صفحة جزء
( 7581 ) مسألة ; قال : ولا يعقر شاة ، ولا دابة ، إلا لأكل لا بد لهم منه أما عقر دوابهم في غير حال الحرب ، لمغايظتهم ، والإفساد عليهم ، فلا يجوز ، سواء خفنا أخذهم لها أو لم نخف . وبهذا قال الأوزاعي ، والليث ، والشافعي ، وأبو ثور .

وقال أبو حنيفة ، ومالك : يجوز ; لأن فيه غيظا لهم ، وإضعافا لقوتهم ، فأشبه قتلها حال قتالهم . ولنا ، أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال في وصيته ليزيد حين بعثه أميرا : يا يزيد ، لا تقتل صبيا ، ولا امرأة ، ولا هرما ، ولا تخربن عامرا ، ولا تعقرن شجرا مثمرا ، ولا دابة عجماء ، ولا شاة ، إلا لمأكلة ، ولا تحرقن نحلا ، ولا تغرقنه ، ولا تغلل ، ولا تجبن . ولأن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن قتل شيء من الدواب صبرا } . ولأنه حيوان ذو حرمة ، فأشبه النساء والصبيان .

وأما حال الحرب . فيجوز فيها قتل المشركين كيف أمكن ، بخلاف حالهم إذا قدر عليهم ، ولهذا جاز قتل النساء والصبيان في البيات ، وفي المطمورة ، إذا لم يتعمد قتلهم منفردين ، بخلاف حالة القدرة عليهم ، وقتل بهائمهم يتوصل به إلى قتلهم وهزيمتهم . وقد ذكرنا حديث المددي الذي عقر بالرومي فرسه .

وروي أن حنظلة بن الراهب ، عقر فرس أبي سفيان به يوم أحد ، فرمت به ، فخلصه ابن شعوب وليس في هذا خلاف .

( 7582 ) فصل : فأما عقرها للأكل ، فإن كانت الحاجة داعية إليه ، ولا بد منه ، فمباح ، بغير خلاف ; لأن [ ص: 233 ] الحاجة تبيح مال المعصوم ، فمال الكافر أولى . وإن لم تكن الحاجة داعية إليه نظرنا ; فإن كان الحيوان لا يراد إلا للأكل ، كالدجاج والحمام وسائر الطير والصيد ، فحكمه حكم الطعام . في قول الجميع ; لأنه لا يراد لغير الأكل ، وتقل قيمته ، فأشبه الطعام .

وإن كان مما يحتاج إليه في القتال ، كالخيل ، لم يبح ذبحه للأكل ، في قولهم جميعا . وإن كان غير ذلك ، كالغنم والبقر ، لم يبح في قول الخرقي . وقال القاضي : ظاهر كلام أحمد إباحته ; لأن هذا الحيوان مثل الطعام في باب الأكل والقوت ، فكان مثله في إباحته . وإذا ذبح الحيوان ، أكل لحمه ، وليس له الانتفاع بجلده ; لأنه إنما أبيح له ما يأكله دون غيره . قال عبد الرحمن بن معاذ بن جبل : كلوا لحم الشاة ، وردوا إهابها إلى المغنم . ولأن هذا حيوان مأكول ، فأبيح أكله ، كالطير .

ووجه قول الخرقي ، ما روى سعيد : حدثنا أبو الأحوص ، عن سماك بن حرب ، عن { ثعلبة بن الحكم ، قال : أصبنا غنما للعدو ، فانتهبنا ، فنصبنا قدورنا ، فمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقدور وهي تغلي ، فأمر بها فأكفئت ، ثم قال لهم : إن النهبة لا تحل } . ولأن هذه الحيوانات تكثر قيمتها ، وتشح أنفس الغانمين بها ، ويمكن حملها إلى دار الإسلام ، بخلاف الطير والطعام ، لكن إن أذن الأمير فيها جاز ; لما روى عطية بن قيس ، قال : كنا إذا خرجنا في سرية ، فأصبنا غنما ، نادى منادي الإمام : ألا من أراد أن يتناول شيئا من هذه الغنم فليتناول ، إنا لا نستطيع سياقتها . رواه سعيد .

وكذلك إن قسمها ; لما روى معاذ ، قال : { غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ، فأصبنا غنما ، فقسم بيننا النبي صلى الله عليه وسلم طائفة ، وجعل بقيتها في المغنم } . رواه أبو داود . وقال سعيد : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن عبد الله بن عبيد ، أن رجلا نحر جزورا بأرض الروم ، فلما بردت ، قال : يا أيها الناس ، خذوا من لحم هذه الجزور ، فقد أذنا لكم . فقال مكحول : يا غساني ، ألا تأتينا من لحم هذه الجزور ؟ فقال الغساني : يا أبا عبد الله ، أما ترى عليها من النهبى ؟ قال مكحول : لا نهبى في المأذون فيه . ( 7583 ) .

فصل : ولم يفرق أصحابنا بين جميع البهائم في هذه المسألة ، ويقوى عندي أن ما عجز المسلمون عن سياقته وأخذه ، إن كان مما يستعين به الكفار في القتال ، كالخيل ، جاز عقره وإتلافه ; لأنه مما يحرم إيصاله إلى الكفار بالبيع فتركه لهم بغير عوض أولى بالتحريم ، وإن كان مما يصلح للأكل ، فللمسلمين ذبحه ، والأكل منه ، مع الحاجة وعدمها وما عدا هذين القسمين ، لا يجوز إتلافه ; لأنه مجرد إفساد وإتلاف ، وقد { نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان لغير مأكلة } .

التالي السابق


الخدمات العلمية