صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( ويكره أن يبول في الطريق والظل والموارد ، لما روى معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { اتقوا الملاعن الثلاثة : البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل } " ) .


( الشرح ) هذا الحديث رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي بإسناد جيد ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " { اتقوا اللعانين ، قالوا : وما اللعانان يا رسول الله ؟ قال : الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم } " وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " { من سل سخيمته على طريق عامر من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين } " رواه البيهقي ، السخيمة بفتح السين المهملة وكسر الخاء المعجمة هي الغائط ، والملاعن مواضع اللعن جمع ملعنة ، كمقبرة ومجزرة موضع القبر والجزر . وأما اللعانان في رواية مسلم فهما صاحبا اللعن أي الذي يلعنهما الناس كثيرا . وفي رواية أبي داود اللاعنان ، ومعناه الأمران الجالبان للعن ، لأن من فعلهما لعنه الناس في العادة ، فلما صارا سببا للعن أضيف الفعل إليهما .

قال الخطابي : وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون ، فالتقدير اتقوا الملعون فاعلهما ، وأما الموارد فقال الخطابي وغيره هي طرق الماء واحدها مورد ، قالوا : والمراد بالظل مستظل الناس الذي اتخذوه مقيلا ومناخا ينزلونه أو يقعدون [ ص: 102 ] تحته ، قالوا وليس كل ظل يمنع قضاء الحاجة تحته ، فقد قعد النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته تحت حائش النخل . ثبت ذلك في صحيح مسلم ، وللحائش ظل بلا شك . وأما البراز ، فقال الخطابي : هو هنا بفتح الباء وهو الفضاء الواسع من الأرض كنوا به عن قضاء الحاجة كما كنوا عنه بالخلاء ، ويقال تبرز الرجل إذا تغوط كما يقال تخلى ، قال : وأهل الحديث يروونه البراز بكسر الباء وهو غلط . هذا كلام الخطابي . وقال غيره : الصواب البراز بكسر الباء وهو الغائط نفسه ، كذا ذكره أهل اللغة فإذا كان البراز بالكسر في اللغة هو الغائط ، وقد اعترف الخطابي بأن الرواة نقلوه بالكسر تعين المصير إليه ، فحصل أن المختار كسر الباء ، وقد بسطت الكلام في هذه اللفظة في تهذيب الأسماء واللغات . وأما قارعة الطريق فأعلاه ، قاله الأزهري والجوهري وغيرهما ، وقيل صدره وقيل ما برز منه ، والطريق يذكر ويؤنث لغتان مشهورتان تقدم بيانهما . وأما معاذ الراوي فهو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو الأنصاري المدني من كبار الصحابة وفقهائهم ; ومن أعلمهم بالأحكام شهد بدرا وسائر المشاهد ، وأسلم وله ثمان عشرة سنة ، توفي سنة ثمان عشرة شهيدا في طاعون عمواس بفتح العين والميم وهي قرية بالأردن من الشام وقبره بغور بيسان ، ومناقبه كثيرة مشهورة ، رضي الله عنه . وهذا الأدب وهو اتقاء الملاعن الثلاث ، متفق عليه ، وظاهر كلام المصنف والأصحاب أن فعل هذه الملاعن أو بعضها مكروه كراهة تنزيه لا تحريم ، وينبغي أن يكون محرما لهذه الأحاديث ، ولما فيه من إيذاء المسلمين ، وفي كلام الخطابي وغيره إشارة إلى تحريمه والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية