مشكلات في طريق الحياة الإسلامية

محمد الغزالي

صفحة جزء
الفصل الثالث: كلام في الإسلام

قلت لأحد الناس: تعرف فلانا؟ فإن لي صديقا يحب الاتصال به؟ ولعله يريد أن يصاهره، أو يشاركه في تجارة كبيرة!

قال: أعرفه معرفة حسنة، إنه متوسط العمر، قصير القامة أسمر الملامح!

قلت: ثم ماذا.

قال:

له رباط عنق جميل! وحذاؤه لامع! وعندما يتحرك... فأسرعت أنا بإكمال الوصف، فقلت في سخرية: [ ص: 63 ]

عندما يتحرك يكون مرح الأعطاف حلو اللفتات!!

قال:

ما تعني بهذا الهزء؟

قلت:

السخرية منك! أهذا وصف تقدمه لإنسان؟ إنك تشبه بعض المتحدثين عن الإسلام في هـذا العصر الأنكد! إنهم يعرفون الناس به فلا يزيدونهم إلا جهلا، وربما صدوهم عنه.. يجعلونه كائنا، محلوق الشارب، مكشر الأنياب، مكحول العينين، كميش الثياب.. إلخ.

التعريف يتجه إلى الحقائق الذاتية والعناصر المهمة.. إن ديننا مجهول عند الكثيرين، الناس يريدون وصفا للعقل الإسلامي، والضمير الإسلامي، والخلق الإسلامي، والحكم الإسلامي... يريدون أن يعرفوا الأسرة كما يبنيها الإسلام، والدنيا كما ينشدها الإسلام، وموازين العدالة كما ينصبها الإسلام..

إنني أعتقد أن انتشار الكفر في العالم يقع نصف أوزاره على متدينين بغضوا الله إلى خلقه بسوء كلامهم أو سوء صنيعهم!

وما أرتاب في أن الشيوعية ما راجت في أوربا وغير أوربا إلا لأن الأحبار والرهبان أيأسوا الكادحين من عدالة السماء، وسدوا في وجوههم أبواب الرحمة، فاتجهوا إلى السراب يحسبونه العباب..

واليوم يقوم ناس من المسلمين بدور الكهان القدامى، فيصورون الإسلام دينا دموي المزاج، شرس المسلك، يؤخر اللطف، ويقدم العنف، ويهتم بقص الأظافر والأشعار، أكثر مما يهتم بقص زوائد الأنانية وغمط الناس!!.. [ ص: 64 ]

والصورة التي تقدم - عالميا - لدار الإسلام أنها الدار التي ينتهب فيها المال العام، ويسودها حكم الفرد، وتهان فيها كرامة المرأة، بل تضيع حقوقها..

وأن شوارعها ملأى بالقمامة، ومدنها وقراها مظهر التخلف المادي والأدبي، وأن الفوضى والقطع هـما الرباط الذي يسود الجماهير..

وأن المصلحين الدينيين لا جؤار لهم إلا بحرب التصوير والغناء والسفور والتلفاز، وأن العودة إلى الإسلام كما يطلبها الشباب لا تعني إلا العودة إلى الهمجية الأولى..!! ومعنى ذلك كله أن الحضارة الإنسانية في خطر..!!

هل تسرنا هـذه الصورة الكئيبة التي ترسم لنا؟

إن أعداءنا يكذبون علينا، بيد أننا نشجعهم على الكذب حين يضطرب فقهنا لديننا، ويضطرب عملنا له، وتكون حياتنا الخاصة والعامة بعيدة عن جوهر الدين وغاياته العظيمة..

ذكر لي صديق ثقة أن رجلا أمريكيا دخل الإسلام بعد دراسة متعمقة، ثم قادته الأيام إلى بلاد الإسلام في عمل ما، وعاد الرجل مذعورا يقول: الحمد لله الذي عرفني الإسلام قبل أن أرى المسلمين..!

إنه توجد ردة جزئية في بعض بلاد الإسلام، وفي بعض آخر تقصير مكشوف، كما يوجد جهل فاضح في أرجاء كثيرة..

وهناك نهضة مخلصة ينقصها الفقه والتجربة، ونهضات صادقة يخونها الرسميون من علماء الدين أو يتثاقلون في نصرتها.

وهناك نفر من الحكام يحبون الإسلام حبا جما، ولا يدرون كيف يخدمونه وهناك حكام عالنوا بتأييدهم للعلمانية ، ولسياسة المرتد التركي مصطفى كمال..! [ ص: 65 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية