صفحة جزء
( 8568 ) فصل : ويحصل العتق بالقول ، والملك ، والاستيلاد . ونذكر ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى . ولا يحصل بالنية المجردة ; لأنه إزالة ملك ، فلا يحصل بالنية المجردة ، كسائر الإزالة . وألفاظه تنقسم إلى صريح وكناية ; فالصريح لفظ الحرية ، والعتق ، وما تصرف منهما ، نحو : أنت حر ، أو محرر ، أو عتيق ، أو معتق ، أو [ ص: 279 ] أعتقتك . لأن هذين اللفظين وردا في الكتاب والسنة ، وهما يستعملان في العتق عرفا ، فكانا صريحين فيه ، فمتى أتى بشيء من هذه الألفاظ ، حصل به العتق ، وإن لم ينو شيئا ، عتق أيضا . قال أحمد في رجل لقي امرأة في الطريق ، فقال : تنحي يا حرة . فإذا هي جاريته ، قال : قد عتقت عليه . وقال في رجل قال لخدم قيام في وليمة : مروا ، أنتم أحرار . وكانت معهم أم ولد له ، لم يعلم بها ، قال : هذا عندي تعتق أم ولده .

ويحتمل أن لا تعتق في هذين الموضعين ; لأنه قصد باللفظة الأولى غير العتق ، فلم تعتق بها ، كما لو قال : عبدي حر . يريد أنه عفيف كريم الأخلاق ، وباللفظة الثانية أراد غير أم ولده ، فأشبه ما لو نادى من نسائه ، فأجابته غيرها ، فقال : أنت طالق . يحسبها التي ناداها ، فإنها لا تطلق ، على رواية ، فكذا هاهنا . فأما إن قصد غير العتق ، كالرجل يقول : عبدي هذا حر . يريد عفته ، وكرم أخلاقه . أو يقول لعبده : ما أنت إلا حر . أي : إنك لا تطيعني ، ولا ترى لي عليك حقا ولا طاعة ، فلا يعتق في ظاهر المذهب . قال حنبل : سئل أبو عبد الله ، عن رجل قال لغلامه : أنت حر . وهو يعاتبه ؟ فقال : إذا كان لا يريد به العتق ، يقول : كأنك حر ، ولا يريد أن يكون حرا ، أو كلاما نحو هذا ، رجوت أن لا يعتق ، وأنا أهاب المسألة ; لأنه نوى بكلامه ما يحتمله ، فانصرف إليه ، كما لو نوى بكناية العتق العتق . وبهذا قال الثوري ، وابن المنذر قال : وإن طلب استحلافه ، حلف .

وبيان احتمال اللفظ لما أراده ، أن المرأة الحرة تمدح بهذا ، فيقال : امرأة حرة . يعنون عفيفة ، وتمدح المملوكة به أيضا ، ويقال للحيي الكريم الأخلاق : حر . قالت سبيعة ترثي عبد المطلب : شعرا

ولا تسأما أن تبكيا كل ليلة ويوم على حر كريم الشمائل

وأما الكناية ، فنحو قوله : لا سبيل لي عليك ، ولا سلطان لي عليك ، وأنت سائبة ، واذهب حيث شئت ، وقد خليتك . فهذا إن نوى به العتق ، عتق ; لأنه يحتمله ، وإن لم ينوه به لم يعتق ; لأنه يحتمل غيره . ولم يرد به كتاب ، ولا سنة ، ولا عرف استعمال .

وذكر القاضي ، وأبو الخطاب ، في قوله : لا سبيل لي عليك ، ولا سلطان لي عليك . روايتين ; إحداهما ، أنه صريح . والثانية ، أنه كناية ، وهو الصحيح ; لما ذكرناه . فأما إن قال : لا رق لي عليك ولا ملك لي عليك ، وأنت لله . فقال القاضي : هو صريح . نص عليه أحمد .

وذكر أبو الخطاب فيه روايتين . ولا خلاف في المذهب أنه يعتق به إذا نوى ، وممن قال : يعتق بقوله : أنت لله . إذا نوى ; الشعبي ، والمسيب بن رافع ، وحماد والشافعي . وقال أبو حنيفة : لا يعتق به ; لأن مقتضاه ، أنت عبد الله أو مخلوق لله . وهذا لا يقتضي العتق .

ولنا ، أنه يحتمل : أنه حر لله ، أو عتيق لله ، أو عبد لله وحده ، لست بعبد لي ولا لأحد سوى الله . فإذا نوى الحرية به ، وقعت ، كسائر الكنايات . وما ذكروه لا يصح ; لأن احتماله لما ذكروه لا يمنع احتماله لما ذكرناه ، بدليل سائر الكنايات ، فإنها تحتمل العتق وغيره ، ولو لم تحتمل إلا العتق لكانت صريحة فيه ، وما يحتمل أمرين ، انصرف إلى أحدهما بالنية ، وهذا شأن الكنايات . وما ذكروه من الاحتمال يدل على أن هذا ليس بصريح ، وإنما هو كناية . وقوله : لا ملك لي عليك ، ولا رق لي عليك . خبر عن انتفاء ملكه ورقه ، لم يرد به شرع ، ولا عرف استعمال في العتق ، فلم يكن صريحا فيه ، كقوله : ما أنت عبدي ، ولا مملوكي . وقوله لامرأته : ما أنت [ ص: 280 ] امرأتي ، ولا زوجتي .

التالي السابق


الخدمات العلمية