صفحة جزء
( 3970 ) مسألة قال : ( وإن كان الغاصب باعها ، فوطئها المشتري ، وأولدها ، وهو لا يعلم ، ردت الجارية إلى سيدها ، ومهر مثلها ، وفدى أولاده بمثلهم ، وهم أحرار ، ورجع بذلك كله على الغاصب ) وجملة ذلك ، أن الغاصب إذا باع الجارية ، فبيعه فاسد ; لأنه يبيع مال غيره بغير إذنه . وفيه رواية أخرى ، أنه يصح ، ويقف على إجازة المالك .

وقد ذكرنا ذلك في البيع . وفيه رواية ثالثة ، أن البيع يصح ، وينفذ ، لأن الغصب في الظاهر تتطاول مدته ، فلو لم يصح تصرف الغاصب ، أفضى إلى الضرر بالمالك والمشتري ; لأن المالك لا يملك ثمنها ، والمشتري لا يملكها . والتفريع على الرواية الأولى ، والحكم في وطء المشتري كالحكم في وطء الغاصب ، إلا أن المشتري إذا ادعى الجهالة ، قبل منه ، بخلاف الغاصب ، فإنه لا يقبل منه إلا بشرط ذكرناه . ويجب رد الجارية إلى سيدها ، وللمالك مطالبة أيهما شاء بردها ; لأن الغاصب أخذها بغير حق ، وقد قال النبي : صلى الله عليه وسلم { على اليد ما أخذت حتى ترده } .

والمشتري أخذ مال غيره بغير حق أيضا ، فيدخل في عموم الخبر ، ولأن مال غيره في يده . وهذا لا خلاف فيه بحمد الله تعالى . ويلزم المشتري المهر ; لأنه وطئ جارية غيره بغير نكاح ، وعليه أرش البكارة ، ونقص الولادة . وإن ولدت منه ، فالولد حر ; لاعتقاده أنه يطأ مملوكته ، فمنع ذلك انخلاق الولد رقيقا ، ويلحقه نسبه ، وعليه فداؤهم ; لأنه فوت رقهم على سيدهم باعتقاده حل الوطء .

وهذا الصحيح في المذهب ، وعليه الأصحاب . وقد نقل ابن منصور ، عن أحمد أن المشتري لا يلزمه فداء أولاده ، وليس [ ص: 157 ] للسيد بدلهم ; لأنهم كانوا في حال العلوق أحرارا ، ولم يكن لهم قيمة حينئذ . قال الخلال أحسبه قولا لأبي عبد الله أول ، والذي أذهب إليه أنه يفديهم . وقد نقله ابن منصور أيضا ، وجعفر بن محمد ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ويفديهم ببدلهم يوم الوضع . وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يجب يوم المطالبة ; لأن ولد المغصوبة لا يضمنه عنده إلا بالمنع ، وقبل المطالبة لم يحصل منع فلم يجب ، وقد ذكرنا فيما مضى ، أنه يحدث مضمونا ، فيقوم يوم وضعه ; لأنه أول حال أمكن تقويمه . واختلف أصحابنا فيما يفديهم به ، فنقل الخرقي هاهنا أنه يفديهم بمثلهم . والظاهر أنه أراد بمثلهم في السن ، والصفات ، والجنس ، والذكورية والأنوثية ، وقد نص عليه أحمد وقال أبو بكر عبد العزيز : يفديهم بمثلهم في القيمة . وعن أحمد رواية ثالثة ، أنه يفديهم بقيمتهم . وهو قول أبي حنيفة والشافعي وهو أصح إن شاء الله تعالى ; لأن الحيوان ليس بمثلي ، فيضمن بقيمته كسائر المتقومات ، ولأنه لو أتلفه ضمنه بقيمته . وقد ذكرنا وجه هذه الأقوال في غير هذا الموضع . وقول الخرقي : " رجع بذلك كله على الغاصب " . يعني بالمهر ، وما فدى به الأولاد ; لأن المشتري دخل على أن يسلم له الأولاد ، وأن يتمكن من الوطء بغير عوض ، فإذا لم يسلم له ذلك ، فقد غره البائع ، فرجع به عليه .

فأما الجارية إذا ردها لم يرجع ببدلها ; لأنها ملك المغصوب منه رجعت إليه ، لكنه يرجع على الغاصب بالثمن الذي أخذه منه . وإن كانت قد أقامت عنده مدة لمثلها أجر في تلك المدة ، فعليه أجرها . وإن اغتصبها بكرا ، فعليه أرش بكارتها . وإن نقصتها الولادة أو غيرها ، فعليه أرش نقصها . وإن تلفت في يده ، فعليه قيمتها . وكل ضمان يجب على المشتري ، فللمغصوب منه أن يرجع به على من شاء منهما ; لأن يد الغاصب سبب يد المشتري .

وما وجب على الغاصب ، من أجر المدة التي كانت في يده ، أو نقص حدث عنده ، فإنه يرجع به على الغاصب وحده ; لأن ذلك كان قبل يد المشتري . فإذا طالب المالك المشتري بما وجب في يده ، وأخذه منه ، فأراد المشتري الرجوع به على الغاصب ، نظرت ; فإن كان المشتري حين الشراء علم أنها مغصوبة ، لم يرجع بشيء ; لأن موجب الضمان وجد في يده من غير تغرير ، وإن لم يعلم ، فذلك على ثلاثة أضرب ; ضرب لا يرجع به ، وهو قيمتها إن تلفت في يده ، وأرش بكارتها ، وبدل جزء من أجزائها ; لأنه دخل مع البائع على أنه يكون ضامنا لذلك بالثمن ، فإذا ضمنه لم يرجع به .

وضرب يرجع به ، وهو بدل الولد إذا ولدت منه ; لأنه دخل معه في العقد على أن لا يكون الولد مضمونا عليه ، ولم يحصل من جهته إتلاف ، وإنما الشرع أتلفه بحكم بيع الغاصب منه ، وكذلك نقص الولادة . وضرب اختلف فيه ، وهو مهر مثلها وأجر نفعها ، فهل يرجع به على الغاصب ؟ فيه روايتان ; إحداهما ، يرجع به .

وهو قول الخرقي لأنه دخل في العقد على أن يتلفه بغير عوض ، فإذا غرم عوضه رجع به ، كبدل الولد ، ونقص الولادة . وهذا أحد قولي الشافعي . والثانية ، لا يرجع به ، وهو اختيار أبي بكر وقول أبي حنيفة لأنه غرم ما استوفى بدله ، فلا يرجع به ، كقيمة الجارية ، وبدل أجزائها . وهذا القول الثاني للشافعي وإن رجع بذلك كله على الغاصب فكل ما لو رجع به على المشتري لا يرجع به على الغاصب ، إذا رجع به على الغاصب رجع به الغاصب على المشتري .

وكل ما لو رجع به على المشتري رجع به المشتري على الغاصب إذا غرمه الغاصب ، لم يرجع به على المشتري . ومتى ردها [ ص: 158 ] حاملا فماتت من الوضع ، فإنها مضمونة على الواطئ ; لأن التلف بسبب من جهته .

التالي السابق


الخدمات العلمية