صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( وأما الحيض فإنه يوجب الغسل لقوله تعالى : { ( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ، ولا تقربوهن حتى يطهرن ، فإذا تطهرن فأتوهن } الآية ) قيل في التفسير هو الاغتسال ، ولقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش : " { إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي } " وأما دم النفاس فإنه يوجب الغسل ; لأنه حيض مجتمع ، ولأنه يحرم الصوم والوطء ، ويسقط فرض الصلاة فأوجب الغسل كالحيض ) .


( الشرح ) أما تفسير الآية فقال جمهور المفسرين : المحيض هنا هو الحيض وهو مذهبنا ، نص عليه الشافعي والأصحاب ، قال القاضي أبو الطيب في أول باب الحيض : اختلف الناس في المحيض فعندنا هو الدم ، وقال قوم هو الفرج نفسه لأنه موضع الدم كالمبيت والمقيل موضع البيتوتة والقيلولة . وقال قوم : هو زمان الحيض . وهذان القولان غلط ; لأن الله تعالى قال : { قل هو أذى } والفرج والزمان لا يوصفان بذلك ، وفي حديث { أم سلمة : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض } " أي الدم وسنزيد في تفسير الآية وإيضاحها في أول كتاب الحيض إن شاء الله تعالى . وأما حديث بنت أبي حبيش فصحيح رواه البخاري ومسلم من رواية عائشة رضي الله عنه من طرق ، وفي بعض رواياتهما " وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي " كما هو في المهذب ، وفي بعضها : " فاغسلي عنك الدم وصلي " [ ص: 168 ] والحيضة بكسر الحاء وفتحها فالكسر اسم لحالة الحيض ، والفتح بمعنى الحيض وهي المرة الواحدة منه . قال الخطابي : الصواب الكسر وغلط من فتح وجوز القاضي عياض وغيره الفتح وهو أقوى ، وحبيش بضم الحاء المهملة ثم باء موحدة مفتوحة ثم ياء مثناة من تحت ساكنة ثم شين معجمة ، واسم أبي حبيش : قيس بن المطلب بن أسد بن عبد العزى .

( وأما حكم المسألة ) فأجمع العلماء على وجوب الغسل بسبب الحيض وبسبب النفاس ، وممن نقل الإجماع فيهما ابن المنذر وابن جرير الطبري وآخرون ، وذكر المصنف دليلهما ، ووجه الدلالة من الآية أنه يلزمها تمكين الزوج من الوطء ، ولا يجوز ذلك إلا بالغسل ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . واختلف أصحابنا في وقت وجوبه فقال القاضي أبو الطيب والمحاملي وابن الصباغ وآخرون من العراقيين والروياني : الصحيح أنه يجب بأول خروج الدم ، كما قالوا : يجب الوضوء بأول قطرة من البول ، قالوا : وفيه وجه أنه يجب بانقطاع الدم ، وليس بشيء ، وعكس الخراسانيون هذا فقالوا : الأصح أنه يجب بانقطاعه لا بخروجه ، كذا صححه الفوراني وجماعات منهم . قال إمام الحرمين ، قال الأكثرون : يجب بانقطاع الدم ، وقال أبو بكر الإسماعيلي : يجب بخروجه وهو غلط ; لأن الغسل مع دوام الحيض غير ممكن ، وما لا يمكن لا يجب . قال الإمام : والوجه أن يقال : يجب بخروج جميع الدم ، وذلك يتحقق عند الانقطاع . وقطع الشيخ أبو حامد بوجوبه بالانقطاع ، والبغوي بالخروج ، وكل من أوجب بالخروج قاسوه على البول والمني . وقد سبق فيهما ثلاثة أوجه عن المتولي وغيره في أن الوجوب بخروج البول والمني ؟ أم بالقيام إلى الصلاة ؟ أم بالمجموع ؟ قال المتولي : وتلك الأوجه جارية في الحيض قال : إلا أن القائلين هناك : يجب بالخروج اختلفوا ، فمنهم من قال : يجب بخروج الدم ، ومنهم من قال : بانقطاعه ، فحصل أربعة أوجه في وقت وجوب غسل الحيض والنفاس ( أحدها ) بخروج الدم ( والثاني ) بانقطاعه ( والثالث ) بالقيام إلى الصلاة ( والرابع ) بالخروج والانقطاع والقيام إلى الصلاة ، والأصح وجوبه بالانقطاع . [ ص: 169 ] قال إمام الحرمين وغيره : وليس في هذا الخلاف فائدة فقهية ، وقال صاحب العدة : فائدته أن الحائض إذا أجنبت ، وقلنا : لا يجب غسل الحيض إلا بانقطاع الدم ، وقلنا بالقول الضعيف أن الحائض لا تمنع قراءة القرآن ، فلها أن تغتسل عن الجنابة لاستباحة قراءة القرآن ، وسيأتي هذا مع زيادة إيضاح في أول كتاب الحيض إن شاء الله تعالى . وذكر صاحب البحر في كتاب الجنائز له فائدة أخرى حسنة فقال : لو استشهدت الحائض في قتال الكفار قبل انقطاع حيضها ، فإن قلنا : يجب بالانقطاع لم تغسل وإن قلنا بالخروج فهل تغسل ؟ فيه الوجهان في غسل الجنب الشهيد ، فحصل في الخلاف فائدتان ( إحداهما ) مسألة الشهيد ( والثانية ) مسألة الحائض إذا أجنبت ، فإن قيل : الحائض على القول القديم يباح لها القراءة سواء قلنا : يجب الغسل بخروج الدم أم بانقطاعه فينبغي إذا أجنبت أن لا يختلف الحكم . فالجواب أنا إذا قلنا : لا يجب الغسل بخروج الدم فأجنبت فهذه امرأة جنب لا غسل عليها إلا للجنابة ، فإذا اغتسلت لها ارتفعت جنابتها وبقيت حائضا مجردة فتباح القراءة ( على القديم ) وإذا قلنا : يجب الغسل بالخروج فاغتسلت للجنابة لم يصح ، ولم ترتفع جنابتها ; لأن عليها غسلين : غسل حيض وغسل جنابة ، وغسل الحيض لا يمكن صحته مع جريان الدم ، وإذا لم يصح غسل الحيض لم يصح غسل الجنابة ; لأن من عليه حدثان لا يمكن أن يرتفع أحدهما ويبقى الآخر كمن أحدث بنوم مثلا ، ثم شرع في البول وتوضأ في حال بوله عن النوم فإنه لا يصح بلا شك ، والله أعلم .

( فرع ) قال صاحب البيان وغيره : لو خرج الدم من قبلي الخنثى المشكل أو من أحدهما فلا غسل عليه وإن كان بصفة دم الحيض وفي وقته ، لجواز أنه رجل .

( فرع ) قال الشافعي رحمه الله في المختصر : وتغتسل الحائض إذا طهرت ، والنفساء إذا انقطع دمها . قال القاضي حسين وصاحب البحر : قيل لا معنى لتغيير العبارة في الحائض والنفساء إلا تحسين اللفظ وقيل هي إشارة [ ص: 170 ] إلى أن دم النفاس لا يتقدر أقله ، فمتى ارتفع بعد الولادة وإن قل وجب الغسل . ودم الحائض لو ارتفع قبل يوم وليلة لا يكون حيضا ولا غسل .

التالي السابق


الخدمات العلمية