المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري

الدكتور / محسن عبد الحميد

صفحة جزء
الفصل السابع

المذهبية الإسلامية وجوهر الإنسان

خلق الله الإنسان وأودع فيه دوافع فطرية تعبر عن تكوينه الخاص الذي تتفرع منه غرائزه التي تشكل أساس وجوده. ولا يمكن للزمن أن يبدل أو يقتل تلك الغرائز والنوازع الفطرية، فهي أصيلة في الحياة الإنسانية فالإنسان هـو الإنسان من حيث تلك الصفات الجوهرية. ولقد قرر القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى:

( فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (الروم : 30) . [ ص: 79 ] نعم إن تلك الغرائز يمكن أن تهذب وتوجه في ظل مذهبية متناسقة حتى تتحرك في مساراتها الصحيحة ولا تنتهي إلى انحرافات خطيرة وأمراض نفسية وجنسية واجتماعية.

إن حركة الإنسان في التاريخ لم تكن تتحرك باتجاه محاولة تغيير العمق الإنساني بقدر ما كانت تتوجه أساسا إلى محاولة إحداث التبديل في علاقة الإنسان بالعالم الخارجي، أي علاقته بما حوله من الكائنات الحية، وتسخيره للقوى التي أودعها الله في هـذا الوجود.

وبقدر ما يتعلق الأمر بتلك العلاقة، فإن الأحكام والمثل يمكن أن تتبدل من ظرف إلى آخر، دون أن يكون هـناك بالضرورة خروج على المثل الخالدة الفطرية التي تنبعث من جوهر النفس الإنسانية وكيانه الطبيعي.

وفي مراحل تاريخية معينة، لم يستطع أصحاب المناهج التغييرية أن يدركوا حقيقة التفريق بين الجوهر الإنساني الأصيل وعلاقته العرضية بالعالم الخارجي، فساووهما في التعامل فألحقوا بحركة التوازن الحضاري أضرارا كبيرة وسببوا لها انحرافات خطيرة.

على سبيل المثال، نأخذ الآباء النصارى الأوائل. فقد واجهوا المجتمعات المادية الإباحية الرومانية وغيرها، وأرادوا أن ينتشلوها من تلكم الحياة الهابطة، لا بتوجيه الغرائز الدافعة لها وصقلها بروحانية الديانةالنصرانية ، بل بنفي تلك الغرائز والدعوة إلى قتلها والقضاء عليها، فلم يتحقق قط هـدفهم فيما أرادوا، بل ظلت النصرانية تصبغ تلك المجتمعات [ ص: 80 ] من فوق، أما أعماقها الحقيقة فقد ظلت أسيرة بلك الغرائز الثابتة في كيان الإنسان.

ولذلك فلم تستطع النصرانية في تاريخها أن تطبق نظرية (من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الخد الأيسر ) ونظرية (إذا زنت عينك فاقلعها ) و (إن العلاقات الجنسية ولو كانت مشروعة فهي قذرة ) لأن هـذه النظريات لم تعبر عن أصالة الإنسان وغرائزه الفطرية.

ولذلك لم يستطع المنهج النصراني أن يؤثر في سير الحضارة الغربية ذات الأصول الرومانية فقد ظلت عبادة القوة والإباحية الجنسية تشكل المسارات الحقيقة للحضارة الأوروبية عبر تاريخها الطويل.

وكانت ردود فعل الاتجاهات المادية تجاه سيطرة التربية النصرانية الكنيسية قوية بحيث وقعت هـي بدورها في الانحراف ذاته.

فلقد رسمت تلك الاتجاهات كلها صورة مادية حيوانية بحتة في عالم الإنسان وألغت المساحة التي تتصل بكيان الإنسان الروحي، فكانت النتيجة الحتمية الانحراف المعاكس الذي حدث في كيان الإنسان، وهو الفراغ الذي أحدثه إنكار حقيقته الروحية، والذي أدى إلى أزمات نفسية وشعورية خانقة جعلت من الكائن الإنساني في ظل الحضارة الحديثة كائنا قلقا ضائعا شقيا، نتيجة الصراع الرهيب بين الغريزة الداخلية والمناهج المادية التغييرية التي خططت لطمس معالمها، لا بل قتلها إلى الأبد، بدعوى أن الإنسان يعيش في الطور الثالث من أطوار حركة التطور [ ص: 81 ] الاجتماعي وهو طور المعرفة الحسية، بعد أن مر على ما زعمه ( أوجست كونت ) بطور المعرفة الخرافية، وطور المعرفة العقلية!!

ولقد دلت عشرات البحوث العلمية الحديثة على أن الإنسان لا يمكن أن يتطور في صفاته الجوهرية، وأن التدخل الذي حدث لإنكار دور تلك الصفات هـو المسئول عما تعانيه الحضارة الحاضرة من عدم الاستطاعة في إيجاد صيغة متوازية للحياة الإنسانية >[1] .

لقد نظر الإسلام إلى الإنسان من حيث هـو جوهر أصيل له رغبات ذاتية فطرية لا بد أن تشبع وأن تحل مشاكلها في زل مذهبية ربانية تنظر إلى الإنسان نظرة أصيلة لا عرضية، ولذلك نجد أن الشريعة الإسلامية تعالج مشاكل الغرائز الإنسانية المتنوعة من مبدأ الاعتراف بوجودها. فجانبها الروحي يحتاج إلى مخطط عبادي يملؤه ويشعره بلذة العبودية لخالقه، حتى لا يبقى تائها حائرا يعاني من الفصام. وجانبها الجنسي يحتاج إلى مخطط اجتماعي أخلاقي يضبط العلاقات الجنسية في المجتمع ويحصرها في داخل الأسرة، حتى لا يودي به ضغط الغريزة الجنسية إلى الدرك الأسفل من السلوك الحيواني غير المنضبط. وجانبها في غريزة الشبع يحتاج إلى مخطط اقتصادي يحافظ على التوازن المعاشي الذي يمنع انتقال المجتمع إلى حياة الترف من جهة والجوع المهلك من جهة أخرى. وجانبها في غريزة الطموح الإنساني يحتاج إلى مخطط يحقق [ ص: 82 ] آدميته ويثبت له حرية مهذبة مضبوطة، حتى لا ينتهي الأمر إلى استعباد طائفة لطائفة أخرى وسحقها تحت مطرقة غريزة الاستعلاء والطمع.

وكذلك كل غريزة من غرائزه لو دققنا النظر فيما شرع لها الإسلام وجدنا أنه أراد المحافظة على جوهر الإنسان ممثلا في شمولية غرائزه التي تستوعب كيانه كله، عن طريق خلق التوازن المطلوب بينها، بحيث يأخذ بعضها برقاب بعض لأداء دورها كاملا في الحياة.

ونحن الذين نقف اليوم على مفترق الطريق لا بد لنا أن ندرك هـذه الحقائق الفطرية في كيان الإنسان، فعندما نخطط للتغيير علينا أن لا ننسى جوهره وأصالته، فنحاول إخضاعه لتجارب المؤسسات التربوية في الحضارة الحديثة. وإنما لا بد لنا أن نأخذ مخطط الإسلام التغييري في هـذا المجال فيطبقه بحسمه ومرونته، لأنه هـو الحق الذي يدرك في ظله الحقائق الثابتة والتوازن الأصيل.

ولدقة مسألة أمر الغرائز، وحتى لا يحصل تجاوز معاكس أقول: إننا عندما نقول (مخطط الإسلام التغييري ) لا نقصد آراء الفقهاء التي قد تكون مرتبطة بظروفها الزمانية والمكانية. إذ إن بعض تلك الآراء كثيرا ما انطلقت من ضغط العادات والأعراف، وحاولت محاصرة الغرائز، بل كبتها من منطلق الخوف الموهوم على أخلاق الناس، ومن مبدأ اتخاذ (التحريم) أصلا في كل حالة من غير دليل شرعي قاطع أو حتى قوي.

وتلك الآراء تمثل جانبا من الفكر الإسلامي في مرحلة معينة، ونحن قد قررنا أن أفكار المسلمين في أية مرحلة من مراحل التاريخ ليست [ ص: 83 ] معصومة، لأنها ليست وحيا إلهيا وإنما هـي اجتهادات قد نقبلها في عصرها وقد لا نقبلها.

المهم ألا نخرج على الضوابط الإسلامية الصحيحة الثابتة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، في تربية الغرائز والاستجابة لدوافعها الصحيحة. [ ص: 84 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية