صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولا يجوز أن يستنجي بيمينه ، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت " { كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى } " فإن كان يستنجي بغير الماء أخذ ذكره بيساره ومسحه على ما يستنجي به من أرض أو حجر ، فإن كان الحجر صغيرا غمز عقبه عليه وأمسكه بين إبهامي رجليه ومسح ذكره عليه بيساره ، وإن كان يستنجي بالماء صب الماء بيمينه ومسحه بيساره ، فإن خالف واستنجى بيمينه أجزأه لأن الاستنجاء يقع بما في اليد لا باليد فلم تمنع صحته ) .


( الشرح ) حديث عائشة صحيح . رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح ، وروى جماعة من الصحابة في النهي عن الاستنجاء باليمين فروى أبو قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " { إذا أتى أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ، ولا يتمسح بيمينه } " رواه البخاري ومسلم . وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال " { نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستنجي باليمين } " رواه مسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم ، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطب بيمينه . وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة } " حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وغيرهما بأسانيد صحيحة ، وهذا لفظ أبي داود وقوله صلى الله عليه وسلم : " إنما أنا لكم بمنزلة الوالد " فيه تفسيران ذكرهما صاحب الحاوي وآخرون ، أظهرهما - ولم يذكر الخطابي وغيره - أنه كلام بسط وتأنيس للمخاطبين ، لئلا يستحيوا عن مسألته فيما يحتاجون إليه من أمر دينهم ، لا سيما ما يتعلق بالعورات ونحوها ، فقال : أنا كالوالد فلا تستحيوا مني في شيء من ذلك كما لا تستحيون من الوالد . والثاني : معناه يلزمني تأديبكم وتعليمكم أمر دينكم ، كما يلزم [ ص: 126 ] الوالد ذلك ، ويجوز أن يكون المراد كالوالد في الأمرين جميعا . وفي ثالث أيضا وهو الحرص على مصلحتكم والشفقة عليكم والله أعلم .

( وأما حكم المسألة ) فقال الأصحاب : يكره الاستنجاء باليمين كراهة تنزيه ولا يحرم ، هكذا صرح به الجمهور ، قال الشيخ أبو حامد في تعليقه : يستحب أن يستنجي بيساره ، وهو منهي عن الاستنجاء بيمينه نهي تنزيه لا تحريم . وقال إمام الحرمين : الاستنجاء باليمين مكروه غير محرم ، قال : وحرمه أهل الظاهر وقال ابن الصباغ وآخرون : الاستنجاء باليسار أدب ، وليس اليمين معصية ، وقال القاضي أبو الطيب وآخرون : يستحب أن يستنجي بيساره ، وقال المحاملي والفوراني والغزالي في البسيط ، والبغوي والروياني وصاحب العدة وآخرون : يكره باليمين وقال أبو محمد الجويني في الفروق والبغوي في شرح السنة : النهي عن اليمين نهي تأديب ، وعبارات الجمهور ممن لم أذكرهم نحو هذه العبارات . وقال الخطابي : النهي عن الاستنجاء باليمين عند أكثر العلماء نهي تأديب وتنزيه ، وقال بعض أهل الظاهر : لا يجزئه . وأما قول المصنف لا يجوز الاستنجاء باليمين ، فكذلك قاله سليم الرازي في الكفاية والمتولي والشيخ نصر في كتبه التهذيب والانتخاب والكافي ، وكذا رأيته في موضع من تعليق أبي حامد ، وظاهر هذه العبارة تحريم الاستنجاء باليمين ، ولكن الذي عليه جمهور الأصحاب أنه مكروه كراهة تنزيه كما ذكرنا ، ويؤيده قول الشافعي في مختصر المزني : النهي عن اليمين أدب ، ويمكن أن يحمل كلام المصنف وموافقيه على أن قولهم : لا يجوز ، معناه ليس مباحا مستوي الطرفين في الفعل والترك ، بل هو مكروه راجح الترك ، وهذا أحد المذهبين المشهورين في أصول الفقه ، وقد استعمل المصنف لا يجوز في مواضع ليست محرمة وهي تتخرج على هذا الجواب . فإن قيل : هذا غير معتاد في كتب المذهب ، قلنا : هو موجود فيها وإن كان قليلا ، ولا يمتنع استعماله على اصطلاح الأصول ، وقد حكي أن المصنف ضرب في نسخة أصله بالمهذب على لفظة : " يجوز أن " وبقي قوله لا يستنجي باليمين ، وهذا يصحح ما قلناه والله أعلم .

[ ص: 127 ] قال أصحابنا : ويستحب أن لا يستعين بيمينه في شيء من أمور الاستنجاء إلا لعذر ، وقول المصنف : إن كان الحجر صغيرا غمز عقبه عليه أو أمسكه بين إبهامي رجليه ، كذا قاله أصحابنا ، لئلا يستنجي بيمينه ولا يمس ذكره بيمينه ، فإن لم يمكنه ذلك واحتاج إلى الاستعانة باليمين فالصحيح الذي قاله الجمهور أنه يأخذ الحجر بيمينه ، والذكر بيساره ، ويحرك اليسار دون اليمين ، فإن حرك اليمين أو حركهما كان مستنجيا باليمين مرتكبا لكراهة التنزيه . ومن أصحابنا من قال : يأخذ الذكر بيمينه والحجر بيساره ويحرك اليسار ، لئلا يستنجي باليمين ، حكاه صاحب الحاوي وغيره وهو غلط ، فإنه منهي عن مس الذكر بيمينه . وذكر الرافعي وجها أنه لا طريق إلى الاحتراز من هذه الكراهة إلا بالإمساك بين العقبين أو الإبهامين ، وكيف استعمل اليمين بإمساك الحجر أو غيره فمكروه ، وهذا الوجه غلط أيضا ، قال أصحابنا : فلو كان بيده اليسرى مانع كقطع وغيره فلا كراهة في اليمين للضرورة والله أعلم .

( فرع ) في مسائل تتعلق بالفصل ( إحداها ) السنة أن يستنجي قبل الوضوء ليخرج من الخلاف وليأمن انتقاض طهره ; قال أصحابنا : ويستحب أن يبدأ في الاستنجاء بالماء بقبله .

( الثانية ) إذا أراد الرجل الاستنجاء من البول مسح ذكره على ثلاثة مواضع من الحجر طاهرة فلو مسحه ثلاثا على موضع واحد لم يجزئه وتعين الماء . قال القاضي حسين : ولو وضع رأس الذكر على جدار ومسحه من أسفل إلى أعلى لم يجزئه ، وإن مسحه من أعلى إلى أسفل أجزأه وفي هذا التفصيل نظر .

( الثالثة ) إذا أراد الاستنجاء في الدبر بالماء استحب أن يعتمد على أصبعه الوسطى لأنه أمكن ، ذكره الماوردي وغيره ويستعمل من الماء ما يظن زوال النجاسة به فإن فعل ذلك ثم شم من يده رائحة النجاسة فوجهان حكاهما [ ص: 128 ] الماوردي وغيره ( أحدهما ) يدل ذلك على بقاء النجاسة فتجب إزالتها بزيادة الغسل وعلى هذا يستحب شم الأصبع . قال الماوردي : وهذا مستبعد ، وإن كان مقولا ( والثاني ) لا يدل على بقاء النجاسة في محل الاستنجاء ، ويدل على بقائها في الأصبع ، فعلى هذا لا يستحب شم الأصبع . وهذان الوجهان مأخوذان من القولين فيما إذا غسلت النجاسة وبقيت رائحتها هل يحكم بطهارة المحل ؟ وقد ذكرهما المصنف في باب إزالة النجاسة وهناك نشرحهما ونبسط الكلام فيه إن شاء الله تعالى .

قال الغزالي في الإحياء : يدلك دبره مع الماء حتى لا يبقى أثر تدركه الكف بالمس قال : ولا يستقصي فيه بالتعرض للباطن فإن ذلك منبع الوسواس ; قال : وليعلم أن كل ما لا يصل الماء إليه فهو باطن ولا يثبت للفضلات الباطنة حكم النجاسة حتى تبرز وما ظهر ثبت له حكم النجاسة وحد ظهوره أن يصله الماء ، وقوله : لا يثبت للفضلات الباطنة حكم النجاسة ، يحتمل أنه أراد في وجوب إزالتها ، ويحتمل أنها لا يحكم بكونها نجاسة مطلقا . وفي المسألة خلاف سبق مبسوطا في أول باب ما ينقض الوضوء .

