المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري

الدكتور / محسن عبد الحميد

صفحة جزء
الفصل العاشر

المذهبية الإسلامية وقضية المستضعفين

من المسلمات المعروفة في الشريعة الإسلامية أن درء المفسدة عن الناس وجلب المصلحة لهم، بكفالة ضرورياتهم وتوفير حاجياتهم وتحسينياتهم من أهم مقاصدها العامة >[1] .

ولو استقرأنا نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وآراء المذاهب الفقهية وجدنا أن تحقيق مصالح الجماهير الواسعة تأتي في مقدمة تلك المصالح، حتى غدت هـذه القضية لوضوحها في النصوص وتواترها في النقل عن السلف الصالح تشكل قاعدة فقهية عامة، تحسم [ ص: 101 ] مسألة تعارض المصالح الخاصة مع المصالح العامة ، لصالح العامة دائما >[2] .

لقد كان من أعظم أهداف الإسلام إنقاذ الشعوب المظلومة الكادحة من ظلم الطغاة الظالمين، الذين استلبوا الجماهير الغفيرة من أممهم حقوقهم، وقضوا على إنسانيتهم وداسوا على آدميتهم.

وكان أولئك المجرمون من طغاة الأمم والشعوب وحدهم يتمتعون تنعم الحياة ويشكلون طبقة متميزة، منحرفة في عقيدتها، مستعلية في سياستها، فاسدة في أخلاقها، حيوانية في سلوكها الاجتماعي.

وقد حاول الخلفاء الراشدون والأمراء العادلون والعلماء الربانيون، عبر التاريخ الإسلامي كله أن يقفوا أمام كل انحراف يمكن أن يركز القوة والطغيان والثروة في أيدي طبقة مترفة، قليلة العدد، تتبع كل السبل المنحرفة في التحايل على المذهبية الإسلامية العادلة في الحياة، التي ارتضاها الله تعالى بمنه وكرمه، لنقل البشرية من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام وأخذ الحقوق من مغتصبيها [ ص: 102 ] وإرجاع الكرامة والحق إلى الأكثرية الساحقة من أفراد الشعوب المسحوقة تحت مطارق الفراعنة والأباطرة والنماردة و (الآباء الجاهلين ) إن صح التعبير.

غير أن الرياح لم تكن تجري دائما بما كانت تشتهيه السفينة الإسلامية، فبجانب الخلفاء الراشدين رأى التاريخ الإسلامي الحكام الظالمين، ومع الأمراء العادلين وجدنا الوزراء اللاهين. ولم تخل ساحة العلماء الربانيين الصالحين على كثرتهم من الأدعياء الطالحين الذين زوروا الحقائق الإسلامية، لتسويغ كل باطل، وتعطيل كل عدل، ومناصرة كل ظالم.

ومن هـنا فبقدر ما نفتخر في تاريخنا بالجوانب المشرقة التي يظهر بين ثناياها الحق والعدل والخير الذي جاءت به رسالة الإسلام العظيم نخجل كثيرا من رؤية الطغيان وهدر كرامة الإنسان الذي أبقت عليه رواسب الجشع والطمع والنفاق في المجتمع الإسلامي.

ونحن اليوم نعيش في عصر تتحرك فيه الجماهير المحرومة في كل مكان تطالب بتحقيق كرامتها الضائعة، واسترجاع حقوقها المسلوبة، وإنقاذ إنسانيتها المهدورة، من أخطبوط الجهل والجوع والمرض.

أولسنا أحق الأمم والجماعات بتحقيق هـذه المطالب العادلة في هـذا العصر ونحن نحمل المذهبية الإسلامية التي كرمت الإنسان، وجعلته خليفة الله تعالى في أرضه وفضلته على سائر خليقته.

إن منهجنا التغييري الإسلامي، لا بد أن يتبنى الحلول الجذرية التي [ ص: 103 ] تكون في خدمة مصالح أوسع الجماهير الإسلامية وإنقاذها من وجوه الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي والاستلاب الاقتصادي، حتى تندفع بإيمان واقتناع وحرارة إلى صنع تاريخها من جديد، وبناء حضارتها الإسلامية الإنسانية العلمية.

ويستطيع منهجنا التغييري أن يستنبط تلك الحلول الجذرية من الكتاب والسنة وعشرات الاجتهادات والنظريات الفقهية التي عالج فيها فقهاؤنا تلك الحلول بأدلتها التاريخية من خلال مشاكل ومصطلحات عصورهم، بعقلية إسلامية مرنة جدا.

ولا بد لنا أن نتجاوز آراء فقهية أخرى، تفتقر في معظم الأحوال إلى أدلة أصولية قوية، كانت تعبر في كثير من الأوقات عن سوء الفهم، وعدم الإدراك الحقيقي لأهداف الإسلام، وتحويل الأعراف إلى أصول دينية من خلال رؤية مغلقة، لا ترى إلا جزئية حاضرة ولا تتجاوز إلى إدراك الكلية والشمولية في مقاصد الشريعة الإسلامية، ولقد كانت هـذه الآراء لا سيما في المضمار السياسي والاقتصادي تعبر عن مصالح الظالمين والطغاة، والتي يراد اليوم إحياؤها من خلال فتاوى تصدر هـنا وهناك لتسويغ الاستبداد ، وتكدس الثروات وامتهان الكرامات، والتي لن يكون التفكير في الخلاص منها ومن أوزارها، عند أجيالنا الضئعة الجاهلة إلا الماركسية الملحدة أو الاشتراكيات العلمانية ، التي تصطدم في أصولها ونتائجها مع المذهبية الإسلامية في شئون الكون والحياة والإنسان.

فمذهبيتنا التغييرية الإسلامية لا بد أن تأخذ المبادرة قبل فوات الأوان [ ص: 104 ] فتعطي الأكثرية الساحقة من المظلومين والكادحين انحيازها الكامل وتقدم إليها الحلول الإسلامية الجذرية لمعالجة أوضاعها المتدهورة، وإلا ادعى فعل ذلك أرباب المذاهب المادية . ولن تفعلها إلا في ظل ضياع العقيدة والأخلاق، وسحق كرامة الإنسان، وتسليم الأمة إلى مراكز القوى التي ترتبط بها تلك المبادئ المادية والعلمانية ارتباطا عضويا.

ويحق للقارئ هـنا أن يسأل فيقول:

يا ترى ماذا فعلت الحركة الإسلامية الحديثة في هـذا المجال؟

نقول منصفين إن شاء الله:

إن الحركة الإسلامية الحديثة على الرغم من العقبات والمحاربة والاضطهاد، استطاعت أن تنقل العالم الإسلامي من حالة السكون والتأخر والمرض إلى حالة من الوعي ومعرفة الأمراض ورصد مؤامرات الأعداء، وإثبات أن الإسلام هـو دستور الكون ونظام الحياة عبر مؤلفاتها وجهودها الفكرية والحركية وصحفها ومجلاتها ومؤتمراتها. وقد استطاعت تحويل الإسلام ومذهبيته الكونية الاجتماعية بتفاصيلهما إلى سلوك عملي تجسد في أجيال شابة مثقفة في مختلف المستويات والشرائح الاجتماعية حملت الإسلام بصدق وإخلاص ورجعت إلى الله تعالى وآمنت بنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم حقيقة، وارتضت الجهاد الشامل في مضامير الحياة كلها، من أجل استئناف الحياة الإسلامية وبناء حضارتها الربانية.

ولا يمكن أن ينكر من كانت له ذرة من الإنصاف أن هـذا التحول الكبير الذي حدث في العالم الإسلامي كان كبيرا، لأنه أعاد إلى الإسلام أحقيته [ ص: 105 ] ورسم للمسلم ملامح واضحة لشخصيته الإسلامية، وأخرجه من الحياة الخرافية السلبية الميتة إلى الحياة العقلية الإيجابية الحية.

وكان من المنطقي في سلسلة الأحداث أن يؤدي ما كتب حول الإسلام ومبادثه ومذهبيته الشاملة من دراسات جامعية وفكرية عامة، وما طرح حول جزئياتها من اجتهادات ونظريات في الحياة الإنسانية كلها، إلى منهج متكامل واضح المعالم، مؤصل في تفاصيله التربوية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية متفق علية في الأقل مرحليا في عصرنا الحاضر، قابل للتجدد والنماء المستمر، يتبنى المشاكل الحضارية العامة، لا سيما المشاكل التي تتصل بالإنسان في تربيته الحيوية، وحريته السياسية والاجتماعية بالمفهوم المعصر، وبربط مصيره بمصيره، بحيث يشعر المستضعفون والمظلومون في كل مكان من العالم الإسلامي، أنه لا حل لمشكلتهم إلا في الإسلام ومذهبيته العادلة المناصرة للمظلومين والمحققة لأحلام المسحوقين الكادحين.

ولا يعتقدن أحد أن دعوتنا هـنا إلى الانحياز الكامل إلى المعذبين يعني أننا ندعو إلى إثارة حرب الطبقات وقتل المستغلين وسلبهم أموالهم واستبدال طبقة مستغلة بأخرى أبشع استغلالا. فهذه من شيم المذاهب المادية المتطرفة لا سيما الماركسية ، وإنما الذي نقصده أن يتوجه المنهج التغييري الإسلامي إلى إقرار قطع دابر الاستغلال ومظاهره وأشكاله في شئون الحياة كلها وتثبيت ذلك بوضوح، والنضال الحاسم من أجله بما يؤدي إلى إنقاذ الأكثرية المسلمة المستغلة بأيدي قلة قليلة تستند في مظاهر استغلالها السياسي والاقتصادي والاجتماعي على أنظمة غير إسلامية. [ ص: 106 ] ولقد بدأ هـذا التحول في نهاية الأربعينيات وكاد أن يتحول إلى ما يسمى بـ ( أيديولوجية المرحلة الحاضرة) لولا أن الضربات القاصمة قد وجهت في كل مكان إلى الفكر الإسلامي الحديث وحركته عن طريق التصفيات الجسدية والاضطهادات التاريخية لقادتها ومفكريها، ووضع العقبات المتنوعة في طريق الدعوة الإسلامية، الأمر الذي أدى إلى انشغال الحركة الإسلامية الحديثة بآلامها الماحقة، وهمومها الكثيرة، وحال بينها وبين إتمام مهمة المرحلة الثانية بقوة ووضوح وحسم.

