العسكرية العربية الإسلامية

اللواء الركن / محمود شيت خطاب

صفحة جزء
[7] التراث العسكري المغبـون:

حقق كثير من العلماء الأعلام كثيرا من التراث العربي الإسلامي وأخرجوه للناس، فأسدوا للفكر العربي الإسلامي أولا خيرا كثيرا، وأسدوا للفكر العالمي ثانيا خيرا كثيرا أيضا.

كما أنصف هـؤلاء للعلماء الأعلام مؤلفي التراث العربي الإسلامي الذي حققوه وأخرجوه للناس، فعادت أسماؤهم إلى الذكر ثانية تحيط بها هـالة من النور والتقدير والعرفان، وعاد علمهم إلى الحياة من جديد ينتفع به ويهدي للتي هـي أقوم، وكان قبل تحقيقه مغمورا أو معروفا في نطاق [ ص: 96 ] محدود، وكان مصنفوه مغمورين أو معروفين في مجال ضيق عند الخاصة من العلماء وفي فهارس التراث.

ولا يزال التراث العربي الإسلامي بحاجة ماسة إلى كثير من المحققين وإلى كثير من التحقيق، لأن نسبة ما حقق منه بالمقارنة بكميته المعروفة الموجودة لا يزال ضئيلا جدا، وما بقي من التراث العربي الإسلامي الذي ينتظر التحقيق أضعاف ما جرى تحقيقه حتى اليوم.

ومن المعروف أن التحقيق أصعب كثيرا من التأليف، وصدق الجاحظ في قوله: " ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفا أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النقص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام " .

وبدون شك، إن العرب مقصرون بالنسبة لتحقيق تراثهم العظيم عامة، ولكنهم مقصرون أعظم التقصير بالنسبة لتراثهم العسكري العربي، الذي لم يحقق منه غير جزء يسير للغاية، ولا يزال معظمه في رفوف المكتبات والمتاحف بحاجة ماسة إلى التحقيق.

وبين يدي الجزء اليسير المحقق من هـذا التراث، وعدده لا يتجاوز عدد أصابع اليدين إلا قليلا، ودراسته تظهر أهمية هـذا التراث الأصيل، وفائدة تحقيقه للحضارة الإسلامية والعربية والعالمية، فينبغي الإقبال على تحقيقه إقبالا يرفع عنه ما لاقاه من غبن مرير.

وأرى أن الجهات العسكرية المسئولة في الدول العربية قادرة على إخراج التراث العربي الإسلامي إلى النور بالتحقيق والنشر بالتعاون مع العلماء الأعلام في الأقطار العربية من جهة، وبالتعاون مع الضباط المثقفين في جيوشها من جهة أخرى.

ففي معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية عدد غير يسير من [ ص: 97 ] المخطوطات العسكرية العربية الإسلامية، تستطيع الجهات العسكرية العربية أخذ صورها وحفظ تلك الصور في مكتبة الجيش العامة، واختيار العلماء الأعلام لتحقيق جزء منها، فإذا أنجز التحقيق تكفلت تلك الجهات بطبع التحقيق ونشره وإخراجه كاملا للناس بشكل يسر القراء والدارسين.

أما الجزء الباقي منه، فيمكن أن يحققه طلاب كليات الأركان والقيادة، كجزء من دراستهم العلمية العسكرية، باعتبارها رسائل الطلاب التي تقدم إلى الكليات في نهاية سني الدراسة، فينال الطلاب عليها التقدير العلمي المتميز ما أحسنوا والتقدير العلمي غير المتميز ما قصروا، وحينذاك تحال المخطوطات التي لم تستوف حقها من التحقيق إلى طلاب جدد آخرين، ثم يتم تحقيقها بشكل يرضي العلم والعلماء، وحينذاك تنشر المخطوطات لتكون جاهزة للدراسة من القراء والدارسين.

كما تستطيع الجهات العسكرية العربية تكليف الضباط المتقاعدين المعروفين بالثقافة والعلم والقدرة على التحقيق، لينهضوا بواجب تحقيق جزء من المخطوطات العسكرية العربية الإسلامية، ولن يتأخر عن هـذا الواجب العلمي النافع أحد من هـؤلاء الضباط.

المهم أن تتحرك الجهات العسكرية العربية المسئولة، لتؤدي خدمة للتراث العربي الإسلامي العريق، فإن هـذه الخدمة تشرف تلك الجهات، وتسد ثغرة واسعة في المكتبة العربية الإسلامية لا ينبغي أن تبقى، وترفع التقصير عن تحقيق التراث العربي الإسلامي العريق الذي تقع مسئوليته على العسكريين أولا، وتزيل الغبن الفاحش الذي تعانيه المخطوطات العربية الإسلامية الذي يجب أو يزول.

المهم أن تتحرك الجهات العربي الإسلامية والجهات العسكرية الإسلامية الأخرى، ففي الحركة بركة، والسكون علامة من علامات [ ص: 98 ] الموت، وقد طال السكون في زمان تخطى السكون إلى الحركة فمتى نتحرك؟!

إن الجهات العربية الإسلامية، لا تستطيع النجاح في تحقيق التراث العربي الإسلامي فحسب، بل تستطيع أن تتفوق في هـذا النجاح على سائر الجهات غير العسكرية الأخرى، وقد أصبح لدى أكثر الدول العربية والإسلامية كليات للأركان والقيادة، وأصبح لدى قسم منها جامعات للدراسات العسكرية العليا، وبإمكان الضباط الطلاب في الكليات والجامعات العسكرية أن ينهضوا بمهمة تحقيق التراث العربي الإسلامي بكفاية واقتدار، كما فعلوا في دراساتهم السابقة.

فلا بد أن يكون لهؤلاء الطلاب من الضباط دور فاعل مرموق في التحقيق والنشر، أسوة بغيرهم من الطلاب الضباط في الدول الأجنبية، وأسوة بغيرهم من طلاب الكليات والجامعات العربية والإسلامية في الوطن العربي والدول الإسلامية بدون استثناء.

ولعل الجهات العسكرية العربية الإسلامية تضع هـذا الاقتراح موضع التنفيذ، فتفيد الطلاب الضباط، وتفيد الكليات والجامعات العسكرية، وتفيد الحضارة العربية والإسلامية، وتفيد الحضارة العالمية، وترفع الحيف عن تراث العرب والمسلمين العسكري، وتنصف مؤلفي ذلك التراث العظيم، وتبقي ذكرها عاليا في الآفاق، فما يرفع ذكر تلك الجهات كما يرفعها العلم والعلماء، دون أن تخسر شيئا لقاء هـذه الفوائد الحيوية الكثيرة، ويوم تزول الأعراض المادية الفانية، يبقى ذكر العلماء، ويبقى العلم الذي ينفع الناس، ويبقى ذكر الذين أحيوا هـذا العلم ونشروه حيا من التراث. [ ص: 99 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية