صفحة جزء
( 4663 ) مسألة ; قال : ( والوصية بالحمل وللحمل جائزة ، إذا أتت به لأقل من ستة أشهر منذ تكلم بالوصية ) أما الوصية بالحمل فتصح إذا كان مملوكا ، بأن يكون رقيقا ، أو حمل بهيمة مملوكة له ; لأن الغرر والخطر لا يمنع صحة الوصية ، فجرى مجرى إعتاق الحمل ، فإن انفصل ميتا ، بطلت الوصية ، وإن انفصل حيا ، وعلمنا وجوده حال الوصية ، أو حكمنا بوجوده ، صحت الوصية ، وإن لم يكن كذلك ، لم تصح ; لجواز حدوثه . ولو قال : أوصيت لك بما تحمل جاريتي هذه ، أو ناقتي هذه ، أو نخلتي هذه . جاز ; لما ذكرنا من صحتها مع الغرر . وأما الوصية للحمل ، فصحيحة أيضا ، لا نعلم فيه خلافا ، وبذلك قال الثوري ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي ; وذلك لأن الوصية جرت مجرى الميراث ، من حيث كونها انتقال المال من الإنسان بعد موته ، إلى الموصى له ، بغير عوض ، كانتقاله إلى وارثه ، وقد سمى الله تعالى الميراث وصية ، بقوله سبحانه : { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } . وقال سبحانه : { فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله } . والحمل يرث ، فتصح الوصية له ، ولأن الوصية أوسع من الميراث ، فإنها تصح للمخالف في الدين والعبد ، بخلاف الميراث ، [ ص: 91 ] فإذا ورث الحمل ، فالوصية له أولى ، ولأن الوصية تتعلق بخطر وغرر ، فتصح للحمل ، كالعتق . فإن انفصل الحمل ميتا ، بطلت الوصية ; لأنه لا يرث ، ولأنه يحتمل أن لا يكون حيا حين الوصية ، فلا تثبت له الوصية والميراث بالشك . وسواء مات لعارض ، من ضرب البطن ، أو ضرب دواء ، أو غيره ; لما بينا من أنه لا يرث . وإن وضعته حيا ، صحت الوصية ، له إذا حكمنا بوجوده حال الوصية . نقل الخرقي ، إذا أتت به لأقل من ستة أشهر . وليس ذلك شرطا في كل حال ، لكن إن كانت المرأة فراشا لزوج أو سيد يطؤها ، فأتت به لستة أشهر فما دون ، علمنا وجوده حين الوصية ، وإن أتت به لأكثر منها ، لم تصح الوصية له ; لاحتمال حدوثه بعد الوصية . وإن كانت بائنا فأتت به لأكثر من أربع سنين من حين الفرقة ، وأكثر من ستة أشهر من حين الوصية ، لم تصح الوصية له ، وإن أتت به لأقل من ذلك ، صحت الوصية له ; لأن الولد يعلم وجوده إذا كان لستة أشهر ، ويحكم بوجوده إذا أتت به لأقل من أربع سنين من حين الفرقة . وهذا مذهب الشافعي . وإن وصى لحمل امرأة من زوجها أو سيدها ، صحت الوصية له ، مع اشتراط إلحاقه به ، وإن كان منتفيا باللعان ، أو دعوى الاستبراء ، لم تصح الوصية له ; لعدم نسبه المشروط في الوصية ، فأما إن كانت المرأة فراشا لزوج أو سيد ، إلا أنه لا يطؤها ; لكونه غائبا في بلد بعيد ، أو مريضا مرضا يمنع الوطء ، أو كان أسيرا أو محبوسا ، أو علم الورثة أنه لم يطأها وأقروا بذلك ، فإن أصحابنا لم يفرقوا بين هذه الصور وبين ما إذا كان يطؤها ; لأنهما لم يفترقا في لحوق النسب بالزوج والسيد ، فكانت في حكم من يطؤها . ويحتمل أنه متى أتت به في هذه الحال ، لوقت يغلب على الظن أنه كان موجودا حال الوصية ، مثل أن تضعه لأقل من غالب مدة الحمل ، أو تكون أمارات الحمل ظاهرة ، أو أتت به على وجه يغلب على الظن أنه كان موجودا بأمارات الحمل ، بحيث يحكم لها بكونها حاملا ، صحت الوصية له ; لأنه يثبت له أحكام الحمل من غير هذا الحكم ، وقد انتفت أسباب حدوثه ظاهرا ، فينبغي أن نثبت له الوصية ، والحكم بإلحاقه بالزوج والسيد في هذه الصور إنما كان احتياطا للنسب ، فإنه يلحق بمجرد الاحتمال وإن كان بعيدا ، ولا يلزم من إثبات النسب بمطلق الاحتمال ، نفي استحقاق الوصية ، فإنه لا يحتاط لإبطال الوصية ، كما يحتاط لإثبات النسب ، فلا يلزم إلحاق ما لا يحتاط له بما يحتاط له مع ظهور ما يثبته ويصححه .

التالي السابق


الخدمات العلمية