صفحة جزء
( 3575 ) فصل : إذا ضمن الدين الحال مؤجلا ، صح ، ويكون حالا على المضمون عنه مؤجلا على الضامن ، يملك مطالبة المضمون عنه دون الضامن . وبهذا قال الشافعي . قال أحمد ، في رجل ضمن ما على فلان أن يؤديه في ثلاث سنين : فهو عليه ، ويؤديه كما ضمن .

ووجه ذلك : ما روى ابن عباس { ، أن رجلا لزم غريما له بعشرة دنانير ، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما عندي شيء أعطيكه . فقال : والله لا أفارقنك حتى تقضيني أو [ ص: 350 ] تأتيني بحميل ، فجره إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : كم تستنظره ؟ قال : شهرا . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأنا أحمل . فجاء به في الوقت الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : من أين أصبت هذا ؟ قال : من معدن . قال : لا خير فيها . وقضاها عنه . }

رواه ابن ماجه ، في " سننه " . ولأنه ضمن مالا بعقد مؤجل ، فكان مؤجلا كالبيع .

فإن قيل : فعندكم الدين الحال لا يتأجل ، فكيف يتأجل على الضامن ؟ أم كيف يثبت في ذمة الضامن على غير الوصف الذي يتصف به في ذمة المضمون عنه ؟ قلنا : الحق يتأجل في ابتداء ثبوته ، إذا كان بعقد ، وهذا ابتداء ثبوته في حق الضامن ، فإنه لم يكن ثابتا عليه حالا ، ويجوز أن يخالف ما في ذمة الضامن ما في ذمة المضمون عنه ، بدليل ما لو مات المضمون عنه والدين مؤجل .

إذا ثبت هذا ، وكان الدين مؤجلا إلى شهر ، فضمنه إلى شهرين ، لم يكن له مطالبة الضامن إلى شهرين ، فإن قضاه قبل الأجل ، فله الرجوع به في الحال ، على الرواية التي تقول : إنه إذا قضى دينه بغير إذن رجع به ; لأن أكثر ما فيه هاهنا ، أنه قضى بغير إذن . وعلى الرواية الأخرى ، لا يرجع به قبل الأجل ; لأنه لم يأذن له في القضاء قبل ذلك .

وإن كان الدين مؤجلا فضمنه حالا ، لم يصر حالا ، ولا يلزمه أداؤه قبل أجله ; لأن الضامن فرع للمضمون عنه ، فلا يلزمه ما لا يلزم المضمون عنه ، ولأن المضمون عنه لو ألزم نفسه تعجيل هذا الدين ، لم يلزمه تعجيله ، فبأن لا يلزم الضامن أولى ، ولأن الضمان التزام دين في الذمة ، فلا يجوز أن يلتزم ما لا يلزم المضمون عنه .

فعلى هذا ، إن قضاه حالا ، لم يرجع به قبل أجله ; لأن ضمانه لم يغيره عن تأجيله . والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها ، أن الدين الحال ثابت في الذمة ، مستحق القضاء في جميع الزمان ، فإذا ضمنه مؤجلا فقد التزم بعض ما يجب على المضمون عنه ، فصح ، كما لو كان الدين عشرة ، فضمن خمسة ، وأما الدين المؤجل ، فلا يستحق قضاؤه إلا عند أجله ، فإذا ضمنه حالا التزم ما لم يجب على المضمون ، فأشبه ما لو كان الدين عشرة فضمن عشرين . وقيل : يحتمل أن يصح ضمان الدين المؤجل حالا ، كما يصح ضمان الحال مؤجلا ، قياسا لإحداهما على الأخرى . وقد فرقنا بينهما بما يمنع القياس ، إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية