صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( يجوز التيمم عن الحدث الأصغر لقوله تعالى : { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } ويجوز عن الحدث الأكبر وهو الجنابة والحيض ، لما روي عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال : ( { أجنبت فتمعكت في التراب فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال صلى الله عليه وسلم : إنما كان يكفيك هكذا ، وضرب يديه على الأرض ومسح وجهه وكفيه } ) ولأنه طهارة عن حدث فناب عنها التيمم كالوضوء ، ولا يجوز ذلك عن إزالة النجاسة لأنها طهارة فلا يؤمر بها للنجاسة في غير محل النجاسة كالغسل ) .


( الشرح ) أما الآية الكريمة فتقدم تفسيرها في باب ما ينقض الوضوء ، وقوله تعالى : { صعيدا طيبا } قيل : حلالا ، وقيل : طاهرا ، وهو الأظهر الأشهر ، وهو مذهب أصحابنا . وأما حديث عمار فمتفق على صحته رواه البخاري ومسلم ، وقوله : ( تمعكت ) أي تدلكت وفي رواية في الصحيح تمرغت وهو بمعنى تدلكت . وراوي الحديث عمار تقدم بيان حاله في آخر السواك . وينكر على المصنف قوله : روي بصيغة التمريض الموضوعة للعبارة عن حديث ضعيف ، مع أن هذا الحديث متفق على صحته ، وقد نبهت على مثله مرات وذكرته في مقدمة الكتاب ، وقوله : ( ولأنه طهارة عن حدث ) احتراز من طهارة النجس .

( أما الأحكام ) فيجوز التيمم عن الحدث الأصغر بالكتاب والسنة والإجماع ، ويجوز عن الحدث الأكبر ، وهو الجنابة والحيض والنفاس ، وكذا الولادة إذا قلنا توجب الغسل ، ولا خلاف في هذا عندنا ، ولا يجوز في إزالة النجاسة ، ودليله ما ذكره المصنف وأما قول المصنف ، هنا : يجوز [ ص: 240 ] التيمم ، وقوله في التنبيه : يجب فكلاهما صحيح فهو واجب في حال جائز في حال . فإذا لم يجد الماء وضاق الوقت وجب ، وإذا وجد الماء بأكثر من ثمن المثل جاز التيمم ولا يجب ، بل لو اشتراه وتوضأ كان أفضل وكذا إذا لم يجد الماء وأراد نافلة أو فريضة في أول الوقت جاز التيمم ولم يجب .

( فرع ) قد ذكرنا أن التيمم عن الحدث الأكبر جائز ، هذا مذهبنا وبه قال العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، إلا عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي التابعي فإنهم منعوه ، قال ابن الصباغ وغيره : وقيل : إن عمر وعبد الله رجعا ، واحتج لمن منعه بأن الآية في إباحته للمحدث فقط ، واحتج أصحابنا والجمهور بقول الله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } إلى قوله تعالى : { وإن كنتم جنبا فاطهروا } ثم قال تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وهو عائد إلى المحدث والجنب جميعا . وقد ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال : قال عبد الله بن مسعود : " لو أن جنبا لم يجد الماء شهرا لا يتيمم ، قال أبو موسى له : كيف يصنع بهذه الآية { فلم تجدوا ماء فتيمموا } فقال عبد الله : لو رخص لهم لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا فهذا دليل على أنهم كانوا متفقين على أن الآية تدل على جواز التيمم للجنب . واحتجوا من السنة بحديث عمار السابق وهو في الصحيحين ، وبحديث عمران بن الحصين " { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ثم رأى رجلا معتزلا لم يصل مع القوم فقال : يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم ؟ فقال يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء ، فقال : عليك بالصعيد فإنه يكفيك ، فلما حضر الماء أعطى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل إناء من ماء فقال اغتسل به } " رواه البخاري ومسلم . وعن أبي ذر رضي الله عنه ; أنه كان يعزب في الإبل وتصيبه الجنابة ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : " { الصعيد الطيب وضوء المسلم ، [ ص: 241 ] وإن لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته } " رواه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وغيرهم ، قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وقال الحاكم : حديث صحيح . وفي المسألة أحاديث كثيرة غير ما ذكرته . ومن القياس ما ذكره المصنف ، ولأن ما كان طهورا في الحدث الأصغر كان في الأكبر كالماء . وأما الآية فليس فيها منع التيمم عن الجنابة ، بل فيها جوازه كما ذكرنا ، ولو لم يكن فيها بيانه فقد بينته السنة .

( فرع ) إذا تيمم الجنب والتي انقطع حيضها ونفاسها ثم قدر على استعمال الماء لزمه الغسل . هذا مذهبنا ، وبه قال العلماء كافة إلا أبا سلمة بن عبد الرحمن التابعي فقال : لا يلزمه ، ودليلنا حديث عمران وحديث أبي ذر السابقان .

( فرع ) قال الشافعي في الأم والأصحاب : يجوز للمسافر والمعزب في الإبل أن يجامع زوجته وإن كان عادما للماء ، ويغسل فرجه ويتيمم . واتفق أصحابنا على جواز الجماع من غير كراهة ; قالوا : فإن قدر على غسل فرجه فغسله وتيمم وصلى صحت صلاته ولا يلزمه إعادتها ، فإن لم يغسل فرجه لزمه إعادة الصلاة - إن قلنا : رطوبة فرج المرأة نجسة - وإلا فلا إعادة . هذا بيان مذهبنا . وحكى ابن المنذر جواز الجماع عن ابن عباس وجابر بن زيد والحسن البصري وقتادة والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق ، واختاره ابن المنذر وحكى عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عمر والزهري أنهم قالوا : ليس له ذلك . وعن مالك قال : لا أحب أن يصيب امرأته إلا ومعه ماء . وعن عطاء قال : إن كان بينه وبين الماء ثلاث ليال لم يصبها ، وإن كان أكثر جاز ، وعن أحمد في كراهته روايتان . دليلنا على الجميع ما احتج به ابن المنذر أن الجماع مباح فلا نمنعه ولا نكرهه إلا بدليل ، فهذا هو المعتمد في الدلالة . وأما حديث عمرو بن شعيب عن [ ص: 242 ] أبيه عن جده قال : قال رجل : يا رسول الله { الرجل يغيب لا يقدر على الماء أيجامع أهله ؟ قال نعم } " رواه أحمد في مسنده ، فلا يحتج به لأنه ضعيف ، فإنه من رواية الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف . والله أعلم .

( فرع ) قد ذكرنا أن مذهبنا أن التيمم عن النجاسة لا يجوز ، ومعناه إذا كان على بعض بدنه نجاسة فتيمم في وجهه ويديه لا يصح ، وبه قال جمهور العلماء وجوزه أحمد ، واختلف أصحابه في وجوب إعادة هذه الصلاة . قال ابن المنذر : كان الثوري والأوزاعي وأبو ثور يقولون : يمسح موضع النجاسة بتراب ويصلي . قال : وحكى أبو ثور هذا عن الشافعي ، قال : والمعروف من قول الشافعي بمصر أن التيمم لا يجزئ عن نجاسة ، واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف ، وقول المصنف : فلا يؤمر بها للنجاسة ، احتراز من الحدث فإنه يؤمر بطهارته في غير محله . وقوله : كالغسل هو بفتح الغين ، معناه كما لو كان على بدنه نجاسة فلا يؤمر بالغسل في غير محلها ، ولأن التيمم رخصة ، فلا يجوز إلا فيما ورد الشرع به ، وهو الحدث والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية