المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري

الدكتور / محسن عبد الحميد

صفحة جزء
الفصل الثاني عشر

المذهبية الإسلامية والقومية

كان الناس أمة واحدة، يوم أن كانوا قليلي العدد، يسكنون في منطقة واحدة، حياتهم منسجمة، ومواقفهم من مظاهر الطبيعة متشابهة ثم توسعوا، فضاقت بهم الأرض وتعددت بهم سبل العيش، فانتشروا في الأرض وتفرقوا إلى جماعات هـنا وهناك وقبائل، ثم نمت تلك الجماعات وتحولت إلى شعوب وأمم تباعدت عن بعضها.

وفرضت عليها ظروف الحياة أن تتجمع حول نفسها لتكون خصائصها عبر ألوف السنين، فتكونت بذلك اللغات المتعددة والعادات والتقاليد [ ص: 125 ] المتباينة، فشعرت كل أمة باستقلاليتها وانتقلت إلى مرحلة التفكير والنزاع والسيطرة على الجماعات والشعوب الأخرى طمعا في الاستعلاء وحصولا على مصادر العيش الرغيد.

ولقد بعث الله تعالى النبيين مبشرين منذرين في الأقوام والجماعات :

( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) (فاطر:24)

( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) (إبراهيم:4) .

ورسل الله، ذكروا الناس بأصلهم الواحد، وبربهم الواحد، ودعوهم إلى عبادته، كي لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله فيضلوا السبيل:

( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) (البقرة : 213) .

والقرآن الكريم يذكر الناس بحقيقة الوحدة الإنسانية فيقول:

( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (الحجرات : 13)

فهو إذن يدعوهم إلى التعارف والتعاون ولم يدعهم إلى الذوبان جميعا في وحدة اجتماعية واحدة، لأن وجود الشعوب والقبائل واقع اجتماعي، [ ص: 126 ] ليس من المصلحة القضاء عليها في حد ذاتها، ولا من المصلحة أن توحد لغاتها. لأن هـذا التنوع في وجودهم ولغاتهم يدفعهم إلى التنافس على الخير وإقامة الحضارة وبناء الحياة، ثم هـي آية من آيات الله المبثوثة في الوجود.

( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ) (الروم: 22) .

وليس من الفطرة أن نطلب القضاء علي آيات الله في الوجود، لأنها مظاهر تجليات أسمائه الحسنى.

ومع أن الإسلام اعترف يذلك الواقع في المجتمع الإنساني غير أنه استنكر العصبية الجنسية والقبلية، لأنها تسبب الفرقة وتولد البغضاء وتنخر المجتمعات وتسقط الحضارات. والاستقراء التاريخي في كل الأمم والشعوب دليل قاطع على ذلك.

وفي سبيل المحافظة على وحدة الإخاء البشري رسم الإسلام ثلاث دوائر حولها، حتى لا يعيش كل من في الدائرة الواحدة في دائرتها وحدها، فينتج من ذلك التعصب المقيت، والعرقية البغيضة. وتلك الدوائر هـي:

- الأولى دائرة الإسلام التي تجمع بين المسلمين جميعا في أمة واحدة:

( إنما المؤمنون إخوة ) (الحجرات:10) [ ص: 127 ]

- الثانية دائرة الدين عامة:

( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ) (آل عمران : 64)

( إن هـذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) (الأنبياء : 92) .

وهذه الآية الكريمة خطاب للرسل جميعا لأنهم جاءوا بحقيقة إسلام الوجه لله رب العالمين.

- الثالثة دائرة الأصل البشري والأخوة الإنسانية عامة:

( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ) (النساء : 1)

ولقد عاش المسلمون خلال أحقاب متطاولة في ظل أخوة الإسلام وعاش معهم غيرهم في أمن وأمان في معظم الأحوال، وانصهرت عبقريات الأمم والشعوب لتشكل الحضارة الإسلامية التي حملت لواء العلم والمعرفة قرونا من الزمان في أرجاء العالم.

وكان المسلمون جميعا على تنوع ألوانهم وشعوبهم ينتقلون بلا قيود بين بخارى وسمرقند وغزنة وطاشقند وبغداد والكوفة ودمشق والقاهرة والقيروان وفاس وقرطبة ، على الرغم من تعدد المؤسسات السياسية وتنوع الخلافة الإسلامية. يؤمنون بعقيدة واحدة، ويتجهون إلى قبلة واحدة، تجمع بينهم كذلك اللغة العربية الجميلة، والتي كانت لغة [ ص: 128 ] الحضارة الإسلامية بين المحيطين، إلى أن داهمتنا جيوش المستعمرين في عقر دارنا وبدأوا بالتخطيط الذكي لتمزيقنا وتأليب بعضنا على بعض عن طريق الفلسفات القومية العنصرية التي ظهرت في الغرب، ومن خلال تشجيع النزعات الطائفية في البلاد الإسلامية.

ولقد ظهرت النزعة القومية العنصرية أول ما ظهرت في البلاد العثمانية في ستينيات القرن الميلادي الماضي، عندما احتكت الدولة العثمانية بألمانيا احتكاكا قويا. وتوثقت بينهما أواصر السياسة والتجارة والثقافة، وبدأت البعثات العسكرية والثقافية تتقاطر على ألمانيا التي كانت تعيش يومئذ الحالة القصوى في العصبية للجنس الجرماني نتيجة لظروفها السياسية والأخطار العسكرية التي كانت تهددها من الخارج، فرجع المبعوثون الأتراك وهم مشحونون بالإعجاب الكبير لحركة القومية الألمانية ومظاهر الحضارة الغربية، ليشكلوا نواة الحركة الطورانية العنصرية التي تحولت بعد سنوات قليلة إلى حركة (تركيا الفتاة ) ثم إلى (الاتحاد والترقي ) التي انسلخت من الرابطة الإسلامية ودعت إلى إلغاء سياسة التتريك (بعد خلع السلطان عبد الحميد ) واضطهاد الشعوب التي كانت منضمة تحت لواء الدولة العثمانية - لا سيما العرب - والاستعلاء عليها الأمر الذي أدى إلى حركة رد فعل قوي عند شباب العرب المتأثرين بالثقافة الأوروبية.

ومن الحقائق الثابتة التي أثبتتها الأبحاث الحديثة والوثائق التي نشرت في القرن العشرين، أن هـذه الحركات القومية العنصرية كانت تقف [ ص: 129 ] وراءها الماسونية العالمية وسفارات الدول الأجنبية والأقليات غير الإسلامية والمؤسسات الثقافية التنصيرية التي أنشأتها الدول الاستعمارية الكبرى يومئذ ومن أبرزها الجامعة الأمريكية في بيروت >[1]

التي خرجت معظم منظري حركة القومية العربية الحديثة، وأكثرهم نصارى، سواء أكانوا مفكرين أم مؤرخين أم أدباء أم شعراء.

ومن المؤسف أن الوعي الذي ظهر بين المثقفين المسلمين عموما نتيجة لاحتكاكهم بالحضارة الغربية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلادي، بالتأخر العام الذي أصاب المجتمع ومظاهر الجهل والجوع والمرض والسقوط الحضاري فيه، لما لم يجد وعيا إسلاميا حقيقيا لتوجيهه يومئذ، استسلم للحركات العنصرية ومظاهرها الخلابة في الدعوة إلى الإصلاح والتقدم والأخذ بأسباب الحياة الحديثة.

ولقد انتهت الحركة الطورانية العنصرية في تركيا إلى إلغاء الخلافة العثمانية، وإبعاد الإسلام من شئون الحياة وإعلان اللادينية ومحاربة اللغة العربية وإلغاء حروفها وفرض سياسية التتريك على الشعوب الإسلامية الأخرى كالأكراد والعرب في ظل الانقلابات الكمالية، ابتداء من أوائل عشرينيات القرن الحالي.

وانتهت حركة القومية العربية الحديثة إلى سلوك خط معارض للإسلام من حيث هـو عقيدة وشريعة وسلوك، بل حاول مفكروها أن يوجهوها [ ص: 130 ]

بحيث تضع دينا بدل دين الإسلام، فهذا أحد هـؤلاء يقول:

( ... القومية بالنسبة إلينا نحن القوميين العرب دين له جنته وناره ولكن في هـذه الدنيا ... ) >[2] .

إن الحركة الطورانية العنصرية التركية وحركة القومية العربية، كان لهما تأثير كبير في دفع الأكراد الذين كانوا من أخلص الشعوب الإسلامية لمبادئ الإسلام وخدمة علومه وثقافته إلى التفكير في قوميتهم لا سيما بعد شعورهم بالاضطهاد الدموي الرهيب الذي أصابهم على أيدي الكماليين العنصريين في تركيا .

وقد حاول المخططون لإثارة النزعة القومية العنصرية في بلاد الإسلام أن ينطلقوا دائما من منطلق دفع القوميات للخروج النهائي من الإسلام, من هـنا فإن المتطرفين من القوميين الأكراد، دعوا قومهم إلى الانسلاخ من الإسلام، عقيدة ولغة وحضارة.

ووقعت هـذه المأساة بالنسبة إلى بعض البربر في شمالي أفريقيا ، فالمستعمرون الفرنسيون عندما احتلوا الجزائر والمغرب وتونس حاولوا بكل ما أوتوا من قوة أن يدفعوا المسلمين البربر إلى اتخاذ مواقف متطرفة في التمسك بقوميتهم، بل خططوا لإخراجهم من جماعة المسلمين والإسلام في بداية الثلاثينيات من القرن العشرين، عندما أعلنوا (الظهير [ ص: 131 ] البربري ) الذي قاومه المخلصون من المغاربة عربا كانوا أم بربرا.

غير أن القضية في شمالي أفريقيا لم تتأجج كما تأججت القوميات في الشرق الإسلامي، لأن محاربة المستعمر للإسلام قد ولد رد فعل معاكس، وجعلت المسلمين جميعا يدركون غايات المستعمرين من إحياء النزعة القومية في بلاد الإسلام.

إن الحركات القومية لما وجدت أنه من المستحيل أن يتحول مجرد التعصب العرقي إلى مضمون حضاري ومذهبية عقيدية في الحياة استعاروا لها المذهبيات المادية المتنوعة والعلمانية ، معتبرين الإسلام تراثا قديما يمثل بعض أمجادهم.

ولقد كانت نتائج هـذه المأساة التاريخية كبيرة في العالم الإسلامي، بحيث أدى إلى محاربة الإسلام في مظاهر الحياة كلها وحصره في أمور عبادية ضيقة وعدم وقوف الأمر عند حدود الحياد بين الكفر والإيمان وهو جوهر (العلمانية ) بل تجاوزها إلى (اللادينية ) وفرض المضامين المادية وأنماط الثقافة الأوروبية الأخرى على المجتمع الإسلام في نواحي الحياة كلها، ومحاصرة كل من ارتفع صوته فردا أو جماعة بالحفاظ على الذات الإسلامية ومقاومة الإلحاد والإباحية المرتبطة بمراكز القوى الخارجية، لا بل تجاوز الحصار إلى تصفية المفكرين وقادة الحركات الإسلامية واضطهاد وسحق كرامة وحرية الجيل الإسلامي الجديد الرافض للمذهبيات الأجنبية التي ولدت الدمار العقائدي والأخلاقي والحضاري في المجتمعات الإسلامية.

وقد يقول لنا قائل: [ ص: 132 ]

ما موقع العروبة في منهج التغيير الإسلامي؟

هذا كلام مجمل نريد بيانه.

فإذا كنتم تريدون العروبة ذات المضامين المادية والعلمانية والعنصرية ، فإن الإسلام يرفض هـذا رفضا قاطعا، لأن تلك المبادئ تتنافى مع الإسلام. وتلك العروبة في الحقيقة ليست عروبة بل هـي شعوبية جديدة واضحة تتقدم تحت شعارها لهدم الإسلام وإبعاده عن حياة المسلمين وتمكين المبادئ الجاحدة التي أنتجتها ثقافة الغرب غير العربية وغير الإسلامية.

إن شعوبية (العروبة ) ذات المضامين الإلحادية والعلمانية ظهرت عندما نهشت في جسم الأمة العربية الواحدة فمزقتها، وضربت أبناءها بعضهم ببعض، وسلمت بلادها رخيصة إلى اليهودية العالمية دون تخطيط ودون إرادة قتال، بل بسبق إصرار في الخيانة والاستجابة إلى الأوامر التي صدرت إلى قادتها والداعين إليها من مراكز القوى السرية والعلنية في العالم.