( الرابعة ) قال أصحابنا : الرجل والمرأة والخنثى المشكل في استنجاء الدبر سواء ، وأما القبل فأمر الرجل فيه ظاهر ، وأما المرأة فنص الشافعي رحمه الله على أن البكر والثيب سواء ، فيجوز اقتصارهما على الحجر ، وبهذا قطع جماهير الأصحاب في الطريقتين وقطع الماوردي بأن الثيب لا يجزئها الحجر ، حكاه المتولي والشاشي وصاحب البيان وجها وهو شاذ والصواب الأول . قال الأصحاب : لأن موضع الثيابة والبكارة في أسفل الفرج والبول يخرج من ثقب في أعلى الفرج فلا تعلق لأحدهما بالآخر ، فاستوت البكر والثيب إلا أن الثيب إذا جلست انفرج أسفل فرجها ، فربما نزل البول إلى موضع الثيابة والبكارة وهو مدخل الذكر ومخرج الحيض والمني والولد ، فإن تحققت نزول البول إليه وجب غسله بالماء ، وإن لم تتحقق استحب غسله ولا يجب . نص الشافعي على استحبابه إذا لم تتحقق ، واتفق الأصحاب عليه ، واتفقوا على وجوب غسله إذا تحققت نزوله ، قال صاحب البيان وغيره : [ ص: 129 ] يستحب للبكر أن تدخل أصبعها في الثقب الذي في الفرج فتغسله ولا يلزمها ذلك بالاتفاق . قال الشافعي والأصحاب : ويلزم الثيب أن توصل الحجر إلى الموضع الذي يجب إيصال الماء إليه في غسل الجنابة ويجب إيصال الماء إلى ما يظهر عند جلوسها على قدميها ، وإن لم يظهر في حال قيامها ، نص عليه الشافعي والأصحاب وشبهه الشافعي بما بين الأصابع ولا يبطل صومها بهذا ، قال الروياني : قال أصحابنا : ما وراء هذا في حكم الباطن ، فلا تكلف إيصال الماء والحجر إليه ، ويبطل الصوم بالواصل إليه ، ولنا وجه ضعيف ، أنه لا يجب إيصال الماء إلى داخل فرج الثيب . وأما الخنثى المشكل فقطع الأكثرون بأنه يتعين الماء في قبليه ، ممن قطع به الماوردي والقاضي حسين والفوراني والغزالي في البسيط ، والبغوي والروياني وصاحب العدة وقال المتولي والشاشي وصاحب البيان : هل يتعين الماء في قبليه ؟ أم يجزئ الحجر ؟ فيه وجهان كمن انفتح له مخرج دون المعدة مع انفتاح الأصلي . وقلنا ينقض الخارج منه ، الأصح يتعين الماء وهذه الطريقة أصح ، ولعل مراد الأكثرين التفريع على الأصح ، فإن قلنا : يجزئه الحجر وجب لكل فرج ثلاثة أحجار والله أعلم .

( الخامسة ) السنة أن يدلك يده بالأرض بعد غسل الدبر ، ذكره البغوي والروياني وآخرون لحديث ميمونة رضي الله عنها قالت : " { وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءا للجنابة فأكفأ بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثا ، ثم غسل فرجه ثم ضرب بيده الأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثا } " رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ البخاري وفي رواية مسلم : " ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله ، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكا شديدا " وعن أبي هريرة : " { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى الخلاء أتيته بماء فاستنجى ثم مسح يده على الأرض ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ } " رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم وهو حديث حسن وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم : دخل الغيضة فقضى حاجته ، ثم استنجى من إداوة ومسح يده بالتراب } " رواه النسائي وابن ماجه بإسناد جيد .

[ ص: 130 ] السادسة ) يستحب أن يأخذ حفنة من ماء فينضح بها فرجه وداخل سراويله أو إزاره بعد الاستنجاء دفعا للوسواس ، ذكره الروياني وغيره . وجاء به الحديث الصحيح في خصال الفطرة وهو الانتضاح ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية