صفحة جزء
( 269 ) مسألة : قال : وملاقاة جسم الرجل للمرأة لشهوة المشهور من مذهب أحمد رحمه الله ، أن لمس النساء لشهوة ينقض الوضوء ، ولا ينقضه لغير شهوة . وهذا قول علقمة وأبي عبيدة والنخعي والحكم وحماد ومالك والثوري وإسحاق والشعبي ، فإنهم قالوا : يجب الوضوء على من قبل لشهوة ، ولا يجب على من قبل لرحمة .

وممن أوجب الوضوء في القبلة ابن مسعود وابن عمر والزهري [ ص: 124 ] وزيد بن أسلم ومكحول ويحيى الأنصاري وربيعة والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز والشافعي قال أحمد : المدنيون والكوفيون ما زالوا يرون أن القبلة من اللمس تنقض الوضوء ، حتى كان بآخرة وصار فيهم أبو حنيفة ، فقالوا : لا تنقض الوضوء . ويأخذون بحديث عروة ، ونرى أنه غلط . وعن أحمد . رواية ثانية ، لا ينقض اللمس بحال .

وروي ذلك عن علي وابن عباس وعطاء وطاوس والحسن ومسروق ، وبه قال أبو حنيفة : إلا أن يطأها دون الفرج فينتشر فيها لما روى حبيب ، عن عروة ، عن عائشة ، { أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل امرأة من نسائه ، وخرج إلى الصلاة ، ولم يتوضأ } . رواه أبو داود ، وابن ماجه ، وغيرهما . وهو حديث مشهور رواه إبراهيم التيمي عن عائشة أيضا ، ولأن الوجوب من الشرع ، ولم يرد بهذا شرع ، ولا هو في معنى ما ورد الشرع به ، وقوله : { أو لامستم النساء } أراد به الجماع ، بدليل أن المس أريد به الجماع فكذلك اللمس ; ولأنه ذكره بلفظ المفاعلة ، والمفاعلة لا تكون من أقل من اثنين ، وعن أحمد ، رواية ثالثة أن اللمس ينقض بكل حال .

وهو مذهب الشافعي ، لعموم قوله تعالى : { أو لامستم النساء } وحقيقة اللمس ملاقاة البشرتين ، قال الله تعالى مخبرا عن الجن أنهم قالوا : { وأنا لمسنا السماء } وقال الشاعر :

لمست بكفي كفه أطلب الغنى

وقرأها ابن مسعود : { أو لامستم النساء } وأما حديث القبلة فكل طرقه معلولة ، قال يحيى بن سعيد : احك عني أن هذا الحديث شبه لا شيء . وقال أحمد : نرى أنه غلط الحديثين جميعا - يعني حديث إبراهيم التيمي وحديث عروة فإن إبراهيم التيمي لا يصح سماعه من عائشة ، وعروة المذكور هاهنا عروة المزني ، ولم يدرك عائشة ، كذلك قاله سفيان الثوري قال : ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني ليس هو عروة بن الزبير .

وقال إسحاق : لا تظنوا أن حبيبا لقي عروة . وقال : وقد يمكن أن يقبل الرجل امرأته لغير شهوة برا بها ، وإكراما لها ، ورحمة ، ألا ترى إلى ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قدم من سفر فقبل فاطمة . فالقبلة تكون لشهوة ولغير شهوة . ويحتمل أنه قبلها من وراء حائل ، واللمس لغير شهوة لا ينقض ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمس زوجته في الصلاة وتمسه . ولو كان ناقضا للوضوء لم يفعله .

{ قالت عائشة . إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة ، فإذا أراد أن يسجد غمزني فقبضت رجلي . } متفق عليه . وفي حديث آخر فإذا أراد أن يوتر مسني برجله

وروى الحسن قال : { كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا في مسجده في الصلاة فقبض على قدم عائشة غير متلذذ } رواه إسحاق بإسناده ، والنسائي . وعن عائشة { قالت فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فجعلت أطلبه ، فوقعت يدي على قدميه وهما منصوبتان ، وهو ساجد ، وهو يقول : أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك } رواهما النسائي ورواه مسلم { وصلى النبي صلى الله عليه وسلم حاملا أمامة بنت أبي العاص بن الربيع ، إذا سجد وضعها ، وإذا قام حملها } متفق عليه والظاهر أنه لا يسلم من مسها ; ولأنه لمس لغير شهوة فلم ينقض ، كلمس ذوات المحارم .

يحققه [ ص: 125 ] أن اللمس ليس بحدث في نفسه وإنما نقض لأنه يفضي إلى خروج المذي أو المني ، فاعتبرت الحالة التي تفضي إلى الحدث فيها ، وهي حالة الشهوة .

( 270 ) فصل : ولا فرق بين الأجنبية وذات المحرم ، والكبيرة والصغيرة .

وقال الشافعي : لا ينقض لمس ذوات المحارم ، ولا الصغيرة ، في أحد القولين ; لأن لمسهما لا يفضي إلى خروج خارج ، أشبه لمس الرجل الرجل . ولنا ، عموم النص ، واللمس الناقض تعتبر فيه الشهوة ، ومتى وجدت الشهوة فلا فرق بين الجميع . فأما لمس الميتة ، ففيه وجهان : أحدهما ، ينقض لعموم الآية . والثاني ، لا ينقض .

اختاره الشريف أبو جعفر وابن عقيل ; لأنها ليست محلا للشهوة ، فهي كالرجل .

( 271 ) فصل : ولا يختص اللمس الناقض باليد ، بل أي شيء منه لاقى شيئا من بشرتها مع الشهوة ، انتقض وضوءه به ، سواء كان عضوا أصليا ، أو زائدا . وحكي عن الأوزاعي : لا ينقض اللمس إلا بأحد أعضاء الوضوء . ولنا ، عموم النص ، والتخصيص بغير دليل تحكم لا يصار إليه . ولا ينقض مس شعر المرأة ، ولا ظفرها ، ولا سنها ، وهذا ظاهر مذهب الشافعي . ولا ينقض لمسها بشعره ولا سنه ولا ظفره ; لأن ذلك مما لا يقع الطلاق على المرأة بتطليقه ولا الظهار .

ولا ينجس الشعر بموت الحيوان ، ولا بقطعه منه في حياته .

( 272 ) فصل : وإن لمسها من وراء حائل ، لم ينتقض وضوءه ، في قول أكثر أهل العلم . وقال مالك والليث ينقض إن كان ثوبا رقيقا . وكذلك قال ربيعة : إذا غمزها من وراء ثوب رقيق لشهوة ; لأن الشهوة موجودة . وقال المروذي : لا نعلم أحدا قال ذلك غير مالك والليث .

لنا ، أنه لم يلمس جسم المرأة ; فأشبه ما لو لمس ثيابها ، والشهوة بمجردها لا تكفي ، كما لو مس رجلا بشهوة ، أو وجدت الشهوة من غير لمس .

( 273 ) فصل : وإن لمست امرأة رجلا ، ووجدت الشهوة منهما ، فظاهر كلام الخرقي نقض وضوئهما ، بملاقاة بشرتهما .

وقد سئل أحمد عن المرأة إذا مست زوجها ؟ قال : ما سمعت فيه شيئا ، ولكن هي شقيقة الرجل . يعجبني أن تتوضأ ; لأن المرأة أحد المشتركين في اللمس ، فهي كالرجل . وينتقض وضوء الملموس إذا وجدت منه الشهوة ; لأن ما ينتقض بالتقاء البشرتين ، لا فرق فيه بين اللامس والملموس ، كالتقاء الختانين . وفيه رواية أخرى : لا ينتقض وضوء المرأة ، ولا وضوء الملموس وللشافعي قولان كالروايتين . ووجه عدم النقض أن النص إنما ورد بالنقض بملامسة النساء ، فيتناول اللامس من الرجال ، فيختص به النقض ، كلمس الفرج ; ولأن المرأة والملموس لا نص فيه ، ولا هو في معنى المنصوص ; لأن اللمس من الرجل مع الشهوة مظنة لخروج المذي الناقض ، فأقيم مقامه ، ولا يوجد ذلك في حق المرأة ، والشهوة من اللامس أشد منها في الملموس ، وأدعى إلى الخروج ، فلا يصح القياس عليهما ، وإذا امتنع النص والقياس لم يثبت الدليل . [ ص: 126 ]

( 274 ) فصل : ولا ينتقض الوضوء بلمس عضو مقطوع من المرأة ; لزوال الاسم ، وخروجه عن أن يكون محلا للشهوة ولا بمس رجل ولا صبي ، ولا بمس المرأة المرأة ; لأنه ليس بداخل في الآية ; ولا هو في معنى ما في الآية ; لأن المرأة محل لشهوة الرجل شرعا وطبعا ، وهذا بخلافه .

ولا بمس البهيمة ; لذلك . ولا بمس خنثى مشكل ; لأنه لا يعلم كونه رجلا ولا امرأة . ولا بمس الخنثى لرجل أو امرأة ; لذلك ، والأصل الطهارة ، فلا تزول بالشك ولا أعلم في هذا كله خلافا ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية