نظرات في مسيرة العمل الإسلامي

عمر عبيد حسنة

صفحة جزء
التحكم الثقافي لقد غدت القضية الآن من الخطورة بمكان، ذلك أنها في الماضي كانت مجرد ثمرة لافتتان المغلوب بالغالب، ومحاولة التقليد والمحاكاة فيما يمكن أن يسمى: (مرحلة الانضباع الحضاري) أما اليوم، وبعد أن أصبحت الدراسات الإنسانية تخضع لمختبرات نفسية واجتماعية، وبدأت بعض المراكز المتقدمة عالميا بدراسة تاريخ الشعوب وعقائدها وعاداتها وتقاليدها، ومن ثم رسم المداخل الحقيقية لشخصيتها، وتحديد الدليل الثقافي للتعامل معها، فقد أصبحت القضية سياسية مرسومة لإبقاء الأمة في مرحلة التخلف والعجز الحضاري..

لقد أصبح في العالم المتفوق الآن مراكز متخصصة لصناعة الاهتمامات عند الشعوب، يخضع لمعطياتها السياسيون والإعلاميون والخبراء في جميع المجالات، ولم تعد الأمور عفوية كما يتصور كثير من الناس.. إن عملية التحكم الثقافي لها مؤسساتها ومختبراتها ودراساتها ووسائلها التي لا تقل أهمية عن عمليات التحكم العسكري، والتفوق الاستراتيجي، والتخطيط لمعارك هـنا وهناك يحسبها البسطاء طبيعية، ويقرءونها ببدائية عجيبة.

لقد وصلت مرحلة الأدب الدفاعي قمتها بعد سقوط الخلافة أو إسقاطها، إن صح التعبير، ومحاولة الدول الاستعمارية تصفية الحساب مع البقية الباقية من الوجود الإسلامي، وطرح بعض الشعارات والمفاهيم التي باتت تشكل الأوثان الجديدة للمجتمعات المعاصرة، كمفاهيم: الحرية والديمقراطية ، والعدالة، والعقد الاجتماعي ، وحقوق المرأة، والعلمانية، وفصل الدولة عن الدين.. التي كانت سببا في النهضة الأوروبية وتخليصها من سلطان الكنيسة، والتي اعتبرت من المسلمات التي يجب أن تقاس بها كل نهضة، وتسلكها كل أمة [ ص: 63 ] لتتخلص من واقعها المتخلف وقذف بها إلى عالم المسلمين حيث زعم أنه يعيش في فراغ، فكان أن نهض بمهمة الدفاع عن الأمة وعقيدتها، ومحاولة رد التهم عنها - بعد أن أدخل الإسلام قفص الاتهام، وحمل أوزار الكنيسة التي مارستها خلال القرون الوسطى، كما حملت إليه وسيطرت على مناخ العالم الإسلامي آثار المعركة بين الدين والعلم - علماء ومفكرون.

ويمكن لنا أن نعتبر أن مدرسة الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده كانت تمثل هـذه المرحلة، لقد انطلقوا في كتاباتهم وأعمالهم الإسلامية من نقطة رد التهم الموجهة، وإبراز محاسن الإسلام وبيان أن عقيدته ومبادئه لا تقل عن ما طرح على الساحة من شعارات، فالشورى التي جاء بها الإسلام كقيمة سياسية تشريعية هـي الديمقراطية عينها التي تنادي بها أوروبا، ونظرية العقد الاجتماعي - لروسو - هـي ما أعلنه الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته الأولى: " أطيعوني ما أطعت الله " .. الخ.

وكان لهذه المدرسة من الإيجابيات الأمور الكثيرة، ذلك أنها دافعت عن الوجود الإسلامي، وبذلت جهدها لإثبات عظمة الإسلام بشريعته وعقيدته ومحاسنه للغرب الأوروبي ليحوز الرضى، ويلاقي القبول، ولم يتوان أصحاب هـذه المدرسة من الاستشهاد بأقوال الغربيين من فلاسفة ومستشرقين، الذين كانوا في غالب الأحيان لا يرون مندوحة من بعض المديح للإسلام وتاريخه ليشكل ذلك غطاء ومظلة لتسللهم وسمومهم، لكن هـذه المرحلة - مرحلة الأدب الدفاعي - لم تخل من كثير من السلبيات، وهذا قد يكون طبيعيا إلى حد بعيد، ذلك أن الذي يواجه من مواقع الدفاع قد لا تتاح له الفرصة الكاملة لاختيار وسائل دفاعه، ومعرفة أرض المعركة ليحسن التعامل معها..

من هـذه السلبيات: الانطباع الذي ساد الساحة الثقافية من اعتبار أن ما جاءت به الحضارة الأوروبية هـو الحق المطلق، والمقياس الثابت الذي لا يتسرب إليه الخلل، الصالح لكل الأمم في كل الأمكنة، فبدأت قولبة الإسلام وصبه في القوالب الحضارية الأوروبية، حتى أدى الأمر إلى التعسف في تفسير بعض آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإخضاعها لمعان مسبقة: فالطير الأبابيل مثلا: جراثيم الحمى. والشيطان: جرثومة تنمو في الإناء المثلوم. والشورى هـي الديمقراطية التي جاء بها الغرب. والنبوة: عبقرية.. [ ص: 64 ]

وأدى الأمر كذلك إلى تمييع الإسلام بحجة صلاحيته لكل زمان ومكان، واستبدال تشريعات بشرية به تحت عنوان: فأينما وجدت المصلحة فثم شرع لله..

وأخذت المؤلفات لونا من التدجين لمبادئ الإسلام، وقياس واقع العالم الإسلامي ليس على الأصول الإسلامية، بل على أصول حضارة غريبة عنه، هـي الحضارة الإغريقية والرومانية التي تشكل الأصول الحقيقية للحضارة الأوروبية، فالحضارة الأوروبية كانت منطقية في هـذا مع نفسها لأنها نمت على أصولها، أما هـذه المدرسة، أو بعض أفرادها فقد حاول قياس الواقع الإسلامي على غير أصوله، كما قدمنا، ومن ثم كان لا بد أن تبدأ مرحلة التمييز الإسلامي نوعا ما، فجاءت هـذه المرحلة بكثير من المؤلفات تحاول تنقية المناخ الثقافي بكتابة عن شمول الإسلام لجميع جوانب الحياة، وخلوده وعدم اقتصاره على تنظيم العلاقة بين الفرد وربه، كما أريد له، وأنه دين ودولة، وأن المعركة بين الدين والعلم هـي في حقيقتها معركة بين الكنيسة والعلم، وأن الإسلام دين العلم، وأن العلم يدعو للإيمان، وأن علماء الدين في الإسلام ليسوا طبقة معينة تشكل إكليروسا له رسومه وأشكاله، يحرم ويحلل على هـواه، ويحتكر العلم الديني، وإنما هـم العلماء المتخصصون، ومن عرف حجة على من لم يعرف، وهم بشر يخطئون ويصيبون، ويؤخذ من كلامهم ويرد، ومعيار القبول والرد موافقة الكتاب والسنة.. وأن المشكلات التي يقذف بها إلى العالم الإسلامي مشكلات وهمية لا وجود لها وإنما هـي مشكلات مصنوعة لا بد من إثارتها للتمهيد لاستيراد الحلول (في مرحلة استيراد المشكلة واستيراد الحل لها) .

التالي السابق


الخدمات العلمية