صفحة جزء
( 7496 ) قال : ( ومن غزا على بعير ، وهو لا يقدر على غيره ، قسم له ولبعيره سهمان ) نص أحمد على هذا ، وظاهره أنه لا يسهم للبعير مع إمكان الغزو على فرس .

وعن أحمد ، أنه يسهم للبعير سهم ، ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره . وحكي نحو هذا عن الحسن ; لأن الله تعالى قال : { فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب } . ولأنه حيوان تجوز المسابقة عليه بعوض ، فيسهم له ، كالفرس . يحققه أن تجويز المسابقة بعوض إنما أبيحت في ثلاثة أشياء دون غيرها ; لأنها آلات الجهاد ، فأبيح أخذ الرهن في المسابقة بها ، تحريضا على رياضتها ، وتعلم الإتقان فيها ، ولا يزاد على سهم البرذون ; لأنه دونه ، ولا يسهم له إلا أن يشهد الوقعة عليه ، ويكون مما يمكن القتال عليه ، فأما هذه الإبل الثقيلة ، التي لا تصلح إلا للحمل ، فلا يستحق راكبها شيئا ; لأنها لا تكر ولا تفر ، فراكبها أدنى حال من الراجل .

واختار أبو الخطاب أنه لا يسهم له بحال . وهو قول أكثر الفقهاء . قال ابن المنذر : أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم ، أن من غزا على بعير ، فله سهم راجل . كذلك قال الحسن ، ومكحول ، والثوري ، والشافعي ، وأصحاب الرأي .

وهذا هو الصحيح ، إن شاء الله تعالى ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه أسهم لغير الخيل من البهائم ، وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيرا ، ولم تخل غزاة من غزواته من الإبل ، بل هي كانت غالب دوابهم ، فلم ينقل عنه أنه أسهم لها ، ولو أسهم لها لنقل ، وكذلك من بعد النبي صلى الله عليه وسلم من خلفائه وغيرهم ، مع كثرة غزواتهم ، لم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه أنه أسهم لبعير ، ولو أسهم لبعير لم يخف ذلك ، ولأنه لا يتمكن صاحبه من الكر والفر ، فلم يسهم له ، كالبغل والحمار .

( 7497 ) فصل : وما عدا الخيل والإبل ، من البغال والحمير والفيلة وغيرها ، لا يسهم لها ، بغير خلاف ، وإن عظم غناؤها ، وقامت مقام الخيل ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسهم لها ، ولا أحد من خلفائه ، ولأنها مما لا يجوز المسابقة عليه بعوض ، فلم يسهم لها ، كالبقر . ( 7498 ) فصل : وينبغي للإمام أن يتعاهد الخيل عند دخول الحرب ، فلا يدخل إلا شديدا ، ولا يدخلها حطما ، ولا ضعيفا ، ولا ضرعا ، ولا أعجف رازحا .

فإن شهد أحد الوقعة على واحد من هذه لم يسهم له . وبه قال مالك . وقال الشافعي : يسهم له ; كما يسهم للمريض . ولنا ، أنه لا ينتفع به ، فلم يسهم له ، كالرجل المخذل والمرجف ، ولأنه حيوان يتعين منع دخوله ، فلم يسهم له ، كالمرجف .

وأما المريض الذي لا يتمكن من القتال ، فإن خرج بمرضه عن كونه من أهل الجهاد ، كالزمن والأشل [ ص: 204 ] والمفلوج ، فلا سهم له ; لأنه لم يبق من أهل الجهاد ، وإن لم يخرج بمرضه عن ذلك ، كالمحموم ، ومن به الصداع ، فإنه يسهم له ; لأنه من أهل الجهاد ، ويعين برأيه ، وتكثيره ، ودعائه .

التالي السابق


الخدمات العلمية