثمرة الخارجة إن كان أكلها رطبا فثمنه وإن كان أكلها تمرا فمثله ، وأما الخارجة فالمشتري بالخيار لأجلها ، فإن فسخ البيع ; رجع بجميع الثمن ، وإن أجاز فعلى القولين في جناية البائع ( إن قلنا : ) كالآفة السماوية أجاز في الأرض والنخل بحصتهما من الثمن ( وإن قلنا : ) كالأجنبي أعطاه جميع الثمن ثم غرمه بدل الثمرة والله أعلم .

( فائدة ) الغزالي رحمه الله تعالى في المستصفى من المنكرين لهذا [ ص: 45 ] المفهوم ، ولكنه في كتبه الخلافية كالتحضير بالغ في إثبات ذلك وتقريره وأن عرف العرب في الاستعمال أفهم أمورا تكاد تزيد فوائدها على موجب الأوضاع ، وأن الإشكال في المسكوت عنه ، والبقاء على النفي الأصلي فيه إنما كان قبل التخصيص ، أما بعد التخصيص ارتفع الإشكال وصار ذلك معلوما بدليل من جهة الشرع ، والسر في الفرق بين هذه المفهومات وبين مفهوم اللقب حيث لم يكن حجة على المختار أن التخصيص هو الطريق المستعمل عرفا للنفي والإثبات بطريق الإيجاز ، ومعنى التخصيص إيقاع الخصوص بقطع بعض الجملة عن الجملة . والجملة إما أن تتمثل في الذكر بقوله : من باع نخلة فإنها تتناول المؤبرة وغير المؤبرة ، فإذا استدرك وقال : بعد أن تؤبر كان ذلك تخصيصا وقطعا عن جملة وإما أن تتمثل في الوهم بأن يكون ذكر أحد القسمين مذكرا للآخر المقطوع عنه بالضرورة كقوله : الثيب أحق فإنه قطع عن البكر ; إذ الثيابة والبكارة صفتان يتقاطعان على التعاقب ، وضعت كل واحدة منهما لفصل قسم عن قسم ، والعلف أيضا كذلك مع إثبات الثيابة بذكر الثيابة والسوم بالضرورة ، واليوم في قوله " { ثم أتموا الصيام إلى الليل } " والتأبير نفي البكارة والعلف والليل والاستتار ، وليس في إثبات البر نفي الزعفران والأدوية والفواكه وغيرها أو لا اتصال بين البر وغيره حتى يكون ذكره قطعا لذلك الاتصال .

نعم قد يدل على التخصيص بقرينة تنضم إلى الذكر القاصر . فأما مجرد الذكر فلا يدل ، والتخصيص دليل بالوضع العرفي ، فلا يخرج عن كونه دليلا إلا بقرينة ، فليدرك التفاوت بين الرتبتين . وهذا الذي ذكره الغزالي رحمه الله من نفيس الكلام لمن أنصف من نفسه ، وفهم بذوقه الفرق بين الرتبتين . فيعلم بهذا الكلام السبب في ذلك ( وأما ) من لم يشهد ذوقه للتفرقة قال : فهو جدير بأن لا يكلم ، ومراده بالعرف عرف المحاورة في كلام العرب لا عرف طارئ بعدهم ، وهذا السر هو الموجب لكوننا لم نقل بمفهوم قوله : " { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } " ومفهوم [ ص: 46 ] قوله صلى الله عليه وسلم : " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل ( وأما ) الأول ; فلأن الخلع لا يتفق إلا في حالة الشقاق ، ويستحيل بحكم العادة وقوعه في حالة المصافاة ، وما لا يقع عرفا فليس من غرض الشرع بيانه ، فقد استوعب الشارع كل محل الحاجة ، ولم يقع البعض عن البعض ، وذكره اللحوق ذكره لمحل الحاجة إلى البيان ، وهو كل محل الحاجة ( وأما ) الحديث فلأن المرأة إما أن تفوض أمرها للولي لحيائها أو تستقل لزوال حيائها ( أما ) المباشرة بإذن الولي فلا تقع في العادة فلم يكن من محل البيان في غرضه ، والله أعلم .

( فائدة أخرى ) في التأبير ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : " { أبصر النبي صلى الله عليه وسلم الناس يلقحون النخل فقال : ما للناس ؟ قالوا : يلقحون . فقال : لا لقاح - أو لا أدري اللقاح شيئا ، فقال : فتركوا اللقاح ، فخرج ثمر الناس شيصا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما شأنه ؟ قالوا : كنت نهيت عن اللقاح ، فقال : ما أنا بزارع ولا صاحب نخل لقحوا } " أورد أبو بكر محمد بن موسى الحازمي هذا الحديث في كتابه الناسخ والمنسوخ لتضمنه النهي عن اللقاح ثم الإذن فيه ، ونقل عن بعضهم أن قوله : " لا لقاح " صيغة تدل على النهي وأن للشارع أن يتحكم في أفعال العباد كيف أراد ، ولهذا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : كنت نهيت عن اللقاح ولم ينكر عليهم ، ومال الحازمي إلى أن ذلك ليس بحكم شرعي ، ولقوله في رواية أخرى : " { إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله تعالى شيئا فخذوا به ، فإنني لن أكذب على الله } " ثم قال الحازمي : وعلى الجملة : الحديث يحتمل كلا المذهبين ، ولذلك أبقينا يعني في الناسخ والمنسوخ .

التالي السابق


الخدمات العلمية