ولا بد أن يتوجه التفكير الآن وبعد أكثر من ثلاثة عقود من الآلام والهموم إلى رسم خطوط تلك (الأيديولوجية الإسلامية المرحلية ) التي يجب أن تستند أساسا على (المذهبية الإسلامية الشاملة ) التي لم تأت إلا لربط الإنسان بربه، وتذكيره بآخرته، والدفاع عن عبيده المستضعفين أمام قوى الترف، حتى يشعر هـؤلاء العبيد المستلبون أنه لا ملاذ لهم إلا في إسلامهم الذي هـو عقيدتهم ومصدر عزهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة.

إن مئات الكتب التي ألفت حول الإسلام ونظمه العامة فيها مادة تشريعية ضخمة من خلال نقل آراء المذاهب والاجتهادات المتنوعة، أو من خلال اختيار الكاتب لاجتهادات خاصة في المشاكل الحضارية التي يطرقها.

ومن هـنا فقد تنوعت اختيارات ومناهج مفكري الإسلام وعلمائه في هـذا العصر، بحيث لو سألنا سائل:

ما منهجكم في القضية السياسية الفلانية أو المسألة الاقتصادية [ ص: 107 ] العلانية؟ وجدنا أنفسنا في بحر من النظريات والاجتهادات المتنوعة التي لا يتفق عليها المفكرون ودعاة الإسلام جميعا.

إن الحركة الإسلامية المتصلة بالقواعد الجماهيرية، يقع على عاتقها هـذه المهمة الإسلامية الكبيرة والنبيلة، وهي استنباط منهج الحركة السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي في إطار المذهبية الإسلامية، من أجل حل مشاكل وأزمات عصرنا الحاضر، وقد تتعرض تفاصيل ذلك المنهج إلى التغيير من جيل إلى جيل آخر، حسب ظهور تطور الحياة. إذ إن لكل عصر منهجه التفصيلي الذي يستوعب الحياة الإنسانية ومشاكلها في ذلك العصر.

والحركة الإسلامية للظروف التي مرت بها، لم تقم بعد بهذه المهمة الكبيرة.

وهذا الفراغ في المنهج التفصيلي الواقعي المتصل بآمال الجماهير الغفيرة من أمتنا هـو الذي شجع بعض الجاهلين أو المتصيدين في الماء العكر أن يدعوا أنهم يريدون الجمع بين روحية الإسلام وقيمه وبين المناهج النضالية الاقتصادية الحديثة، كما يحلو لهم أن يسموها، على الرغم من أن في الإسلام مناهج نضالية شاملة تستوعب آمال أهل الحقوق الضائعة في كل عصر، ولكن الظروف التي مرت بها الحركة الإسلامية الحديثة لم تدع لها مجالا لاستنباطها وبيان مقدماتها ونتائجها التفصيلية في مظاهر الحياة الإنسانية كلها. وعندما نقدم ذلك المنهج الإسلامي النضالي التفصيلي إلى المظلومين في كل مكان، لن نجدهم يركضون وراء سراب المناهج المادية العلمانية التي تريد أن تفرغ مجتمعاتنا من [ ص: 108 ] الإسلام عقيدة وشريعة وسلوكا وحضارة.

إن المنهج التغييري النضالي الإسلامي إذا أخذ بنظر الاعتبار طبيعة الإسلام الجماعية. ومبدأ تحقيقه الدائم لمصالح العباد وإنهاء التعسف في استعمال الحقوق، مع مراعاة الواقع المتغير والإدراك العميق لمشاكله العصرية، فسيكون هـو البديل وحده، لأوضاع الانهيار الحضاري في مجتمع الإسلام، لا غيره من المناهج التي تنطلق من داخل المنظومات الحضارية الغربية، الغريبة كل الغرابة عن المنظومة الحضارية الإسلامية.

وأقول (وحده) ، لأن المنهج الذي يمثل خصائص الأمة ومنطلقاتها الاعتقادية وأهدافها الحضارية وجوانيتها التاريخية العميقة من الروابط والأعراف والمصالح المشتركة، لا يمكن أن تزحزحه المناهج الغربية عنها في كل شيء.

إن منطق الحياة واستقراء أحوال الأمم والشعوب يقتضي هـذا!!

ونحن اليوم نقف في العالم الإسلامي على مفترق الطريق، لا بد لنا من أن نحسن الفهم والاختيار، وإلا ضاعت الفرصة التاريخية وألحقنا بقضية الإسلام والإنسانية خسارة كبيرة. [ ص: 109 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية