صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( وفي كيفية الاستنجاء بالحجر وجهان . قال أبو علي بن أبي هريرة : يضع حجرا مقدم صفحته اليمنى ، ويمره إلى آخرها ، ثم يدير الحجر إلى الصفحة اليسرى ، فيمره عليها إلى أن ينتهي إلى الموضع الذي بدأ منه ، ويأخذ الثاني فيمره على الصفحة اليسرى ويمره إلى آخرها ، ثم يديره إلى صفحته اليمنى فيمره عليها من أولها إلى أن ينتهي إلى الموضع الذي بدأ منه ، ويأخذ الثالث فيمره على المسربة لقوله صلى الله عليه وسلم : " { يقبل بواحد ويدبر بآخر [ ص: 123 ] ويحلق بالثالث } " وقال أبو إسحاق : يمر حجرا على الصفحة اليمنى ، وحجرا على الصفحة اليسرى ، وحجرا على المسربة ، لقوله صلى الله عليه وسلم " { أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار ، حجران للصفحتين وحجر للمسربة } " والأول أصح لأنه يمر كل حجر على المواضع الثلاثة ) .


( الشرح ) أما الحديث الأول فضعيف منكر لا أصل له وينكر على المصنف قوله فيه : " لقوله صلى الله عليه وسلم " فعبر عنه بصيغة الجزم مع أنه حديث منكر . أما الثاني فحديث حسن ، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال : { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاستطابة فقال أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار ، حجرين للصفحتين ، وحجرا للمسربة } " رواه الدارقطني والبيهقي وقالا : إسناده حسن . وأما قول الرافعي : الحديثان ثابتان ; فغلط منه في الحديث الأول ، ووقع في الحديث حجرين وحجرا بالنصب . وفي المهذب حجران وحجر بالرفع ، وكلاهما صحيح ، فالأول على البدل من " ثلاثة " والثاني على الابتداء . وقد جاء القرآن بالوجهين ، فالبدل في مواضع كثيرة كقوله تعالى { إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم } وابتداء قوله تعالى { قد كان لكم آية في فئتين التقتا ، فئة تقاتل في سبيل الله } وقوله : " ويحلق " هو بضم الياء وكسر اللام المشددة ، أي يديره كالحلقة ، والمسربة هنا مجرى الغائط وهي بضم الراء ، وقيل : يجوز فتحها ، وللمسربة معنى آخر في اللغة وهي الشعر المستدق من السرة إلى العانة ، وجاء ذكرها في الحديث وليست مرادة هنا .

( وأما حكم المسألة ) ففي كيفية الاستنجاء ثلاثة أوجه : أحدها : يمر حجرا من مقدم الصفحة اليمنى ويديره عليها ثم على اليسرى حتى يصل الموضع الذي بدأ منه ، ثم يمر الحجر الثاني من أول الصفحة [ ص: 124 ] اليسرى إلى آخرها . ثم على اليمنى حتى يصل موضع ابتدائه ، ثم يمر بالثالث على المسربة ، وهذا قول ابن أبي هريرة . الثاني : أن يمسح بحجر الصفحة اليمنى وحدها ، ثم بحجر اليسرى وحدها ، وبالثالث المسربة . وهذا قول أبي إسحاق المروزي . والثالث : يضع حجرا على مقدم المسربة ويمره إلى آخرها ، ثم حجرا على مؤخرة المسربة ويمره إلى أولها ، ثم يحلق بالثالث ، حكاه البغوي وهو غريب . واتفق الأصحاب على أن الصحيح هو الوجه الأول ; لأنه يعم المحل بكل حجر . ونقل القاضي أبو الطيب وصاحبا الشامل والتتمة عن الأصحاب أنهم غلطوا أبا إسحاق المروزي في الوجه الثاني . ونقل القاضي حسين في تعليقه : أن الشافعي نص في الكبير على قول أبي إسحاق لكن الأصحاب تأولوه ، وعلى هذا الجواب عن الحديث الذي احتج به أن قوله صلى الله عليه وسلم حجرين للصفحتين معناه كل حجر للصفحتين . ثم اختلفوا في هذا الخلاف . فالصحيح أنه خلاف في الأفضل وأن الجميع جائز . وبهذا قطع العراقيون والبغوي وآخرون من الخراسانيين ، وحكاه الرافعي عن معظم الأصحاب وحكى الخراسانيون وجها أنه خلاف في الوجوب ، فصاحب الوجه الأول لا يجيز الكيفية الثانية وصاحب الثاني لا يجيز الأولى ، وهذا قول الشيخ أبي محمد الجويني ، وقال الغزالي في درسه : ينبغي أن يقال من قال بالأول لا يجيز الثاني ، ومن قال بالثاني لا يجيز الأول . قال المتولي : فإن احتاج إلى استعمال حجر رابع وخامس فصفة استعماله كصفة الثالث لأنا أمرناه في الثالث بمسح الجميع لأن عين النجاسة زالت بالحجرين الأولين ; وليس في المحل إلا أثر فلا يخشى انبساطه .

( فرع ) قال أصحابنا الخراسانيون : ينبغي أن يضع الحجر على موضع طاهر بقرب النجاسة ، ولا يضعه على نفس النجاسة ; لأنه إذا وضعه عليها أبقى شيئا منها ونشرها ; وحينئذ يتعين الماء ، ثم إذا انتهى إلى النجاسة أدار الحجر قليلا قليلا حتى يرفع كل جزء من الحجر جزءا من النجاسة ، فلو أمر الحجر من غير إدارة ونقل النجاسة من موضع إلى موضع تعين الماء ، وإن [ ص: 125 ] أمر ولم ينقل فهل يجزئه ؟ فيه وجهان الصحيح يجزئه . هكذا ذكره إمام الحرمين والغزالي والرافعي وغيرهم ولم يشترط العراقيون شيئا من ذلك وهو الصحيح ; فإن اشتراط ذلك تضييق للرخصة غير ممكن إلا في نادر من الناس مع عسر شديد . وليس لهذا الاشتراط أصل في السنة ; والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية