صفحة جزء
( 7098 ) فصل : ومن اعتقد حل شيء أجمع على تحريمه ، وظهر حكمه بين المسلمين ، وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه ، كلحم الخنزير ، والزنى ، وأشباه هذا ، مما لا خلاف فيه ، كفر ; لما ذكرنا في تارك الصلاة . وإن استحل قتل المعصومين ، وأخذ أموالهم ، بغير شبهة ولا تأويل ، فكذلك ، وإن كان بتأويل ، كالخوارج ، فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم مع استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم ، وفعلهم لذلك متقربين به إلى الله تعالى ، وكذلك لم يحكم بكفر ابن ملجم مع قتله أفضل الخلق في زمنه ، متقربا بذلك ، ولا يكفر المادح له على هذا ، المتمني مثل فعله ، فإن عمران بن حطان قال فيه يمدحه لقتل علي :

يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ عند الله رضوانا      [ ص: 22 ] إني لأذكره يوما فأحسبه أوفى
البرية عند الله ميزانا

وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ، ومن بعدهم ، واستحلال دمائهم ، وأموالهم ، واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم ، ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم ; لتأويلهم .

وكذلك يخرج في كل محرم استحل بتأويل مثل هذا . وقد روي أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلا لها ، فأقام عمر عليه الحد ، ولم يكفره . وكذلك أبو جندل بن سهيل ، وجماعة معه ، شربوا الخمر بالشام مستحلين لها ، مستدلين بقول الله تعالى : { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } الآية . فلم يكفروا ، وعرفوا تحريمها ، فتابوا ، وأقيم عليهم الحد . فيخرج فيمن كان مثلهم مثل حكمهم . وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله ، لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك ، وتزول عنه الشبهة ، ويستحله بعد ذلك .

وقد قال أحمد : من قال : الخمر حلال . فهو كافر يستتاب ، فإن تاب ، وإلا ضربت عنقه . وهذا محمول على من لا يخفى على مثله تحريمه ; لما ذكرنا . فأما إن أكل لحم خنزير ، أو ميتة ، أو شرب خمرا ، لم يحكم بردته بمجرد ذلك ، سواء فعله في دار الحرب أو دار الإسلام ; لأنه يجوز أن يكون فعله معتقدا تحريمه ، كما يفعل غير ذلك من المحرمات .

التالي السابق


الخدمات العلمية