صفحة جزء
( 676 ) مسألة : قال : ( فإذا قال : ولا الضالين ، قال : آمين ) وجملته أن التأمين عند فراغ الفاتحة سنة للإمام والمأموم . روي ذلك عن ابن عمر وابن الزبير ، وبه قال الثوري ، وعطاء ، والشافعي ، ويحيى بن يحيى ، وإسحاق ، وأبو خيثمة ، وابن أبي شيبة ، وسليمان بن داود ، وأصحاب الرأي .

وقال أصحاب مالك : لا يحسن التأمين للإمام ; لما روى مالك ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا : آمين ; فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له } . وهذا دليل على أنه لا يقولها . ولنا ، ما روى أبو هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا أمن الإمام فأمنوا ، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له } متفق عليه وروى وائل بن حجر { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قال : ولا الضالين . قال : آمين ، ورفع بها صوته } ، رواه أبو داود ورواه الترمذي ، وقال : ومد بها صوته . وقال : هو حديث حسن

، وقد قال بلال للنبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تسبقني بآمين ) . وحديثهم لا حجة لهم فيه ، وإنما قصد به تعريفهم موضع تأمينهم ، وهو عقيب قول الإمام : ( ولا الضالين ) . لأنه موضع تأمين الإمام ، ليكون تأمين الإمام والمأمومين في وقت واحد موافقا لتأمين الملائكة ، وقد جاء هذا مصرحا به ، كما قلنا ، وهو ما روي عن الإمام أحمد ، في " مسنده " . عن أبي هريرة ، { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا قال الإمام : ولا الضالين . فقولوا : آمين . فإن الملائكة تقول : آمين . والإمام يقول : آمين . فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه } ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في اللفظ الآخر : ( إذا أمن الإمام ) .

يعني إذا شرع في التأمين ( 677 ) فصل : ويسن أن يجهر به الإمام والمأموم فيما يجهر فيه بالقراءة ، وإخفاؤها فيما يخفي فيه . وقال أبو حنيفة ، ومالك في إحدى الروايتين عنه : يسن إخفاؤها ; لأنه دعاء . فاستحب إخفاؤه كالتشهد .

ولنا { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : آمين . ورفع بها صوته ، } ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتأمين عند تأمين الإمام ، فلو لم يجهر به لم يعلق عليه ، كحالة الإخفاء . وما ذكروه يبطل بآخر الفاتحة ، فإنه دعاء ويجهر به ، ودعاء التشهد تابع له . فيتبعه في الإخفاء ، وهذا تابع للقراءة فيتبعها في الجهر .

[ ص: 291 ] فصل : فإن نسي الإمام التأمين أمن المأموم ، ورفع صوته ; ليذكر الإمام ، فيأتي به ، لأنه سنة قولية إذا تركها الإمام أتى بها المأموم ، كالاستعاذة ، وإن أخفاها الإمام جهر بها المأموم ; لما ذكرناه . وإن ترك التأمين نسيانا ، أو عمدا ، حتى شرع في قراءة السورة ، لم يأت به ; لأنه سنة فات محلها .

( 679 ) فصل : في " آمين " لغتان : قصر الألف ، ومدها ، مع التخفيف فيهما ، قال الشاعر :

تباعد مني فطحل إذ دعوته أمين فزاد الله ما بيننا بعدا

وأنشدوا في الممدود :

يا رب لا تسلبني حبها أبدا     ويرحم الله عبدا قال آمينا

ومعنى " آمين " اللهم استجب لي . قاله الحسن .

وقيل : هو اسم من أسماء الله عز وجل . ولا يجوز التشديد فيها ; لأنه يحيل معناها ، فيجعله بمعنى قاصدين ، كما قال الله تعالى : { ولا آمين البيت الحرام } .

( 680 ) فصل : يستحب أن يسكت الإمام عقيب قراءة الفاتحة سكتة يستريح فيها ، ويقرأ فيها من خلفه الفاتحة ، كي لا ينازعوه فيها . وهذا مذهب الأوزاعي ، والشافعي ، وإسحاق . وكرهه مالك ، وأصحاب الرأي . ولنا ، ما روى أبو داود ، وابن ماجه أن ، سمرة ، حدث ، أنه حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكتتين ; سكتة إذا كبر ، وسكتة إذا فرغ من قراءة ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) فأنكر عليه عمران ، فكتبا في ذلك إلى أبي بن كعب ، فكان في كتابه إليهما ، أن سمرة قد حفظ . قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : للإمام سكتتان ، فاغتنموا فيهما القراءة بفاتحة الكتاب ، إذا دخل في الصلاة وإذا قال ولا الضالين .

وقال عروة بن الزبير : أما أنا فأغتنم من الإمام اثنتين ، إذا قال ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) . فأقرأ عندها ، وحين يختم السورة ، فأقرأ قبل أن يركع . وهذا يدل على اشتهار ذلك فيما بينهم . رواه الأثرم .

التالي السابق


الخدمات العلمية