حول إعادة تشكيل العقل المسلم

الدكتور / عماد الدين خليل

صفحة جزء
الانتقـاء الحضـاري...

لم يكن هـذا " العقل " يرفض معطيات " غيره " ، ولكنه في الوقت نفسه لم يكن يتقبلها بالكلية.. لقد كان يملك في تركيبه الخاص ومن خلال منظوره العقيدي المقاييس الدقيقة والموازين العادلة التي يمرر من خلالها تلك المعطيات فيعرف جيدا ما يأخذ ويعرف جيدا ما يدع..

إنه كان يمارس عملية بناء الذات الحضارية، مستفيدا إلى أقصى [ ص: 65 ] حد، من خبرات الآخرين ولكن لم يحدث أبدا أن اقتحم في مجرى التحقق الكبير هـذا عناصر وأجساما غريبة لا تملك القدرة على الانسجام مع نسيج الحضارة الجديدة، والتناغم مع حركة نولها، وهو يروح ويجيء بإيقاع متناسق واحد..

كل الحضارات البشرية سواء انبثقت عن رؤية دينية أم موقف وضعي.. صاغها المؤمنون أم صنعها الكفار.. كانت تجد في حضارة الإسلام صدرا رحبا.. ولكن أيا من عناصرها ما كان يسمح له بالدخول ما لم يكن يحمل جواز السفر الذي يتيح له أن يصل إلى هـناك بالأسلوب المشروع..

كل الحضارات العالمية: يونانية، ورومانية، وبيزنطية، وهللينية، وفارسية، وهندية، وتركية، وصينية... وتراث الجماعات والشعوب التي عاشت في المنطقة : آرامية، ونبطية، وقبطية، وفينيقية.. إلى آخره.. كانت -جميعا- بمثابة حقول مفتوحة جال في أطرافها العقل الإسلامي، فأخذ ورفض وانتقى ومحص واختبر وعزل واستبعد وفصل.. وعرف وهو يتجول عبر هـذه الحقول الشاسعة ما الذي ينسجم ونسغه الصاعد ويزيده دما وحياة، وما الذي يحمل جراثيم المرض والهزال والدم الأزرق الفاسد، فكان يعرف جيدا كيف يرفض هـذا ويأخذ ذاك..

لم يكن مجرد اقتباس ولكنه هـضم وتمثل وتطعيم مرسوم.. هـدفه الخروج على الناس بألف نوع من الفاكهة والثمار.. مختلفة الأشكال والطعوم ولكنها تسقى بماء واحد !!..

إن هـذا الموقف الحضاري المتبصر المرن الموزون.. حقق [ ص: 66 ] مردوده الإيجابي الفعال ليس على مستوى الحضارة الإسلامية فحسب ولكن عبر نطاق الحضارات جميعا.. العناصر الطيبة الصالحة في هـذه الحضارات بعبارة أدق.. وهو خلال هـذا كله إنما كان يؤدي وظيفة لم تؤده من قبل حضارة أخرى بهذه السعة والعمق: حماية التراث الحضاري البشري وتمكينه من البقاء في مواجهة تحديات السقوط والنسيان والفناء..

يقول لويس يونغ : (... وهكذا أصبح المسلمون في المناطق الجديدة لإمبراطورياتهم على صلة تامة بحضارة واسعة تضم بين ظهرانيها أدبا واسعا مكتوبا باليونانية والسريانية والبهلوية، إلى جانب استيعاب للعلوم لم يكن لعرب الجاهلية أن يعرفوه... لقد صبت جداول كثيرة في نهر الحضارة الإسلامية ولعل أشدها تأثيرا رافد الحضارة الهيللينية، ثم الحضارة الفارسية التي أثرت في الفكر السياسي والعادات الاجتماعية، والحضارة الهندية التي أسهمت في علوم الطب والفلك وخاصة في الرياضيات، حيث أخذ العرب الأرقام الهندية، وقد أخذ العرب بعض التنظيمات الإدارية والسياسية التي كانت قائمة في البلدان المفتوحة مثل " ديوان الحسبة " الذي هـو امتداد للمؤسسة البيزنطية وفكرة " المصلحة العامة " التي هـي امتداد لـ Utilitas Publica في التشريع الروماني كما أخذوا بعض المناصب السياسية مثل " الوزير " من الفرس.

... ولقد فتح " العرب " أبوابهم على اتساعها لاستيعاب المعارف والثقافات القديمة من يونانية وغيرها، مما قاد إلى نهضة كبرى في [ ص: 67 ] مجال الترجمة... ولعل من أهم دوافع الترجمة: هـو حث الإسلام على المعرفة، ودعوته لتلقي العلم، وجعل ذلك أمنية عظمى في الحياة.. وقد تعرف المسلمون من خلال الترجمة على جوهر الفلسفة القديمة والطب والعلوم الطبيعية اليونانية.. وهكذا كان مجال الترجمة واسعا حتى إن الكثير من الأعمال اليونانية وصلت إلى أوروبا عن طريق الترجمة العربية فقط؛ لأن النسخ اليونانية الأصلية فقدت.. إن تطوير المسلمين للتراث اليوناني هـو واحد من أهم حلقات التاريخ الثقافي في العالم، وليس معنى ذلك أن الحضارة الإسلامية كانت مجرد تقليد أو انعكاس للحضارة اليونانية القديمة... ) >[1]

ويقول غرونباوم : (... وكانت نتيجة هـذه الخصومة والتنازع أن خرجت إمكانات الإسلام الفلسفية والعملية إلى حيز الفعل، وعبروا عنها من جديد في صيغ مقبولة لدى ممثلي التقاليد الأقدم عهدا التي كان على الحضارة الدينية الجديدة أن تتعامل معها... فالتفكير الإداري والسياسي من فارس ، والطرائق الهلنستية في التفسلسف والعلم الدنيوي، والطب والرياضيات من الهند ، كل ذلك قد تمثلوه واستوعبوه بغير عناء وإن التعريب اللغوي لكل ما اقتبسوه من هـذه الأمور ساعد على تمثلها، وحينما توضع وجهة النظر الأجنبية في داخل إطار إسلامي وبتعابير إسلامية، يكون الإحساس بها إسلاميا صادقا، ومن جهة أخرى فإن التوضيح التدريجي بحقائق الدين الأولى أخذ يساعد على توسيع [ ص: 68 ] الأساس الذي يقوم عليه التبادل بين الحضارت، وهكذا نجد أن ازدهار الحضارة العباسية بين [ 760 – 840 م ] إنما يمثل امتزاجا ثانيا للحضارة الإسلامية، وقد فسحوا المجال فيها للتقاليد " المحلية " التي استمدوا جزءا منها من الكتب، إلا أن معظمها داخل في تركيب الجديد عن سبيل حقائق التعايش الفعلي...) >[2]

ويقول دي لاسي أوليري : (... لقد أصبح العرب بحكم كونهم حكاما لسورية على اتصال بثقافة متكورة إلى حد بعيد، استخدموها في عدة مجالات: في بناء المجتمع والنظام الاجتماعي بشكل عام، وفي الفنون والحرف، وفي الحياة العقلية، وكان الأثر الإغريقي وثيق الصلة بهم إلا أن العنصر الفارسي كان أوثق صلة... وهكذا فقد كانت هـذه الفترة (الراشدة والأموية) فترة إحياء دائم إلى حد ما أخذت خلالها العناصر المختلفة عن العرب لغة جديدة ودينا جديدا، وتساوت الآن في ظل الخلافة والتحمت فيما بينها في حياة مشتركة، ومهما بلغت شدة الخلافات والتحمت فيما بينها في حياة مشتركة، ومهما بلغت شدة الخلافات الطائفية والسياسية فيما بعد، فقد ظلت سيادة الإسلام تنشر لواءها مدة طويلة ولا تزال كذلك إلى حد كبير، وتتمتع بحياة مشتركة، بمعنى أنه يوجد تفهم واع بين مختلف الأنحاء، وهكذا استطاع التأثير الفكري أو الديني أن ينتقل بسرعة من أحد الأطراف إلى الطرف الآخر، كما أن واجب الحج إلى مكة قد أدى الكثير في تفتح [ ص: 69 ] الحياة المشتركة في نفوس هـذه الجماعة، وترويج الحوار بين مختلف أجزاء العالم الإسلامي.. فالحياة العامة في الإسلام مبنية إلى حد كبير على استعمال اللغة العربية كوسيلة في الحياة العامة.. وكان هـذا ذا أثر في منتهى الفعالية قبل إدخال عناصر كبرى من الأتراك والهنود الذين لم يصبحوا قط من الناطقين بالعربية، فكان هـذا السبب هـو الذي جعل الجماعة الإسلامية الناطقة بالعربية وسيلة مناسبة للنقل الثقافي... ) >[3]

ويقول : (... كانت أولى وأكثر دلائل التكيف الجديد في الفكر الإسلامي هـو الإنتاج المتزايد في ترجمة الكتب التي تعالج المواضيع الفلسفية والعلمية إلى العربية، وكانت حصيلة ثمانين عاما من بعد سقوط الأمويين امتلاك العالم الناطق بالعربية نسخا عربية لأكثر كتب أرسطوطاليس ، وكبار شراح الأفلاطونية المحدثة، وبعض آثار أفلاطون ، والقسم الأعظم من أعمال جالينوس ، ومؤلفات أخرى في الطب وشروحها، وكذلك بعض الكتب اليونانية العلمية الأخرى وكتبا هـندية وفارسية عديدة...) >[4]

التالي السابق


الخدمات العلمية