لقد ذلت العرب أعظم ذلة في التاريخ في ظل هـذه الشعوبية الجديدة في عقيدتها وأرضها وذات نفسها.

فكيف يمكن بعد ذلك لدعاة الإسلام أن يقبلوا بعروبة، مضمونها كفر بالله والرسول العربي، وواقعها سلسلة من الخيانات والهزائم المتلاحقة عبر [ ص: 133 ] نصف قرن كامل من أخصب زمان الأمة.

أما إذا أردتم، عروبة القرآن، عروبة الإسلام، عروبة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، فهذه هـي العروبة الحبيبة التي وصلت إلى أبعد نقطة في بلاد الإسلام من خلال دينها وثقافتها وعلومها التي كانت تقرأ وتكتب وتدرس بلغتها العبقرية الشاعرة، لغة القرآن الكريم.

هذه العروبة النظيفة هـي التي حمل لواء الدفاع عنها وعن وجودها غير العرب من علماء الأمة الإسلامية وعباقرتها.

هذه العروبية التي « وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

(ليست العربية من أحدكم بأب أو أم وإنما العربية اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي ) » >[3] هـي التي نقلت بلادا بكاملها إلى حظيرة العربية من حيث هـي دين وثقافة ولغة ومن حيث هـي أمة كريمة اختارها الله تعالى لحمل رسالة الإسلام، وجعل منها أئمتها الهداة الذين نشروا لواء الإسلام في كل صقع ورووا بدمائهم أرض الإسلام كلها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وكانوا أرحم الفاتحين بالأمم والشعوب.

وكذلك إذا أردتم أن تتوحد العرب في أمة واحدة ذات شخصية مستقلة معيد النظر في حياتها فتنقلها من الفرقة إلى الوحدة ومن التأخر إلى التقدم ومن الاستبداد إلى الشورى ومن الظلم إلى العدل ومن جور المبادئ الغربية الجاحدة إلى نور الإسلام. فهذا أمل كل مسلم يؤمن بالله واليوم [ ص: 134 ] الآخر حقا، يدعو إليها ويعمل لها، ويكافح من أجل تحقيقها.

فقوة الأمة العربية اليوم ووحدتها إذا تمت - وهي لن تتم إلا بقيادة المذهبية الإسلامية لها - فمتكون درعا عظيما للإسلام وإحياء لحضارته وقيادة لشعوبه نحو بناء حضارة إسلامية إنسانية شاملة.

إن من أعظم أسباب ذل المسلمين اليوم وتأخرهم وجهلهم بحقائق الإسلام أن العرب منذ قرن من الزمان، في ضوء مخططات العدو، يساقون إلى طريق غير طريق الإسلام، لأن الأعداء علموا جيدا أن الرائد إذا ضيع الطريق، ضاع الجميع معه.

فالشعوب الإسلامية تنتظر اليوم من العرب أن تقودها إلى بناء حياتها وشخصيتها الحضارية المستقلة، في جامعة إسلامية تتعاون شعوبها ودولها على البر والتقوى وترد الإثم والعدوان، وتري الأعداء العزة والقوة والتمكين.

والعرب لن يستطيعوا أن يقوموا بدورهم في إنقاذ أنفسهم وقيادة غيرهم وهداية شعوب العالم وإنقاذ حضارته من الانهيار القيمي والسلوكي، إلا إذا أدركوا مهمتهم وتمسكوا بعقيدتهم وحافظوا على ذاتهم.

هذا قدر العرب في هـذا العصر، وكل الدلائل النظرية والواقعية تشير إلى أن العرب بعد أن مروا بتجارب مريرة وقاسية، سيتوجهون نحو هـذا القدر الإسلامي العظيم، لأنهم مسئولون أمام الله تعالى عن ذلك: [ ص: 135 ] قال تعالى:

( وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون ) (الزخرف: 44) .

وبعكسه ستتسلم الراية أمة إسلامية أخرى، حسب الوعد الإلهي:

( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) (محمد: 38) . [ ص: 136 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية